في المشتهى ممَّا أشاءُ منَ الحزنِ الوديع،ويرافقُني في العبورِ منَ المفازة إلى السَّماء…
•
•ج/فوغالي
وأحلمُ أنْ أراكَ يا الحزنُ الشفيفُ كيما أراني،ليتني،وأقصدُ ربَّما،واشتقتُ إليكَ/إليَّ،وبيني وبينكَ آيةُ الخفقِ الحزين،أتذْكُرُ الحزنَ يا الحزنُ في انكسارِ هذا/ذاكَ الوجعِ الذبيحِ بينَ الوتينِ واندفاعِ الدَّمِ عند الوريد،وكنا نتقاسمُهُ جزاءً وفاقاً؟
أأنتَ أنا في الغورِ العميقِ منْ أنايَ إذْ تحاورُني؟
كأني أكلمُني في الصمتِ وقدْ غيضَ في الألمِ المَهيض،والصدى منكسرٌ في البئرِ العميقةِ منَ الذاكرة…
وكمْ في الغابرينَ منَ الحنينِ إليك،وتعرفني في انعكاسِ المرايا أكانتْ صقيلةً أوْ رانَ عليها غبارُ السنين،وقدْ تشظَّتْ في الخافقين احتراقاً؟
أسائلُني في الألمِ الضَّريرِ منَ الحكاية،راويها أنا وساردها المتضمَّنُ هذا الحزنُ البصير،والعصا ألفٌ مديدة،وأهُشُّ بها على وحدتي وليسَ لي سواها في ذا الزمنِ الكسيح،ولمْ أكنْ إلاَّكَ في الاسمِ منذُ التقينا في صرخةِ الميلاد،وهلْ كانتْ الصرخةُ فرحةً أمْ وجيعة؟
أتهجَّى الحروفَ كيْ أنسى علَّتَها،وكيْ أكونَ يا الحزنُ بشراً سويًّا في ألفِ ابن عربي مدًّا وامتداداً،فلا أرى سواكَ/سوايَ في التَّجلِّي منَ الذِّكرى،فأتذكَّرُني في براءتكَ والحضور،وأنتَ في الغيابِ المرِّ منْ قهوةِ الصباحِ التي ما تزالُ نكهتُها في الرحيلِ منَ السَّفرِ الطويلِ إلى أقاصي الدَّمِ الهتون،وأسمعُ محمود درويش يهجسُ للضلعِ الكسير وتشربُ القهوةُ على مهلٍ،تمهَّلْ يا الحزنُ فالوقتُ لنا في الأبديَّة…
والطفولةُ لا تجيبُ ومنْ أينَ لها أنْ تجيب؟وسيظلُّ الجوابُ معلَّقاً عندَ الدَّهشةِ التي في الغيابِ منَ الحدائقِ البابليَّةِ في العهدِ القديم،ولعلَّ رؤياها تخفِّفُ وطءَ الحنين،والجوابُ طاعنٌ في الحزنِ السميعِ حينَ يبكي الحزنُ حزنَهُ في النزيف،والحزنُ الوديعُ يستظلُّ الأنينَ ويتسامران في الليلِ الطويل،أهو ليلُ امرىءِ القيسِ المديدِ بلا صباح؟
وهلْ تلبَّسَ الروحَ العليلةَ في طيرانِها نحوَ المتاهِ الكبيرِ كيْ تداوي جرحَها في البعيدِ منَ السَّديم؟وأنَّى لها؟وهل تستطيع؟
وكأنَّ الصباحَ لا يجيءُ وقدْ ناءَ بكلكلِ الصحراء،ولمْ تجدِ الصحراءُ سواها في الرملِ الذي في الحريقِ والصهدِ الغريقِ في موجِ السرابِ الذي ينداحُ متكسِّراً في الأباعيدِ منَ المكابداتِ الجريحة،والنَّثارُ منَ الدَّمِ الشهيدِ دليلُ العاشقينَ إلى حرائقهمْ في مجازِ الشِّعرِ وفي الحقيقة…
ولْيكنْ،هذا ما تريدُ يا الحزن،وأعرفُ ما أشاء،ولكَ الرُّؤيا،وقدْ رافقْتَني في الفرحِ اليتيم،وليَ الجنونُ الذي يركضُ في الأقاصي منْ حقولِ الشوق،وأجري والشهيقُ يجرحُ ما تبقَّى مما تبقَّى منَ الوريد،ويريدُ الشِّعرَ الذي في اخضرارِ الداليةِ والعناقيدُ ملأى وتفيضُ بماءِ الحياة،وفي عطرِ الياسمينِ إذْ يتدلَّى منْ شرفاتِ المجازِ ثمَّ يهمي رذاذاً في الغسقِ منَ الدُّجى في اللغةِ الحبيبة،فتبياضُّ السماءُ وهذي أنوارُها السبعةُ تشتعلُ بالصدرِ اشتعالاً،والرَّسْنُ في اتجاهِ المدى والخيلُ المسوَّمةُ في الحمحمةِ منَ الحنايا والأعنَّةُ بيدي للريحِ والريحُ للريحِ في الصَّهلَلَة،والنبضُ يركضُ ضبحاً في المدى،وهلْ تستريحُ يا الحزنُ الصديقُ وأنتَ منَ الرحيلِ إلى الرحيلِ كالماءِ يجري ولا يستكين..؟
يا ابنَ النُّورِ الذي في المدد،مدَدٌ مدَد،والنبضُ سعيرٌ في هذي اللغةِ الأنثى التي في الحريرِ منَ الهوى،وهذا رُضابها الشهويُّ إذْ تلامسُهُ وتشتهيه،كأنِّي أحدِّثُ هذي الجوانح،فيجهشُ الجيمُ بدمعِ الحنين،فيحنو عليهِ هذا الوجيب،ويمسحُ على الألمِ الشهيدِ منَ ِالقلبِ وقد تشظَّى في الدَّمِ الكليم…
وأحلمُ أنْ ألقاكَ يا جرحَ الطفولة،ولمْ يكنْ منْ أحدٍ إلاَّك،أنيقاً في بهائكَ والطهارة،مثلي تماماً،ومديداً في اكتمالِ هاتيكَ البراءة،مثلي تماماً،كما تركتُكَ في التَّعالي منْ دمكَ الأليفِ عندَ السَّاقيةِ الحزينة والرقرقةُ أنينُ الماءِ إلى النبعِ اليتيم،والحمامةُ تهدلُ إلْفَها العاشقَ في السَّجعِ المُريد،وترتوي منْ ماءِ العاشقينَ وتنتفضُ كأنها في الشطحِ إلى أنْ تطير،ويتبعها الفرحُ حتَّى كأنَّها لا تبين…
ولْيكنْ،وأريدُ أنْ أحتويكَ حتى تنكسرَ الأضلاعُ فأحتويني إلى انكسارها،مثلما تنكسرُ النصالُ على النصالِ منْ حزنِ المتنبي المكابر،وقدْ كانَ المتنبي جريحاً وغادرَ القومَ مغاضباً وقدْ كادوا لهُ كيداً غدَّاراً ولمْ ينتظرِ اليقطين،وافتضحوا بكيدهمْ في التاريخ فأماتهمْ في النسيان وهذي أسماؤهمْ في الرَّميم،ولمْ يكنْ لهُ غيرُ الشِّعر،ومكَّنَ لهُ الشعرُ الخلودَ رِكْزاً في الحياةِ أوتاداً لنْ تبيدَ منَ السَّماوةِ إلى السَّماء …
إنِّي أحبَّكَ يا الحُزنُ في الحرائقِ كلِّها منْ هاتيكَ التباريحِ التي في الجراح،وتعرفني مثلما يعرفُ الآباءُ أبناءهمْ والعشاقُ دمعتَهمْ عندَ الرحيل،وكنتُ أودِّعُني وأنتَ في الدَّمِ ولمْ ألتفتْ،وكيفَ لي أنْ ألتفت؟
وتلكَ وصيَّةُ جدِّي في الحياةِ وفي الممات،كيْ يكونَ الحزنُ الدَّليلَ إلى الطَّهارة،ويكونَ الأمارةَ للنورِ الذي يدعونا إليهِ في هذي الفلاة،وكيْ نكونَ وأنتَ معي قدْ عبرنا هاتيكَ المفازة،ولمْ يرينا گلگامشُ شيئاً لأنهُُ لم يكنْ يعرفُ شيئاً…
•جمال فوغالي/ الجزائر
