إرهابيس – أرض الإثم والغفران
عادل مصطفاي
لابد أن نعلم أن الرواية الناجحة هي التي تشد القارىء من أول الصفحات، و تدفعه نحو الأمام لمواصلة رحلة قرائية تمزج بين الواقع والخيال بطريقة مبتكرة و سلسلة تتدفق فيها الأفكار وسط سرد مُمنهج وسلسل. هذا ما نراه حرفياً في رواية إرهابيس التي تندرج ضمن نهج الرواية – الأطروحة – و التي لا تكتفي بالوظيفة السردية التقليدية بل تتجاوز هذا البعد نحو فضاء جدلي يُستثمر فيه الأدب ليصبح ذات أبعاد فكرية و تاريخيّة معقدة. بالإضافة إلى ذلك، الفكرة المُبتكرة، والتي تنم عن ثقافة اجتماعية و سياسية واسعة ظهرت جلياً بين صفحات هذا الكتاب.
لم تر شيئاً يا صديقي…
تتطور الشخصيات في الرواية بين جناحين أساسيين في إطار سردي واضح وسلسل، الجناح الأول هو العمق السيكولوجي التي تحمله، فبالإضافة إلى الوظيفة السردية، تظهر تلك الشخصيات على أنها نماذج فكرية تحمل في طياتها دلالات فكرية وفلسفية واجتماعية متنوعة. أما الجناح الثاني فهو في كونها كائنات سردية تتطور وفق منطق داخلي يمزج بين الواقع و بين الخيال، هذا الجزء بالذات كان الدافع الرئيسي في بناء الإنسان – على اختلافه – داخل الرواية و جعله يتفاعل بصورة طبيعية وسط مناخ – مُبتكر – وهذا ، ايضاً، ما يجعل القارئ يتفاعل بصورة إيجابية مع حيثيات الرواية.
” هل تعلمون أن المبدع هو رجل أكثر بدائية. أكثر تحضراً. أكثر تدميراً. أكثر جنونا. وأكثر عقلانية من أي رجل عادي. فلو أردت أن تتحوّل أحلامك إلى حقيقة فإن أول ما عليك فعله هو أن تستيقظ …”
من يقرأ هذه الرواية سيجد نفسه أمام واقع جديد، و طريقة جديدة لتحليل الخطاب و السرد و فهم الشخصيات و التفاعل معها سلبياً و ايجابياً بكونه جزءاً لا يتجزأ منها، يتسابق مع الصفحات، يتوقف حين الصدمات، يتفكر عند التساؤلات ، كل هذا يتماشى مع اللغة السلسة و الواضحة و – الشاعرية -. يمكن القول إن هذه الرواية هي رواية فكرية بامتياز، قد لا تنال إعجاب من يبحث عن التشويق و الإثارة لكنها، و بدون شك ستثير انتبه من يبحث عن تحليل نفسي و فلسفي لظاهرة إنسانية و تاريخية مست أطياف كثيرة من المجتمعات. تُقرأ هذه الرواية ببطء، وتُفهم على مراحل، وتترك أثرًا فكريًا يتجاوز لحظة القراءة.
يقول جورج لوكاش: “الرواية العظيمة لا تطرح الأفكار فقط، بل تجعلنا نعيشها”.
تعتمد إرهابيس على فكرة لافتة: وهي عبارة عن فضاء تخييلي يجمع رموز العنف والإرهاب عبر التاريخ في مكان واحد. هذه الفكرة، في ظاهرها، فكرة أصيلة تمنح النص بعدًا كونيًا، وتحرّره من حدود الجغرافيا نحو أفق إنساني أوسع. يجب على أي قارئ أن يتوقع الاصطدام بإشكالية فكرية مهمة أمام هذا العمل، فقد تتحول هذه الرواية بالنسبة للبعض إلى ساحة لعرض الأفكار والسقوط في وعاء الخطاب. في هذا السياق، يجب على القارىء أن ينطلق من مبدأ مهم، وهو ان قوة الرواية تكمن في قدرتها على تفكيك ظاهرة الإرهاب بدل الاكتفاء بإدانته. فهي لا تقدّم خطابًا تبسيطيًا، بل تطرح شبكة معقّدة من الأسئلة حول العلاقة بين العنف والفكر، بين التاريخ والواقع، وبين الإنسان ومصيره. هذا العمق يجعل النص غنيًا بالقراءات الممكنة، ويمنحه قيمة تتجاوز المتعة الآنية إلى التأمل طويل الأمد.
” إنما التقينا جميعاً على هذه الجزيرة، ليقرأ كل واحد منا تاريخه بينه وبين نفسه، وليس عليه أن يندم، فالتاريخ ليس عربة ندفعها إلى الخلف. ”
على مستوى اللغة، يتميز النص بأسلوب كثيف ومشحون بالدلالات، حيث تتداخل الإحالات التاريخية والدينية والسياسية في نسيج لغوي واحد. هذه الكثافة ليست مجرد تزيين أسلوبي، بل تعكس طبيعة الموضوع نفسه، وتعزّز الإحساس بثقل العالم الذي تحاول الرواية تفكيكه. اللغة هنا ليست أداة نقل، بل فضاء تفكير. قد يتحول هذا المسار إلى عبء، وقد يفقد النص بسيبه بعضاً من أهميته، إذا اختل ميزان السرد و اللغة. يمكن تلخيص خصائص اللغة في هذه الرواية في النقاط التالية:
لغة كثيفة و مشحونة دلالياً : وهي طريقة تتماشى مع طبيعة النص الذي يحمل في طياته دلالات فكرية و فلسفية مختلفة وهذا ما يفرض على اللغة ان تكون بنفس النهج الكثيف و بدلالات تختلف على حسب رؤية القارئ. على سبيل المثال في الصفحة 62 من الرواية نجد العبارة التالية : « لو كان البشر ملائكة، ما رقصت الشياطين على القبور الصامتة.» لهذه العبارة دلالات كثيرة ومكثفة ، تدفع القارىء للتساؤل حول ماهية – الصمت – المقصود و حول العلاقة بين البشر و الشياطين. هذه العبارة فلسفية عميقة، تعبر عن الجدلية الأزلية بين الخير والشر، وتستعرض كيف يستفيد “الشر” من غياب “المثالية البشرية”.
نزعة خطابية واعية: تتجلى اللغة ذات النزعة الخطابية الواعية كاداة فكرية يسعى من خلالها الكاتب إلى تفكيك ظاهرة الارهاب و الاستبداد، هذه اللغة ليست عفوية بل واعية لأنها تخدم الاطروحة التي تناقش إشكاليات حضارية وسياسية. ” ﻻ ﻋﻴـﺐَ ﻓـﻲ اﻻﻋﺘـﺮاف ﺑﺎﻟﻔﺸـﻞِ.. ﻟﻜـﻦّ اﻟﻔﻜـﺮة ﺗﺒﻘـﻰ ﻗﺎﺋﻤـﺔً ” وهنا تتضح اللغة الخطابية الواعية و التي يمكن تقسيمها إلى نوعين، الخطاب الأيديولوجي و الخطاب التفكيكي – النقدي -. من جهة تسعى النزعة الأولى إلى هيكلة ما لا – يمكن – هيكلته و دستور ارهابيس هو المثال الأقوى في النص، أما النزعة الثانية فهي التساؤلات الموجودة على لسان الشخصيات بالإضافة إلى لغة السرد التي تضع – النقيضين – في إطار واحد من أجل توليد الصدمة لدى القارئ.
توازن بين الشعرية والفكر: يلتحم الشعر ب الفكر في الرواية ليشكلان معاً خطاباً روائياً مبني على جمالية اللغة و وهجها لتخفيف – قوة – الموضوع. فتظهر الشعرية في اللغة الانزياحية حيث لا يكتفي السرد بنقل المعلومة، بل يستخدم الاستعارات والمجازات لتصوير فظاعات العالم وتصبح اللغة هنا وسيلة “لأنسنة” الألم وتحويل الواقع الخشن إلى صورة فنية. ثم الإيقاع السردي الذي يمتاز بقصر الجمل وتلاحقها، مما يخلق نوعاً من “الموسيقى الداخلية” التي تخدم التوتر الدرامي في الرواية. بالإضافة إلى كل هذا نجد تكثيف الصورة و الذي يبرز في وصف “الجزيرة” وفضائها الغرائبي، حيث تبتعد اللغة عن التقريرية لترسم لوحات سريالية تجمع بين القبح (الجريمة) والجمال (اللغة الوصفية). الرواية هي ايضاً “محاكمة فكرية” بامتياز، ويتجلى الفكر فيها من خلال تفكيك المرجعية، حيث لا يناقش ميهوبي الإرهاب كفعل حركي فقط، بل يبحث في “جذوره الفكرية” عبر استحضار شخصيات تاريخية (هتلر، ستالين، وغيرهم).
النص هو محاولة لفهم “منطق الشر”. ثم نجد جدلية “الإثم والغفران” أين يطرح النص تساؤلات فكرية كبرى حول إمكانية التوبة، وهل يمكن لمرتكب الإثم أن يجد غفراناً في “أرض” صممت لتكون منفى فكرياً؟ بالإضافة إلى ذلك نجد في الرواية النقد الحضاري، فهي تحمل رؤية فكرية نقدية للمجتمعات الإنسانية التي تنتج الطغاة والقتلة، وهي دعوة لإعادة النظر في المفاهيم السياسية والأخلاقية المعاصرة.
أما العلاقة بينهما فهي علاقة انصهار الفن بالوعي حيث لا انفصال بين الشعرية عن الفكر بل تخدمه في مواضع عديدة مثل تمرير الأفكار الصعبة و تجسيد المفارقات الإنسانية. و لولا الشعرية التي – تمكن – الكاتب من توظيفها بشكل جيد، لتحولت الرواية إلى بيان جاف. باختصار، الفكر هو “العمود الفقري” للرواية، والشعرية هي “الروح والجسد” الذي يمنح هذا الفكر حركته وجماله.
بما أن الكاتب له خلفية – شاعر – فقد صبغ الحوارات في “إرهابيس” بمسحة شعرية درامية جعلت من السرد ليس مجرد تبادل للمعلومات، بل “مبارزة بلاغية” من خلال استعمال المونولوج و التكثيف في الرمزية كما استخدم قدرته الشاعرية في بناء حوارات “القتلة” و”الطغاة” بطريقة غريبة؛ فقد جعل كلامهم منمقاً ومنظماً لغوياً. هذا التأثير الشاعري يخدم الفكرة التي تحملها للرواية: وهي أن الخطاب المتطرف غالباً ما يتخفى وراء لغة براقة ومغرية لإخفاء بشاعة الفعل. بالإضافة إلى ذلك جمع بين المفارقات والنتيجة أمامنا هو نص مثير للتدبر، يجعل الأفكار تتسلسل عبر جمال لغوي بدلا من أن – يُفرض – بأسلوب تقريري جاف.
ختاماً، يمكن القول إن رواية “إرهابيس” ليست مجرد سرد لمأساة أو تأريخ لعنف، بل هي مختبر لغوي وفكري بامتياز. لقد استطاع عز الدين ميهوبي أن يطوع لغته الشاعرية لتكون “مشرطاً” يفكك به خطاب الكراهية والاستبداد، محولاً النص الروائي إلى منصة حوارية كبرى تتصارع فيها الأفكار قبل الشخوص.
إن أهمية هذه الرواية تكمن في قدرتها على جعلنا نتساءل: هل نحن أمام جزيرة خيالية، أم أننا نعيش في “إرهابيس” كبرى يسكنها وعينا الجماعي المثقل بالآثام؟ لقد نجح ميهوبي في تقديم عمل يجمع بين جمالية الشعر وصرامة الفكر، ليؤكد أن مواجهة الإرهاب الحقيقية تبدأ من تفكيك لغته ومنطقه أولاً.
