عمار بورويس/الجزائر
أثار المسلسل التلفزيوني ( فاطمة ) ، الذي تُعرض حلقاته خلال هذا الشهر الفضيل، اهتمام جمهور واسع من الجزائريين ، و اعتبره الكثير منهم ( مسلسلا جزائريا ) قلبا و قالبا ، في وقت وٌضعت فيه الدراما الجزائرية( الرمضانية خاصة) ، خلال السنوات الماضية في قفص الاتهام ، بعد أن وصفها البعض ب ( البعيدة عنا ) و ب (الغريبة ) عن الجزائر أيضا ، خاصة من حيث المحتوى و المضمون و القضايا المطروحة .
يقدم مسلسل ( فاطمة )، الذي تٌعرض حلقاته يوميا على قناة سميرة tv الخاصة مباشرة بعد الإفطار ، قصة جزائرية عادية، من النوع الذي كان يحدث كل يوم خلال القرن التاسع عشر ، و تجري وقائعها في حي القصبة العتيق بمدينة الجزائر في حدود سنة 1850 .
حرصت القصة التي كتبتها ميرة قاسم باباسي، على إبراز الحياة في حي القصبة بكل مستوياتها ، من خلال تفاعل العائلات الجزائرية في ما بينها من جهة ، و في تصادم هذه العائلات مع المستعمر الفرنسي و المعمرين الأوروبيين من جهة أخرى .
أكثر ما يلفت الانتباه في قصة المسلسل الذي أخرجه بإتقان لافت جعفر قاسم ، هو ( مظهره ) الجزائري النقي و الصافي، الذي لا تشوّهه أية صورة، و لا يرقى إليه أي شك أو أي عنصر دخيل أو مستورد من تجارب فنية أجنبية .
في كل حلقات المسلسل ، يظهر اللباس التقليدي الجزائري الأصيل ، كما نسمع اللهجة الجزائرية النقية ، و نرى الجمال الجزائري الصافي أيضا ، الخالي من كل تصنُّع و من كل تأثير أجنبي . تمكًّن المشاهد أيضا من التمتع بمشاهد متقنة الصنع للقصبة و هي في أجمل و أبهى صورها و هندستها الفاتنة ، بأزقتها الضيقة و محلاتها القديمة الجميلة و هي تستقبل الزبائن، بحثا عن قفطان مَحلِّي الصنع ، يليق بحفل زفاف ،أو بأية مناسبة جميلة أخرى ، يحرص سكان القصبة على الاستعداد لها بأناقة لافتة أبهرت جنود الاحتلال الفرنسي أنفسهم .
أكثر من ذلك ، تحتل الموسيقى الأندلسية مكانا رياديا في المسلسل ، بوصفها فنا جزائريا أصيلا ، و هوية ثقافية ،و وسيلة لمواجهة الزحف الأوروبي بكل ما كان يحمل من تهديد للذات الوطنية . النوبة الأندلسية ليست أبدا ( ترفا فنيا ) في المسلسل ، بقدر ما هي حاضرة كسترة نجاة و حماية، تتكسر عليها الكثير من محاولات التغريب . إنها ( شهادة ملكية ) لفن عريق إلتصق بالجزائر منذ مئات السنين ، و (رصاصات قاتلة) في وجه محاولات يائسة نسمعها اليوم في الجوار، للاستيلاء على ماضي زاهر لدولة جزائرية سبق وجودها تاريخ الاحتلال الفرنسي نفسه بسنوات طويلة .
و عندما تمتزج النوبة الأندلسية بالقفطان الجزائري الأصيل ، يصبح الأمر تكريسا لامتداد الجزائر الثقافي في عمق التاريخ ، بحيث لا يمكن لأي بلد أن يشوّهه أو يستولي عليه، و لو تفنّن في التزوير و في الكذب، و في الحملات الإعلامية المفضوحة و المغرضة .
جوق (لالة زهرة) الذي نراه و نسمعه في المسلسل يؤدي أجمل الألحان ، ثم جوق( فاطمة) لاحقا ، يحوّلان النوبة الأندلسية و القفطان ، عن قصد أو عن غير قصد ، إلى ( علامة مسجلة) في دفتر التاريخ باسم الجزائر …
نَعُد الآن إلى فاطمة .. تلك الفتاة البهية التي ترمز لكل بنات الجزائر …
إنها جزائرية بامتياز ، في جمالها و في لغتها و في حديثها و في لباسها ، و في عشقها للفتى علي أيضا ، ذلك الشاب الذي يقود المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي في القصبة، بتوجيه من إمام المسجد . علي ، الرمز الذي سيتكرر بعد ذلك في تاريخ الجزائر بمئة عام في (معركة الجزائر ) سنة 1957، بنفس الإسم و الهيئة تقريبا ، و يدعى ( علي لابوانت ) في القصبة دائما ، و هي واحدة من قلاع الصمود و النضال و الجهاد، عسكريا و سياسيا و فنيا . اسم( علي) كما اسم عٌمار ، الطفل الصغير الذي وٌلد كبيرا ، كما يظهران في مسلسل (فاطمة )، أرادهما المخرج إسقاطا ذكيا يحيلنا إلى( معركة الجزائر ) ، و كأنه يقول ان الابطال لا يموتون ، بقدر ما يتوارثون النضال و الجهاد و الصمود أبًا عن جد ..
و عندما يتبادل (علي) و (فاطمة) مشاعر الإعجاب و الحب ، فهما في جوهر الأمر يزاوجان بين الجهاد بالسلاح و النضال بالفن من أجل هدف واحد . إنهما وجهان لعملة واحدة .
فاطمة ، فتاة من عندنا ،،، جزائرية حتى النخاع . و علي أيضا ، و الطفل عٌمار و غيرهم أبطال المسلسل ، جزائريون أيضا . هذا في اعتقادي ما أثار اهتمام المشاهد و جعله يتمسك بالمشاهدة و المتابعة إلى آخر حلقة ، و إلى آخر نوبة عٌزفت، و إلى آخر رصاصة أطلقت على جنود الاحتلال .
و يكون المشاهد قد وجد نفسه و صورته في حلقات المسلسل . ربما في شخصية (علي) أو في شخصية( فاطمة) التي تختصر نضالات المرأة الجزائرية على مرّ العصور ، أو في شخصية أخرى ، بعد أن بحث عن نفسه و عن صورته في مسلسلات أخرى لا تشبهه و لا تعبّر عنه . لقد وجد المشاهد في مسلسل ( فاطمة ) جزائره القديمة التي لا يعرف عنها الكثير ، و لكنه قرأ عنها كثيرا و أحبها كثيرا أيضا : جزائر الآباء و الأجداد .
فاطمة فتاة جزائرية من عندنا … جميلة في مظهرها ، تحسن الحب العذري و الغناء و النضال و التحدي . تثير الاهتمام و تفرض الاحترام و التقدير بثقافتها و بشخصيتها و بلباسها المحتشم ، و ليس أبدا بالصراخ بأعلى صوتها ، أو بلباسها المستورد ، أو بكمية المساحيق التي تضعها على وجهها .
مسلسل ( فاطمة ) بهذا المحتوى، هو ثاني مسلسل جزائري يتعامل مع التاريخ بهذا الطرح و هذه المعالجة ، بعد المسلسل الخالد ( الحريق ) الذي أخرجه مصطفى بديع ، و عرضه التلفزيون الجزائري عام 1974 . و قد لقي الإثنان اهتماما لافتا من الجمهور و من النقاد ، و في ذلك العديد من الرسائل المشفرة التي يرسلها المشاهدون إلى المنتجين و كتّاب السيناريو و المخرجين والقنوات التلفزيونية المختلفة ، فمن يستوعب هذه الرسائل و يتجاوب معها ، بشكل يؤسس لدراما جزائرية تندرج في صلب معركة كبيرة اسمها معركة الوعي ، في وقت تتهاطل فيه علينا الملايين من الصور من مختلف أنحاء العالم ، هدفها تدمير الهوية الوطنية و اقتلاع الجزائري من جذوره .
يخطئ من يعتقد أن الدراما وُجدت من أجل الترفيه فقط .
الدراما أكبر من ذلك بكثير ، و أخطر من ذلك لِمن يحسن استعمالها و توظيفها، خلال كل كل أيام السنة، و ليس في شهر رمضان فقط.
تقول احصائيات رسمية أن أزيد من 60 مليون سائح يزورون تركيا سنويا ، و أن الكثير منهم يذهبون لزيارة مواقع تصوير المسلسلات التاريخية التركية خاصة .
لم تعد الدراما التركية وسيلة للترويج للتاريخ التركي ، لقد أصبحت هي التاريخ الذي يُعرض في نحو مئة دولة، و يجني أرباحا قاربت المليار دولار سنويا .
الدراما ليست للترفيه فقط إذا . لم تعد الديكورات الفخمة و الفيلات الفاخرة و الستائر المستوردة الجميلة و اللباس القادم من وراء البحر ، و قصص الحب و الخيانة و الطلاق و الخلع و الإدمان تغري كثيرا . يبدو أن الزمن قد تحاوز هذه المواضيع برغم أهميتها .
الدراما فن جميل و ساحر ، و من الأهمية بمكان فتحه ليضطلع بمهام كبيرة و هادفة ، وفق مستويات عالية في الطرح و المعالجة ، في إطار خطة وطنية واعية، ليصبح سلاحا في معركة عالمية ساخنة و شرسة ، و قاتلة أحيانا، لا مجال فيها للترفيه إطلاقا .
غيرنا يستعمل الدراما سلاحا في معركة وجود ، فلماذا نُصرّ نحن على جعلها مجرد وسيلة للتسلية و الترفيه.. فقط !