سنن التعريف النحوي في قصيدة و نحن نحب الحياة لمحمود درويش

سنن التعريف النحوي في قصيدة و نحن نحب الحياة    لمحمود درويش
0
(0)

  أ.د بشير مخناش و  سمير عباس( طالب دكتوراه علوم

                                               في الأدب العربي الحديث)

                                               معهد اللغة العربية و آدابها

                                       كلية الآداب و العلوم الإنسانية و الاجتماعية

                                          جامعة باجي مختار عنابة الجزائر

ملخص:

       يسعى الباحث من خلال توظيف مصطلح سنن التعريف النحوي إلى تشكيل مفهوم سيميائي وثيق الصلة بالنحو العربي، و الاعتماد على استثماره ضمن خطة إجرائية سيميائية لمقاربة نص شعري قصير لمحمود درويش، مبتغيا من وراء ذلك التوكيد على أهمية السيميائيات في تحليل النصوص الشعرية العربية المعاصرة، و أيضا الوصول من خلال استثمارها في هذه القراءة إلى ترسيخ أكثر للوعي بخصائص هذا المنتوج الشعري الحداثي.

كلمات مفتاحية: سنن- تعريف- نحوي- محمود- درويش

Grammatical referrential code in the poem and we                    love life of Mahmoud Darouiche 

Abstract:

Researcher tries through introducing the term of grammatical referrential code to build a semiotic notion very close to the arabic grammar, And to use it in a semiotic plan to approach a poetic text of Mahmoud Darouiche, Aiming so to put accent upon the importance of semiotics in the analysis of contemporary arabic poetic texts, And upon its great role in realizing the consciousness of the caracters of this modernity poetic fruits.

Key words: code- grammatical- referrential- Mahmoud- Darouiche.

Le code grammatical référrentiel dans le poème et      nous aimons la vie de Mahmoud Darouiche.

Résumé:

       Le chercheur essaye avec l’utilisation du terme du code grammatical référrentiel, Essaye la création d’une notion semiotique liée à la grammaire arabe, Et de son investissement dans une semiotique vision pour l’approche d’un texte poétique de Mahmoud Darouiche, Visant à éclairer mieux l’importance de la semiotique dans l’analyse des textes poétique arabes contemporaines, Et à sa utilité pour l’assimilation des caractères des textes du modernité plus mieux.

Mots clés: code- grammtical- réferrentiel- Mahmoud- Darouiche.

تمهيد:

       شاع في الدرس النقدي السيميائي العربي مصطلح السنن Code مرادفا لمصطلح الشيفرة، و على الرغم من شيوعه ظل هذا المصطلح السيميائي المهم مفتقرا إلى وضوح مفهومه بشكل ملموس في أوساط كثيرة من الدارسين، و لهذا يحاول الباحث في هذا المقال بسط هذا المفهوم بسطا موضحا قدر الإمكان، كما يحاول استثماره في قراءة قصيدة شعرية لشاعر المقاومة الفلسطينية محمود درويش، و ذلك اعتمادا على ربطه بمفهوم نحوي عربي هو التعريف الذي يقابل التنكير، و انطلاقا من تبني وجهة نظر سيميائية ترمي إلى إظهار العلاقات الكامنة بين نسق التعريف النحوي من جهة، و بين نسق المعنى الذي تقاربه القراءة النقدية للنص الشعري الحداثي من جهة أخرى، و هي وجهة نظر ترمي في سياق آخر إلى اقتراح نوع جديد من المقاربة السيميائية يربط وشائج موضوعية مع النظرية النحوية العربية بشكل عام.

1) مفهوم السنن:

       قد لا نبالغ حين نقول إن النموذج التواصلي اللساني الذي اقترحه رومان جاكبسون Roman Jakobson  قد أسهم بشكل كبير في إثراء الدرس اللساني و السيميائي و النقدي على حد السواء، و هذا الإسهام يعد إشارة إلى مدى موضوعية و فعالية هذا النموذج على المستوى المعرفي بشكل عام:« إن مسألة حضور و تراتبية تلك الوظائف الأساسية التي نلاحظها في اللغة- مثل التركيز على المرجع و الشفرة و المرسل و المرسل إليه و اتصالهما، أو أخيرا التركيز على الرسالة نفسها- يجب أن تطبقا أيضا على الأنظمة السيميائية الأخرى.»(1)، و قد حاولت اللسانيات تقديم تصور لمفهوم السنن يبدو على قدر كبير من الوضوح:«السنن نسق إشارات( أو علامات أو رموز) موجه بوساطة تواضع قبلي لتمثيل و تداول المعلومة بين مصدر( مرسل) الإشارات و بين وجهتها( مرسل إليه).»(2)، و يبدو أن التواضع القبلي السابق على بث الرسالة من قبل المرسل، بل و على صياغتها من الأساس، هو تواضع بين جماعة المتخاطبين على قصر مدلولات بعينها على الدوال واحدا بواحد، و هو الأمر الذي يسمح بتمثيل الرسالة – أي صياغتها- انطلاقا من نسق الدوال، و نجاح تداولها فيما بعد دون لبس أو غموض، و هو أمر قد يوضح في الوقت نفسه حضور السنن ضمن نموذج تواصلي.

       و هذه الطبيعة التواضعية للسنن القائمة على الاعتباطية في ربط الدوال بالمدلولات، ربما كانت سببا في تسميته بعض الأحيان بالنسق الرمزي:« يتداخل البناء الرمزي الذي يضفيه الإنسان على العلامات مع بناء النشاط التأويلي الذي تتيحه المؤولات على مستوى المكون الثالث للعلامة( الحمل، المقولة، الحجة) حسب متصورات سيميائيات بورس تداخلا يخلق دينامية في فضاء الدلالات المفتوحة، و عليه فإن النسقية الرمزية التي يتوافر عليها خطابا الدين و السياسة تخضع لناموس التواصل و الدلالة، و لكن تقل درجة الاعتباطية في بنائها السيميائي.»(3)، و من نافلة القول هنا الإشارة إلى أن تناقص درجة الاعتباطية  التي تقوم عليها تواضعية السنن يؤثر بشكل مباشر في عملية التواصل من حيث صعوبتها أو يسرها.

       يشير رومان جاكبسون إلى أخذ اللسانيات عن علوم الاتصال و استفادتها من نتائجها في تشكيل نظريتها عن السنن:« يوافق السنن الدال بالمدلول و المدلول بالدال، و اليوم و بفضل معالجة نظرية الاتصال لمشاكل التسنين، يمكن للتمييز الثنائي لدو سوسير بين اللسان و الكلام أن يحظى بصياغة جديدة أكثر دقة تضمن له قيمة إجرائية جديدة بدورها.»(4)، و في ضوء ما تقدم يوضح مهمة اللساني في استثمار مفهوم السنن:« اللساني يقوم فقط بإعادة التسنين، فهو يترجم بوساطة رموز لغة واصفة الرموز الموجودة سلفا ضمن حيز التداول للسان جماعة لسانية معطاة.»(5)، و هنا تظهر أهمية التداول ضمن فترة زمنية معينة في تحديد السنن اللساني.

