كتبه حبيب مونسي
=====
حينما ننظر إلى شكل كتابة الحرف في المصحف الشريف “الرسم القرآني” ينتابنا إحساس المغايرة والاختلاف، وكأنه لا بد للرسم القرآني أن يغاير المألوف من أنماط الكتابة الجارية بين الناس، وأنه نسق مختلف يقع خارج الزمان والمكان، أو كأنه نسق يتخطى المتحول في الأشكال ليقدم من خلال هئآته نسقا آخر للدلالة تتجدد عطاءاته كل حين. فإذا تأمل المتأمل حرف “الألف” وهو أول ما اختاره العربي ليكون أول حروف الهجاء وجعله في هيئة العمود المنتصب الشاخص الذي لا تخطئه العين، والذي يقف فاصلا بين أطراف الخيمة حينما يكون ركيزة لها يرفع عمادها عن الأرض ويسمك هيكلها سمكا شديدا، فلا تقوم الخيمة إلا به ولا يقر لها قرار إلا من خلال متانته وثبوته. وكان الرجل ركيزة البيت وقد سماه الأمازيغيون أركاز.. فكان الحرف الأول في الأبجدية يمثل هذا التثبيت ويشخصه من وراء شخوصه واستقامته. وربما لهذا السبب اختاره العربي ليكون أول الحروف في ضمير المتكلم “أنا” الدال على الشخص، وليرفع الهمزة التي يستخرجها المتكلم من عمق الصدر أو كأنه يحاول أن يستخرج بها حقيقة ذاته..
هذا الحرف الذي يدرك بصريا والذي يقف في وسط الخيمة فاصلا بين شطريها، يقوم بنفس المهمة في الكلمة القرآنية ليحمل إليها معاني الثبات والفصل والظهور والمعاينة، فإذا حدث وانكسر في شكل محذوف أو ألف مقصورة انكسرت الدلالة معه انكسارا عجيبا. ومنه كان للكتابة في المصحف الشريف أحول لا يمكن فهم أسرارها إلا من خلال المعنى الذي وُكِّل للحرف أن يؤديه. وعلى سبيل التمثيل فقد وردت “طغا” في القرآن الكريم مرتين وفي شكلين مختلفين: مرة بالألف الطويلة وأخرى بالألف المقصورة.. تماشيا مع نسق دلالي خاص. فلما كان الأمر متعلقا بمشهد لا يُدرك هوله، ولا يُحاط بفداحته إلا بصريا في طغيانه وعتوه جاءت “طغا ” بالألف لتعبر عن هذا البعد المادي الحسي المشاهد في قوله تعالى: “إنا لما طغا الماء”.. في قصة نوح عليه السلام. بينما جاءت “طغى” بالألف المقصورة حينما كان المعنى في تفشي الطغيان في المجتمع وسريانه دسيسا بين الناس في قوله: “اذهبا إلى فرعون إنه طغى”. إن تثنّي الألف المقصورة في شكلها المتعرج توحي بتثني الطغيان وانسيابه بين طبقات المجتمع فلا يبين ظاهرا وإنما تُتَلمس آثاره بين الناس في أحولهم ومعاشهم..
بل هناك بعد آخر يمكننا أن نتوقف عنده حينما نعاين كلمة “والد” و”والدة” في القرآن الكريم، فنجد الألف تقف شاخصة بين الولد وأبيه في كلمة “والد” في كل ورود لها في المصحف الشريف وكأنها تشير إلى مسافة الاحترام بين الولد وأبيه، ولكنها تختفي حينما يكون الحديث عن “الوالدة” وكأنها تشير إلى أن هذه المسافة تختفي بين الابن وأمه لما في قلب الأم من حنان وعطف ومودة..
ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟
انقر على نجمة لتقييمها!
متوسط تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 1
لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.