السرد بوصفه معرفة: رواية فاطمة المرنيسي بين الحكي والوعي النقدي
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
حين نقترب من تجربة فاطمة المرنيسي السردية، لا ندخل إلى «رواية» بالمعنى التقليدي الصرف، بل نعبر تخوم جنسٍ هجين تتقاطع فيه السيرة، والأنثروبولوجيا، والتخييل، والنقد الثقافي. فكتبها التي اتّخذت شكل الحكاية—وفي مقدّمتها «أحلام النساء: طفولة في الحريم» و*«شهرزاد ترحل إلى الغرب»*—تُنجز فعلًا روائيًّا عميقًا دون أن تتخلّى عن صرامة السؤال المعرفي. إنّها رواية الفكرة حين تتجسّد، والحكي حين يتحوّل إلى أداة تفكير.
تشتغل المرنيسي على السرد بوصفه استراتيجية كشف، لا مجرّد نقل للتجربة. فالحريم في نصوصها ليس مكانًا مغلقًا فحسب، بل بنية رمزية للحدود: حدود الجسد، واللغة، والسلطة. ومن خلال عين الطفلة/الراوية، تُعاد صياغة العالم في مفارقة دلالية دقيقة؛ إذ يبدو الفضاء المنزليّ حميميًّا ومقيِّدًا في آن، وتتحوّل التفاصيل اليومية—النافذة، السطح، الحكايات الليلية—إلى علامات سيميائية تُفكّك آليات الإقصاء وتُعرّي منطق السيطرة.
لغويًّا، تميل المرنيسي إلى اقتصاد العبارة وشفافية الأسلوب، غير أنّ هذه البساطة الظاهرة تخفي عمقًا تأويليًّا لافتًا. فهي تُراهن على الحكاية القصيرة، والمشهد المكثّف، والصوت النسويّ الذي لا يصرخ بل يُقنع. إنّ اللغة هنا ليست تزيينًا بل أداة تنظيم للمعنى، تتقدّم فيها الصورة على الخطابة، والسؤال على الإجابة. ولهذا، تتشكّل «الرواية» عندها من تراكم المشاهد لا من تصاعد الحبكة، ومن جدل الأفكار لا من المغامرة الحدثية.
فلسفيًّا، تستدعي المرنيسي روح شهرزاد لا بوصفها رمزًا للدهاء الأنثويّ فحسب، بل باعتبارها نموذجًا للمعرفة السردية المقاومة. فالحكي عندها فعل بقاء، وممارسة حرية، وإعادة توزيع للقوة الرمزية. ومن هنا، تغدو الرواية مجالًا لإعادة كتابة العلاقة بين الشرق والغرب، بين الذكورة والأنوثة، وبين النصّ والسلطة. إنّها لا تكتفي بنقد الصور النمطية، بل تُظهر كيف تُنتَج هذه الصور داخل الخطاب، وكيف يمكن تفكيكها من داخله.
إنّ «رواية» فاطمة المرنيسي—بهذا المعنى—هي مشروع فكريّ يتوسّل السرد ليبلغ المعرفة، ويستثمر الذاكرة ليؤسّس للنقد. فهي تُحوّل الخاصّ إلى كونيّ، واليوميّ إلى دلالة، والأنثويّ إلى أفق إنسانيّ رحب. ولذلك، لا تُقرأ نصوصها بوصفها شهادات ذاتية فحسب، بل باعتبارها نصوصًا تُعيد تعريف الرواية ذاتها: لا كحكاية تُروى، بل كوعيٍ يُبنى، ومعنى يُقاوِم.
