الكتاب أساس التقدم

الكتاب أساس التقدم


يعتبر  الكتاب  خير وسيلة لتحاور الشعوب فمن خلاله تتلاقح أفكار الناس  على اختلاف أعراقهم و تنوع تقاليدهم و خلفياتهم الثقافية و توجهاتهم الفكرية

الكتاب و الكلمة بالأخص تملك قوة عجيبة و سحرية، عجيبة في تنقلها و خرقها لكل الحدود و الجغرافيات، لا تعترف لا بالمسافة و لا بالزمن, فالكلمة عابرة للقارات, و هي سحرية في بقائها و خلودها  قديمة قدم الدنيا, تحفظ اثار وعينا, حتى و لو متنا و تحللت أجسادنا، الكلمة حقا سحرية  فتأثيرها فينا يبرز  على جميع المستويات, من أسلوب حياة و و نمط تفكير و طريقة حديث, وهي صلة الوصل بين الأجيال, و الحقب التاريخية, و من
تعطي امتدادا للوجود البشري , فلولا الكتابة لما كان لحاضرنا من معنى و لا لوجودنا من طعم و لا لوعينا من منابع يستقي منها المعرفة و طبيعة الهوية, و لما كان لنا من بوصلة نستدل بها وسط عالم مبهم غامض, متنوع وواسع غريب متجدد و متغير, مايجعله مخيف
بشكل لذيذ , فهذا العالم يخبئ للانسان أسرارا, سعيه لسبر أغوارها و فك شيفرتها  يجعل لحياته معنى ,هذه الغاية يسعى لها  كل جيل وجد على ظهر الأرض منذ بداية الخلق, فكل دفعة بشرية كما أسميها, تساهم في تحقيق هذا الهدف الانساني المشترك, الهدف الدي يبقينا  في تساؤل دائم محير هل سنقدر يوما ما على اكتشاف جُلَّ أسرار الكون و النفس البشرية
و تمزيق ستار الغموضعنها، سؤال يشحن النفوس بتيار الحماس و يوقظ الاحساس و يدفع العقل للبحث والتنقيب، و بداية رحلته تنطلق  من صفحات  الكتب .
و لكن كيف هي علاقتنا مع الكتب ؟ فالناظر الى حالنا سيتوقف مطولا و يتسائل مليا، فشوارعنا تملؤها محلات الألبسة و المطاعم و قلما ما يصطدم بصرك بمكتبة,  و على قلة المكتبات نلاحظ اقبال محتشم عليها, فبالرغم من تحسن الوضع في السنوات  الأخيرة مع انتشار الحملات التشجيعية على مواقع التواصل الاجتماعي, ما فتح أبواب التواصل بين الشباب, اين كونوا مجموعات ثقافية و نوادي للقراءة, وقاموا 
بالتحسيس حول أهمية المطالعة, في عالم متغير و عصر انفجرت فيه المعرفة انفجارا, و لكن رغم ارتفاع نسبة المطالعة وسط الشباب, لاحظت أن النظرة للكتاب لم تتغير جدريا بل ظاهريا فقط،  ستقول لي كيف لم يطرأ عليها تغيير و نحن نقرأ ..سأخبرك ياصديقي برأيي و لك
الحرية في مخالفتي او موافقتي، سأمدك  بمقياس تقيس به نسبة تغير النظرة الى الكتاب  أو على سبيل الدقة المكانة   التي يشغلها في حياتنا اليومية, فمثلا  لو وُضع شخص بين خيارين، أن يشتري كتابا قيما بمبلغ كبير أو   يذهب لتناول غداء لذيذ , فلو رأى بأن الكتاب
لا يستحق أن يصرف لأجله داك المبلغ و الأفضل له ان يأكل و يستمتع , فهذا الشخص يفضل أن يمتع بطنه بدل تغدية عقله.
فقد ارتفعت نسبة  المطالعة و لكن لم يرتفع الوعي بأهميتها الشديدة, و هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها, أي نوع القراءة و منهجيتها, فهذه الحملات المفاجئة التي تروج للمطالعة, أغفلت جانبا مهما و هو كيف نقرأ و ماذا نقرأ و ما  المراحل و المنهحية  التي نتبعها و نحترمها خلال رحلة التثقيف الذاتي، خاصة مع الانفتاح الكبير على الثقافات الأخرى, ماسيسبب العديد من الصدمات الفكرية و الاختلالات المعرفية, وتشوهات ادراكية في حال القراءة العشوائية، فعندها ستتحول الفائدة التي رجوناها الى مضرة لطالما خشيناها, فلا يجب على القراءة أن تكون لمجرد القراءة, كما لا ينبغي التظاهر بالثقافة و التفاخر بها، فالمطالعة هي وسيلة لبناء الأمة و ليس لرفع السمعة.

سأنقل كلام روبرت مانغويل عن المكتبات حيث قال الكاتب الأرجنتيني داك المولع بالكتب

“حب المكتبات مثل أكثر المحبات, ينبغي أن يكتسب بالعلم, مامن أحد يخطو اول مرة داخل
داخل غرفة مليئة بالكتب, و بامكانه أن يعرف بالغريزة كيف يتصرف,مادا يتوقع,ماالدي
سيناله, و ماهو المفتاح ..قد يتملك المرء الرعب بسبب الفوضى و الاتساع و الصمت
و المراقبة. و التدكير الساخر بأن الانسان لا يعرف شيئ , و تتملكه بقايا من أحاسيس غامرة
تظل لصيقة به , حتى بعد أن تغدو الطقوس و التقاليد معروفة, و تتكشف معالم الجغرافيا
و تصبح الأقوام المتوحشة أليفة.”

في الختام أود التطرق الى بعض الاحداث التاريخية التي كان الكتاب ضحية فيها للحرق و  و لحملات المطاردة من طرف الطغات اولائك من استعبدوا الشعوب و أرادوا لظلمهم أن  يدوم و يطول معه ليل المستضعفين , لنقف على أهمية الكلمة النافعة  في بناء الحضارات
و تحرير الانسان ..
فقبل 80 عاما شهدت ألمانيا أكبر عملية لحرق كتب قام بها ونظمها مجموعة من طلبة الجامعات تلتها عملية تجريف للعقول الأدبية التي اضطرت للهجرة وحاولت التصدي للنازية من الخارج، بينما خضعت أعمال الكتاب الآخرين للرقابة الصارمة.
أيضا مكتبة سراييفو رمز سراييفو القديم و”جبل المعرفة” لدى العالم الذي تم حرقه على يد الجيش الصربي عند حرق المدينة  عام 1992، دون مس ممتلكات النمساويين من نوادٍ ومصانع إنتاج الخمور، ثم منع المياه من الوصول للمكتبة لإخماد الحريق, وكانت المكتبة تضم مليوني كتاب، و300 مخطوطة عالمية، وكتب غرب البلقان القديمة وآلاف الروايات والكتب التاريخية والرسائل الجامعية, وتدق صفارات الإنذار كل عام في 25 أغسطس للتذكرة برمز سراييفو..

و كذلك محرقة الكتب الكبرى التي قام بها  المسيحيون   عند سقوط غرناطة و استحالت على اثرها آلاف الكتب القيمة الى رماد، فلطالما كان الكتاب النور الذي يرعب زبانية الجهل و  الظلام .

أحمد خليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *