الكتابة الشعرية بالذكاء الاصطناعي ومتاهات التوليد.
هارون عمري /الجزائر
( بينما يدخل الذكاء الاصطناعي العديد من الناس إلى الشعر، فهو يخرج عديد الشعراء من دائرته)
- ما الذي تعنيه كتابتنا للشعر “كبشر” في هذا العصر وبهذا المناخ التقني الساحق، والشعر يخرج من شرقنته الجديدة بمعناه الجديد وبانفلاته الجنوني، وهو ما زال بعدُ لم يستقر على مفهوم مبدئي يُمَكِّنُنا على الأقل من أن نشير إليه جميعًا، وفي ظل وجود الكيان الاصطناعي الذي أحاط بالنص علمًا، وهو العارف بكل شيء والناطق باسم كل شيء والشاعر الأشمل معرفيًّا وعمليًّا.
لا شك أن هذا يعني إما تجاهلًا منا لهذا الهاجس المخيف، فنتغاضى عن السؤال، ونكمل في مسيرة الكتابة دون التفات حقيقي إليه، أو هو جهلٌ طافح بما وصلت إليه التقنية بإتقانها للكتابة، وإدراك أدواتها إلى حدٍّ بعيد يفوق تجارب الإنسان أحيانًا كثيرة.
وما الذي يعنيه هذا الإسهال الشعري الرهيب في الكتابة الشعرية بشكل نصف يومي، كما لو كان توليدًا آليًّا للنصوص تمامًا؟ هل يمكن قراءته بشكل طبيعي انطلاقًا من قول الشاعر “لكل امرئ من دهره ما تعوّد” فانعكست روح الآلة في كيان الإنسان باعتبارها الصديق الأقرب والأكثر أمانًا واحتواءً للخصوصية ومعرفة بالأبعاد السوسيولوجية والمعرفية له، أم أنه توليد آليٌّ وموزون لكلمات، وما نقرأه هو عبارة عن مقاطع من نص لا نهاية له..
سؤال/
متى يبدأ وينتهي النص الاصطناعي؟ وما هي خصوصية بنائه؟
وهل هذا الوعي الذي يُكتب به النص هو وعي حر وخالٍ تمامًا من الشوائب الفكرية، أم هو برمجة حرة من قِبَل الآلة، وهي تسوقنا نحو مسالك معينة تكسر ذلك التيه الجميل للروح وهي تبحث عن المعنى؟ هل ثمة معنى معين مبحوث عنه؟ وهذه المعرفة الخانقة واللانهائية التي تحيط بنا، دعنا نتساءل: هل نملك من الأساس سلطة البحث؟
كيف يكتب الإنسان الشعر اليوم وهو لا يملك حاسة الجهل، وقد قُتِلت فيه الأسئلة الحقيقية في ظل انتقالنا من رغبة المعرفة والسعي نحو البحث عنها إلى حالة اختيار المعرفة؟
* الذكاء الاصطناعي أفقٌ جديد للشعر: نحو أسئلة أعمق وتجديد حقيقي للمعنى
كيف يتصور الشاعر مصير الشعر في ظل ظاهرة الذكاء الاصطناعي؟ إن ما يحدث اليوم طبيعي، لكنه يحمل جانبًا مهمًّا للغاية. فنحن، معشر الشعراء، ما زلنا في كثير من الأحيان نطرح أسئلة قديمة أُجيب عنها من قبل، ونكتب نصوصًا مكررة، بينما بات الذكاء الاصطناعي يكتب نصوصًا شعرية موزونة، سليمة لغويًّا وبنائيًّا.
وهنا يبرز السؤال: ماذا سيفعل الشاعر حين يرى التكنولوجيا تعالج الأسئلة بعمق أكبر، وتعبِّر عن يومياته أحيانًا أفضل مما يفعل هو بنفسه؟ لا بد أن نواجه هذا الواقع بصدق، بعيدًا عن الادعاء والزيف، وبعيدًا عن أولئك الذين ينشرون نصوصًا مولدة بالذكاء الاصطناعي ثم ينسبونها إلى أنفسهم.
وأظن أن هذه الموجة، رغم حدتها، ستعيدنا إلى أمر جوهري: البحث عن الحقيقة. فنحن في حاجة ماسّة إلى هذا البحث. ولولا هذه الوسائل الجديدة لبقينا نقرأ نصوصًا تُكتب اليوم لكنها تنتمي إلى عصور منقضية، وتعالج أسئلة تمت الإجابة عنها أصلًا.
* براعة الميزان العروضي واختراق حدود اللهجات
لقد أثبت الذكاء الاصطناعي قدرة مذهلة في ضبط الأوزان الشعرية، وتجاوز حدود اللغة العربية الفصحى، ليصل إلى أعماق الشعر الشعبي، والنبطي، والملحون، بمختلف تفعيلاته المعقدة.
وقد تمكنت الخوارزميات من استيعاب خصوصيات اللهجات المحلية في نجد، والمغرب العربي، وبلاد الشام، محطمة العوائق اللسانية بفضل المعالجة الإحصائية الدقيقة للإيقاع، والتمكن من هندسة القوافي ببراعة تفوق أحيانًا قدرة الشاعر المتمرس.
وأصبح الكيان الاصطناعي قادرًا على توليد نصوص موزونة تلتزم بقواعد النظم الشعبي والبدوي بدقة متناهية، مما يجعله شاعرًا عابرًا للحدود الجغرافية والبيئات الثقافية المختلفة، ومبتكرًا للأمثال.
* إشكالية الكتابة الموجهة واغتراب الشاعر المعاصر
تظهر اليوم فئة من الشعراء تعتمد بشكل كامل على الكتابة الموجهة بالذكاء الاصطناعي، حيث يتحول دور المبدع من منتج للنص إلى مدير للمطالبات الرقمية التي تملي على الآلة وجهة القصيدة.
تخلق هذه الظاهرة حالة لا أقول من الاغتراب الفني وإنما أسمّيها حالة التخلّي الفني؛ فالشاعر اليوم مصاب بالتعب الروحي والشرود الزمني، وسنصل قريبًا جدًا ليتنازل كل كاتب بشكل تلقائي عن هويته الكتابية، ويستنسخ لغته ومفاهيمه وأدواته الخاصة كلها، ليسلّم مفاتيح قلمه للذكاء الاصطناعي فيكمل الكتابة بدلًا عنه. وبعد أن كانت براعة الشاعر تتجلى في طرح الأسئلة والصور المدهشة، ستصبح البراعة اليوم في القدرة على طرح الأوامر، وننتقل من الكتابة بالاحتراق النفسي إلى الكتابة بصيغة الأمر.
إن الاعتماد المفرط على التوليد الآلي الموجه يهدد بهدم العلاقة التاريخية بين الشاعر وتجربته الروحية، ويحول القصيدة إلى منتج صناعي يخضع لمعايير الجودة الرقمية، بدلا من معايير المعاناة الإنسانية.
