ليلى عسلاوي: حين تتحوّل المرأة الجزائرية إلى ضمير دولةٍ في مواجهة العنف والانهيار

ليلى عسلاوي: حين تتحوّل المرأة الجزائرية إلى ضمير دولةٍ في مواجهة العنف والانهيار
0
(0)

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

في التاريخ السياسي العربي، لا تُقاس الشخصيات الكبرى بعدد المناصب التي تقلّدتها، بل بقدرتها على الصمود الأخلاقي حين تتداعى الدول تحت وطأة العنف والانقسام والخراب الرمزي. ومن هذا الأفق المأساوي المضيء معاً، تبرز شخصية ليلى عسلاوي بوصفها واحدةً من النساء اللواتي لم يعبرن مؤسسات الدولة بوصفها سلطةً فحسب، بل بوصفها مسؤوليةً أخلاقية وثقافية ووجودية.
إنّ سيرة ليلى عسلاوي ليست مجرد انتقالٍ بين القضاء والسياسة والكتابة، بل هي صورة مكثفة لتحوّلات الجزائر الحديثة نفسها؛ الجزائر التي خرجت من الاستعمار مثقلةً بأحلام التحرر، ثم وجدت نفسها لاحقاً في مواجهة أكثر الأسئلة قسوة: كيف يمكن للدولة أن تحمي ذاتها دون أن تفقد روحها؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبقى وفياً للعدالة وسط زمنٍ تتكاثر فيه الأصوليات والدماء والانقسامات؟
لقد جاءت عسلاوي من سلك القضاء، أي من ذلك الحقل الذي يُفترض فيه أن يكون العقل أعلى من الانفعال، والقانون أعلى من العصبية، والمؤسسة أعلى من الفوضى. ومنذ بداياتها المهنية داخل المحاكم الجزائرية، كانت تتحرك ضمن فضاء بالغ التعقيد، لأن القضاء في المجتمعات الخارجة من الاستعمار لا يكون مجرد جهاز قانوني، بل ساحةً للصراع بين التقليد والحداثة، وبين منطق الدولة ومنطق الجماعة، وبين العدالة المدنية وأشكال الولاء ما قبل الوطني.
ولهذا، فإنّ انتقالها لاحقاً إلى العمل السياسي لم يكن انزياحاً عن العدالة، بل محاولةً لتوسيع معناها داخل المجال العمومي. فالمرأة التي تولّت وزارة الشباب والرياضة في لحظة جزائرية شديدة الاضطراب، كانت تدرك أنّ معركة المستقبل لا تُحسم بالسلاح وحده، بل بتكوين الوعي الجمعي، وبإنقاذ الشباب من السقوط في الفراغ العقائدي والاغتراب الاجتماعي.
إنّ أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر الرمزي؛ أي حين تفقد الأجيال قدرتها على تخيّل المستقبل. ومن هنا يمكن فهم أهمية حضور ليلى عسلاوي داخل مؤسسات الدولة الجزائرية في تسعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شهدت انكساراتٍ دموية وصداماً مرعباً بين الدولة والجماعات الأصولية المسلحة.
لقد دفعت ثمناً شخصياً فادحاً لهذا الصراع، حين اغتيل زوجها على يد متطرفين داخل عيادته لطب الأسنان سنة 1994، في واحدةٍ من أكثر صور الإرهاب قسوةً ووحشية. غير أنّ المأساة لم تحوّلها إلى كائن منكسر أو امرأة غارقة في الثأر الشخصي، بل دفعتها نحو تحويل الألم إلى موقفٍ أخلاقي وتاريخي. وهنا تتجلّى القيمة الفلسفية العميقة للتجربة الإنسانية: فبعض البشر لا يسقطون حين تُصيبهم الكارثة، بل يتحوّلون إلى شهودٍ على عصرهم.
إنّ تأسيسها لجمعية ضحايا الإرهاب لم يكن فعلاً إدارياً أو حقوقياً فحسب، بل كان محاولةً لإنقاذ الذاكرة الجماعية من النسيان. فالنسيان السياسي، كما يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، قد يتحوّل إلى شكلٍ من أشكال العنف الرمزي، لأنّ المجتمعات التي تنسى ضحاياها تفقد تدريجياً حساسيتها الأخلاقية.
وفي هذا السياق، تبدو ليلى عسلاوي أقرب إلى نموذج “المرأة-المؤسسة”، أي الشخصية التي لا تختزل وجودها في منصبٍ عابر، بل تتحوّل إلى حاملٍ للمعنى المدني داخل الدولة. فهي لم تكن مجرّد مسؤولة سياسية، بل مثقفة تكتب وتفكر وتدافع عن فكرة الجزائر بوصفها فضاءً للتعدّد والانفتاح والعيش المشترك.
ولعلّ كتابها “المذنبون” وروايتها “بلا حجاب، بلا ندم” يكشفان هذا البعد المركّب في شخصيتها؛ إذ تتحول الكتابة هنا إلى مقاومةٍ ضد الصمت، وإلى محاولة لإعادة بناء الذات وسط الركام النفسي والاجتماعي. فالكتابة عند المثقف الحقيقي ليست ترفاً جمالياً، بل فعل نجاةٍ وجودي.
إنّ تجربة ليلى عسلاوي تُظهر أيضاً أنّ المرأة العربية ليست كائناً هامشياً كما حاولت البنى الذكورية التقليدية تصويرها، بل يمكنها أن تكون فاعلاً مركزياً في صناعة القرار والدفاع عن الدولة الحديثة. لقد أثبتت أنّ الحضور النسائي في المجال السياسي والقضائي ليس مجرد “تمثيل شكلي”، بل طاقة عقلانية وأخلاقية قادرة على إعادة ترميم المجال العام.
وحين عُيّنت عضواً ثم رئيسةً للمحكمة الدستورية الجزائرية سنة 2025، بدا الأمر وكأنّ الدولة الجزائرية تعيد الاعتبار لمسارٍ طويل من الصمود والخبرة والنزاهة. فالمحكمة الدستورية ليست مؤسسة قانونية فحسب، بل هي رمزٌ لفكرة الدولة الحديثة التي تقوم على سموّ القانون لا على نزوات السلطة أو غوغائية الشارع.
وفي عالمٍ عربي تتآكل فيه أحياناً الثقة بالمؤسسات، يصبح وجود شخصيات من طراز ليلى عسلاوي ضرورةً تاريخية لا مجرد خيارٍ إداري؛ لأنّ الدول لا تُبنى فقط بالاقتصاد والجيوش، بل تُبنى أيضاً بالضمائر الحيّة القادرة على حماية المعنى الأخلاقي للدولة.
إنّ التجربة الجزائرية، بكل ما حملته من جراحٍ وصراعات، أنجبت شخصيات أدركت أنّ أخطر أشكال الهزيمة ليست هزيمة السلاح، بل هزيمة العقل. ومن هنا تكتسب سيرة ليلى عسلاوي بُعدها الرمزي العميق: فهي ليست فقط امرأةً نجت من العنف، بل عقلٌ قاوم الانهيار، وضميرٌ حاول أن يُبقي فكرة الوطن حيّة وسط العاصفة.
وهكذا، تبدو ليلى عسلاوي مثالاً نادراً على التقاء القضاء بالأخلاق، والسياسة بالمسؤولية، والكتابة بالشهادة التاريخية. إنها واحدة من تلك الشخصيات التي تُذكّرنا بأنّ الأوطان لا يحرسها الضجيج، بل يحرسها أولئك الذين يملكون شجاعة العقل في زمن الجنون.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *