عمار… تلك الحكاية ما تزال هنا.
واسيني الاعرج
الرحمة والسلام لروحك الطيبة.
تلك الحكاية لم تمت يا صديقي.
مضى زمن لم نلتق. أنت في وهران وانا في العاصمة. يوم زرتني في بيتي في «عين الله» قلت: أحسن من وهران التي بدأ يحتلها بني كلبون. قلت لك: يا عمار تمنيت ان ابقى في وهران لكن عصابة الشؤم في قسم اللغة العربية شاءت غير ذلك. كانت قد وضعت يدها على القسم كليا. تحصلت على تحسن معدل تخرج ليسانس وكان يفترض ان اوظف مباشرة بحسب القانون لكنهم شاؤوا غير ذللك. ووظفوا أسوأ طالب (ة) وانت تعرف ماذا حدث يوم عدت بدكتوراه من دمشق الشام غلقوا الأبواب في وجهي. وذهبت إلى العاصمة حيث استقبلني الدكتور دودو بحب عظيم. وقال هذا مكانك الطبيعي. ما كنتش نحب العاصمة مثلك لكن مدينة فيها أبو العيد دودو تحب. هززت رأسك وانا اتجه بك في سيارتي باتجاه المطار. كانت واحدة من اللحظات التي اتذكرها جيدا وكنت في كامل صحتك وإبداعك. وقبل ان نفترق قلت: «وقع الاحذية الخشنة» رواية جميلة. سعيد من اجلك. انت على الاقل وجدت طريقك. قلت لك وانا على يقين بما كنت اقوله: شوف يا عمار قصصتك تتعلم منها الاجيال. لقد منحت قصصك القصيرة شيئا من الشعر والبهاء اللغوي لم يكن موجودا قبلك. طول العمر يا عزيزي لترسخ هذا الفن في الجزائر. فانت تقف على رأس جيل بكامله.
ضحكت من كلامي وانت تقول بلغة امسيردية كنت تجيدها مزحا: انا نكتب الكصة (القصة) دي كشيوشا (الصغيرة) وانتينا (انت) تكتب دي عافرة (الكبيرة).
نضحك ولا نسمع إلا حفيف الطريق والسيارة.
مضى زمن لم نلتق يا صديقي. منذ سفرك الأبدي قل الحماس للقصة القصيرة واتجهت غالبية مجايليك نحو الرواية. وتلك حكاية أخرى افتقدنا وجودك فيها.
عمار بلحسن، أو اعمر، كما تنطق في امسيردا، الذي حلم دائما أن يُدفن تحت شجرة جده، في تليوين (امسيردا)، طاقة قصصية خلاقة لم يسعفها العمر القاسي. شكّل ظاهرة مميزة، وخط طريقا للقصة لم يسبقه إليه أحد. كان منصتا لصوت الحداثة الذي اخترق منجزه الأدبي والفكري. فقد ارتقى بهذا الفن عاليا لغة وموضوعات، من الحياة اليومية الوهرانية الصعبة، إلى الحب المستحيل في مدينة الممنوعات، إلى موضوعات الثورة، إلى قصص البحارة والناس الذين يجهدون من أجل عيشهم. دون أن يغفل الجانب الفني الذي يشتغل بقوة في قصصه. من هنا، كان رهانه فنيا أكثر منه إيديولوجيا. جعل من اللغة والشكل هدفا أسمى لكتاباته. وفوزه بجوائز القصة القصيرة في الجزائر، على ندرتها، في السبعينيات، يبين إلى أي حد كان عمار مبدعا كبيرا. شكّل صدور مجموعته حرائق البحر في بغداد، حدثا مهما إذ فتح الطريق أمام هذا الفن لينتقل من المحلية الوطنية باتجاه افق عربي أكثر اتساعا (مقالتي في الجمهورية). في السنوات الأخيرة، قل نتاج عمار في كتابة القصة القصيرة. أمران كسرا هذا الخط العظيم في اعتقادي. أولا البحث الأكاديمي السوسيولوجي الذي التهم قبله الكثير من المبدعين. كان منهمكا في إنجاز مشروع فكري حول المثقف ودوره التاريخي، على إيقاع ما سبق أن قام به المرحوم الباحث عبد القادر جغلول الذي سجنه العمل السياسي (مستشار في الرئاسة سابقا) حتى وفاته. ثانيا الموت الذي سرق عمار، للأسف في وقت مبكر، ولم يمنحه فرصة أن يجعل من الكتابة القصصية خيارا ذاتيا حيث تفرده الكبير. تحادثنا كثيرا في هذا الموضوع، في مقهانا الثقافي، سينترا Cintra في وهران، وفي مقر جريدة الجمهورية، وفي بيته لاحقا، وبيوت أصدقاء علم الاجتماع، عن هذه الخيارات التي سلكها، العقل والتحليل العلمي، والإبداع القصصي الذي يقتضي قدرا من الجنون. لكن قناعة عمار مالت في السنوات الأخيرة، نحو العمل الجامعي. فخسرنا القاص، وخسرنا الباحث لأن تجربته لم تكتمل، فقد سرقها الموت. إلى اليوم لم يعوضه قصصيا أحد. فبقي علامة متفردة ومشروعا مفتوحا على المدى. لروحه الرحمة والسلام.
خسارة لا تعوض.