2) مفهوم التسنين:  

       لئن بدا السنن  مفهوما نظريا تجريديا للوهلة الأولى، فإن ملاحظة وجوده عبر الممارسات التواصلية للمتخاطبين في الواقع الفعلي تجعل إدراكه أقرب إلى الأذهان، و أكثر رسوخا في طرائق التفكير لدى البشر، و حضور السنن في الممارسات التواصلية الفعلية يظهر من خلال ظاهرة التسنين Encodage  التي تعرف كما يأتي:« عملية تحويل الرسالة إلى شكلها الجديد المسنن تسمى بالتسنين الذي يتم على مستوى المرسل المسنن، و لدى تسنين الرسالة يمكن تداولها بوساطة القناة.»(6)، و يتجلى من هذا التعريف أن التسنين في جوهره هو عملية تحويل تخضع لها الرسالة، و هذا ربما دفع إلى التفكير في كون تمثيل المعلومة في شكل رسالة قابلة للتداول، إنما يتم في مستوى أول في ذهن المرسل الذي يصوغ المعاني المتعلقة بالمعلومة في شكل رسالة وفق مقتضيات السنن الذي ينوي تحقيق التواصل بوساطته، فتمثيل المعلومة يمثل في حد ذاته تحويلا لشكل الرسالة من مستوى معنوي خام إلى مستوى مسنن قابل للتلقي من قبل المرسل إليه، و يظهر أن عملية التسنين التي تتولى مهمة تشكيل الرسالة، إنما هي في واقع الأمر تتم تبعا لخطوات من العمل الذهني لا تفتقر إلى منهجية:« تستند فكرة السنن إلى كون الشخص الذي يتواصل يمتلك سجلا من الرموز، يختار من بينها تلك التي سيؤلف بينها وفق قواعد بعينها، و بهذا يمكن أن نرسم هيكل كل سنن من خلال التمثيل له بالاستناد إلى محورين أحدهما عمودي و الثاني أفقي، إن الأمر يتعلق بمحور الاستبدال و محور المركب، إن المحور الاستبدالي يقوم بتنظيم سجل الرموز و القواعد، و يطلق عليه أيضا محور الاختيار، أما المحور المركبي فهو محور تأليف الرموز التي تقودنا، من خلال تنظيمها في مقاطع مركبة إلى تشكيل خطاب قائم الذات.»(7)، و يتم التواصل اللساني بين الناس بالطريقة نفسها، فالعبارات و الجمل التي نتداولها بصفتنا متكلمين تمثل تسنينات لسانية أي رسائل لسانية.

       و بإزاء التنويعات الهائلة الممكنة لتمثيل الرسالة اللسانية، يبدو أن مفهوم التسنين مفهوم إجرائي ذو أهمية كبيرة:« إن عملية التسنين في حد ذاتها تتم من خلال ما يفرزه السلوك اليومي من أشكال للوجود تتجاوز في نمط وجودها النسخ المتحققة، و هذه الأشكال لا تدرك إلا من خلال موقعها ضمن السلوك المتحقق من جهة، و ضمن الوجود المجرد كإمكانات للتحقق من جهة ثانية.»(8)، و ما تقدم ربما أوضح سبب كفاية اللسان في حدوده المعروفة لتلبية الاحتياجات التواصلية للمتخاطبين على الرغم من امتداد الزمان، و أيضا على الرغم من تنوع مظاهر الحياة اليومية للبشر ضمن نطاق هذا اللسان أو ذاك، و لا يفوت الباحث في هذا المقام الإشارة إلى أن الاحتياجات التواضعية اللسانية تتنوع أيضا بين الكلام العادي المتداول و بين الإبداع الأدبي. و هذا التنوع يؤدي إلى نجاح عملية التواصل اللساني بدرجات تتفاوت بين رسالة و أخرى، و بين مرسل إليه و آخر، فعملية التلقي ربما قامت على افتراضات للمعنى المقصود من الرسالة، و اختيار افتراض معين من بين هذه الافتراضات قد يتسبب في نجاح أو في فشل التواصل.

       و بخصوص قضية الافتراضات يميز أمبرتو إيكو Umbert Eco  بين نوعين من الافتراضات:

-أ-« الافتراض مفرط التسنين Hypercodée : حيث يظهر القانون بطريقة مباشرة أو نصف مباشرة: و نسميه قانونا مسننا، و من المهم القبول أن التأويل بوساطة أسنن يتضمن مجهودا افتراضيا و إن كان ضئيلا.»(9).

-ب-« الافتراض ضعيف التسنين Hypocodée: القاعدة يتم اختيارها من ضمن سلسلة من القواعد المتعادلة من حيث إمكانها و التي تزودنا بها معرفتنا الحالية بالعالم.»(10).

و يبدو أن النوع الأول من هذين النوعين يوافق تلقي الرسائل التي تحيل فيها الدوال إلى مدلولات معلومة محددة لدى المتلقي، في الحين الذي يوافق النوع الثاني تلقي الرسائل التي تحيل فيها الدوال إلى مدلولات بشكل تفتقر فيه هذه الإحالة إلى القطعية و التحديد بسبب اشتمالها على أكثر من حالة واحدة للتحقق ، و بالنسبة للنصوص الأدبية يبدو أن التأويل يواجه فيها كلا النوعين معا على درجات ربما كانت متفاوتة لحضورهما، بحيث تنبني عملية التأويل في مقاربتها على نسج لحمة معنوية منسجمة عن النص، و هذا اعتمادا على ما تتيحه هذه الافتراضات من إمكانيات للانسجام فيما بينها.

       و تبرز أمام قضية تأويل النصوص الأدبية أهمية التمييز في هذه النصوص بين مستويين للدلالة هما مستوى التقرير و مستوى الإيحاء:« فالتعبير في السيميائيات التقريرية يحيل إلى المضمون، أما في السيميائيات الإيحائية فإن مستويي التعبير و المضمون اللذان يشكلان السيميائيات التقريرية يتحولان إلى مستوى للتعبير يحيل إلى مضمون جديد، إن الإيحاء يتحول إن جاز التعبير إلى أثر دلالي.»(11)، و على الرغم من أن المستوى التقريري ينجح إلى حد بعيد في المساهمة في إيصال الرسالة إلى المتلقي منفردا و دون الحاجة تقريبا إلى المستوى الإيحائي، و هذا في نطاق الممارسات التواصلية اللسانية المتداولة يوميا، فإن هذا المستوى يكون غير كاف في مقاربة النصوص الأدبية الإبداعية، و تكون الحاجة إلى مقاربة المستوى الإيحائي فيها ملحة بشكل كبير، و مع هذا فإن أمبرتو إيكو يشير إلى المستوى الإيحائي للرسالة معطيا إياه أهمية كبرى:« إن الاستعمال الإيحائي للعلامة أمر أساسي، إلى الحد الذي يجعلنا نتساءل هل توجد علامات غير إيحائية أي تقريرية صرف، فعلامة من نوع + التي تبدو تقريرية بشكل خالص و وحيدة المعنى، يمكن أن تحتوي على قيم إيحائية، مثل حالة التقويم، حيث تدل على الربح إذا كانت في خانة المداخيل، و على الخسارة إذا كانت في خانة المصاريف.»(12)، و يفكر الباحث في هذا المقام بأهمية الاعتماد على كلي المستويين التقريري و الإيحائي معا كضرورة لمتابعة تشكل المعنى الذي ينبثق من الدوال النصية.

3) سنن التعريف النحوي:

       يبدو مفهوم التعريف في النحو العربي الذي يقابل مفهوم التنكير، يبدو مفهوما مرتبطا بشكل أكبر باللسان في ضوء الممارسات التواصلية اللسانية الفعلية أي التسنين اللساني، أكثر من ارتباطه بمفهوم السنن اللساني بعده مفهوما تجريديا على الرغم من كون حدوده تظل مرسومة في ضوء الاستعمال و التداول بين المتكلمين ضمن الجماعة اللسانية، إذ تكون المفردات و العبارات المهجورة للسان في التداول خارج حدود السنن اللساني، و في هذا الإطار يرد تحت عنوان المرجع Référence  هذا التوضيح في معجم للسانيات:« بما أن التواصل اللساني يتخذ غالبا موضوعا له الواقع غير اللساني، فيجب على المتكلمين أن يكون في مقدورهم تعيين الأشياء التي تكونه و وصفها، و مع ذلك فإن هذا الواقع لا يكون بالضرورة هو الواقع أي العالم، و بالفعل، فإن للغات الطبيعية هذه القدرة على بناء الكون الذي تحيل إليه، و لقد يعني هذا أنها تستطيع أن تعطي لنفسها كونا من الخطاب المتخيل.»(13)، و المرجع هنا يعني مفهوم الإحالة الذي يعرفه المتوكل كما يأتي:« هي علاقة تقوم بين الخطاب و ما يحيل عليه الخطاب إن في الواقع أو في المتخيل أو في خطاب سابق/ لاحق.»(14)، و يوضح هنا أن هذا المفهوم مرتبط بشكل وثيق بالممارسات التواصلية اللسانية الفعلية:« فظاهرة الإحالة أدخل في التداول منها في الدلالة إذ إنها ترتبط بالمقام و تحديدا بالمعلومات التي يفترض المتكلم وجودها لدى المخاطب عن المحال عليه حين عملية التواصل.»(15).

       و يظهر أن مفهوم الإحالة هذا الذي عرفه الدرس اللساني الحديث ييسر فهم مفهومي التعريف و التنكير اللذين عرفهما النحو العربي القديم:« فيمكن إرجاع تناول النحاة العرب للإحالة إلى منظورين اثنين: منظور لفظي صرف، و منظور معنوي، فمن حيث المنظور الأول يميز بين النكرة و المعرفة باعتبار النكرة كل اسم قابل لدخول الألف و اللام عليه( باستثناء الاسم العلم)، مثل رجل و فرس و شجرة، و باعتبار المعرفة تشمل مقولات الضمير و الإشارة و الاسم العلم و الاسم المحلى بالألف و اللام و الموصول و الاسم المضاف إلى إحدى هذه المقولات، أما من حيث المنظور الثاني فإنهم يقابلون بين التنكير و التعريف باعتبار التنكير إحالة على مجهول غير مفيد و التعريف إحالة على معلوم مفيد.»(16)، و ليس بعيدا عن الفهم إدراك علاقة التعريف و التنكير النحويين بمفهوم الإحالة اللساني، فوسائل اللسان العربي لتحديد المرجع المحال عليه خلال عمليات التواصل اللساني تستند إلى تعريف هذا المرجع نحويا، بمعنى تحديده من ضمن احتمالات عديدة قد ينجرف فهم المخاطب إلى واحد منها على العكس من قصد المتكلم، فالتعريف النحوي يبدو وسيلة لسانية تقيد و تفيد في تقييد مقاصد المتكلم و المخاطب بخصوص الأشياء أو الوقائع الفعلية التي يتطرق لها التواصل.

       ربما كان من المفيد تسمية وسائل اللسان العربي في الإحالة بوسائل التسنين التعريفي، بحيث تشمل وسائل التعريف و التنكير في هذا اللسان، و من اللافت للانتباه أن الدرس النحوي العربي القديم قد تطرق لمفهومي التعريف و التنكير بشكل أكثر تفصيلا و أكثر مدعاة للتأمل و التحليل:« المراد بالمعرفة ما خص واحدا من الجنس لا يتناول غيره، و ذلك متعلق بمعرفة المخاطب دون المتكلم، إذ قد يذكر المتكلم ما هو معروف له و لا يعرفه المخاطب فيكون منكورا.»(17)، و لا ينتهي الكلام عن المعرفة عند حد تعريف مفهوم التعريف، بل يتجاوزه ليتطرق لظاهرة تبدو على قدر كبير من الأهمية:« و اعلم أن المعارف، و إن اشتركت في أصل التعريف، فهي تتفاوت في ذلك، فبعضها أعرف، فكلما كان الاسم أخص كان أعرف، و قد انقسموا في القول بأعرف المعارف بحسب انقسام المعارف، فقال قوم: أعرف المعارف المضمر، ثم الاسم العلم، ثم المبهم، ثم ما فيه الألف و اللام.»(18)، و المقصود بالمبهم أسماء الإشارة و الأسماء الموصولة، و بالكلام عن النكرة يكون مفهوم التعريف و مفهوم المعرفة أكثر وضوحا:« النكرة أصل للمعرفة و متقدمة عليها، و هي كل اسم يتناول مسميين فصاعدا على سبيل البدل، فهو نكرة، و ذلك نحو رجل و فرس، ألا ترى أن رجلا يصلح لكل ذكر من بني آدم، و فرس يصلح لكل ذي أربع صهال…، و بعض النكرات أنكر من بعض، فما كان أكثر عموما، كان أوغل في التنكير، فعلى هذا شيء أنكر من جسم، لأن كل جسم شيء، و ليس كل شيء جسما.»(19)، فالتعريف النحوي مرتبط بالإحالة على مرجع معين، و كلما كانت هذه الإحالة مشتملة على أكثر من احتمال واحد، كلما كان التعريف أضعف و التنكير أقوى، و لهذا يبدو أن وسائل التسنين التعريفي في اللسان العربي تستند إلى سنن تعريف نحوي يتكون بالشكل الآتي: حيث تشكل أقسام المعارف في اللسان العربي سالفة الذكر ابتداء من الضمير و انتهاء بما اقترن بالألف و اللام نسقا لسانيا، و هو بطبيعة الحال نسق علامات، و كل عنصر من هذا النسق اللساني يحيل على درجة لقوته التعريفية تنتظم ضمن نسق تراتبي تنازلي من أعرف المعارف إلى أنكر المعارف، و الاسم المقترن بالألف و اللام هو أنكر المعارف، فسنن التعريف النحوي في اللسان العربي في ضوء هذا الفهم يقسم وسائل التسنين التعريفي وفق درجة قوتها الإحالية أي تقييد إحالتها من الخاص، و في ترتيب تنازلي لدرجة هذه القوة نحو درجات أقل للقوة الإحالية، و التي تناسب إحالة إلى مرجع أكثر عمومية، أي يحتمل إمكانات تفوق الاحتمال الواحد إلى الاثنين فصاعدا، و من جهة أخرى، يمكن تقسيم عناصر هذا السنن وفق مفهومي الافتراض مفرط التسنين و الافتراض ضعيف التسنين، اللذين تم التعرض لهما في المبحث السابق من هذا البحث، بحيث يدرك المرسل إليه في العملية التواصلية اللسانية أعرف  المعارف وفق الافتراض مفرط التسنين، بينما يدرك أنكر المعارف وفق الافتراض ضعيف التسنين، و هذا الفهم يقود الباحث إلى تصنيف أقسام التعريف النحوي إلى نوعين هما: التعريف مفرط التسنين الذي يوافق أعرف المعارف، و التعريف ضعيف التسنين الذي يوافق أنكر المعارف تبعا لسنن التعريف النحوي.

4) المفارقة التعريفية في القصيدة:

       نهل الشعر العربي المعاصر رؤى نقدية من حركة الشعر الحديث في الغرب، ليتبناها ضمن مساراته الإبداعية على تنوعها، و من هذه الرؤى ما تعلق بطبيعته الجديدة إزاء الشعر العربي القديم:« فحرص الشعر على التماسك و تشريح لغة القصيدة يوازي حرص التصوير الفوتوغرافي على الرؤية النقية، الاثنان يتضمنان أشكالا منفصلة مفككة و وحدة تعويضية: انتزاع الأشياء من محيطها لرؤيتها بطريقة جديدة.»(20)، فالوحدة التعويضية التي تجمع شظايا النص الشعري المعاصر ربما تجلت بشكل خاص في وحدته الموضوعية، و يبدو أن عتبة العنوان لا تفلت من قبضة هذه الوحدة:« إذ يعتبر العنوان علامة جوهرية للمصاحب النصي، رغم اختلاف النقد في صياغة وضعه الاعتباري، فهو تارة جزء من النص، أي المتوالية اللسانية الأولى فيه، و هو تارة أخرى مكون خارجي، أي العنصر الأكثر خارجية ضمن المصاحبات النصية المؤطرة للعمل.»(21)، و لهذا يرى الباحث في سبيله لمقاربة قصيدة(  و نحن نحب الحياة) (22) لمحمود درويش شاعر المقاومة الفلسطينية، التي تتألف من ثلاثة عشر سطرا شعريا فحسب ضمن ديوانه ( ورد أقل) الصادر عام 1986، يرى الباحث قراءة عنوانها قراءة واعية متأملة حاجة ضرورية للدخول إلى عوالم هذا النص.

       و تظهر المقاربة السيميائية لعنوان القصيدة وجود مفارقة شعرية فيه من وجهة نظر سنن التعريف النحوي:« و البيان المضاد صيغة خطابية تترجم وضعية مفارقة، تعلن عن مشروع فيما تجد  في إفراغه من فعاليته، و تنزع نحو الآخر فيما تتمرد على التواصل عبر أشكال من الصوغ، يتقاطع فيها التدمير مع الهذيان، فتنتج خطابا يريد أن يكون مضادا لذاته، لجنسه الخطابي و للمؤسسة و القيمة و لمفهوم البناء بشكل عام.»(23)، و بغض النظر عن مدى كون هذه المفارقة بيانا مضادا يتوخى التدمير، فهي تظهر ذات دلالة عميقة في توجهها إلى المتلقي، فالضمير( نحن) في العنوان و الذي يمثل التعريف مفرط التسنين على مستوى النص، و يمثل أعرف المعارف في لغة النحويين، يبدو على مستوى التلقي و القراءة قريبا جدا إلى العكس من ذلك، فهو في هذا المستوى يفتقر إلى الإعلام و التوضيح بخصوص هذا الجمع المتكلم إلى حد بعيد، فالجماعة التي يتماهى الشاعر بها و ينطق باسمها على عتبة العنوان و في القصيدة بأكملها، تظل موسومة بكونها جماعة متكلمة كغيرها من الجماعات المتكلمة في مواطن أخرى عديدة لا تختلف عنها، و لا يكون أمام المتلقي لتحديد هوية هذه الجماعة إلا استنطاق كلمات القصيدة بدءا من العنوان، محاولا بذلك رسم حدود هذه الهوية، و لهذا يرى الباحث أن دلالة هذه المفارقة التعريفية كامنة في التوكيد على القصيدة كهوية لهذه الجماعة محددة لها و مميزة لها عما سواها.

       يسمح المنظور السيميائي لعنوان لقصيدة وفق سنن التعريف النحوي إضافة إلى ملاحظة المفارقة التعريفية، يسمح أيضا بملاحظة الإيقاع الداخلي الذي يميز هذا العنوان:« ارتبط إيقاع التفعيلة بالعين مثلما هو مرتبط بالأذن، و صارت العلاقة بين السمع و البصر علاقة دائرية متكاملة في القصيدة العربية الجديدة، بعد انعتاقها من أسر البيت و حدود الأذن، و من ناحية أخرى ارتبط إيقاع القصيدة الجديدة بمكوناتها الداخلية، ابتداء من حركة الذات الشاعرة بعواطفها العميقة و رؤاها البعيدة، و انتهاء بمكونات اللغة في تراكيبها المخصوصة و مساحاتها التخييلية من صور و رموز و شفرات و تداعيات، الأمر الذي أنتج مستوى جديدا في بنية الإيقاع الداخلي.»(24)، و يبدو أن الإيقاع الداخلي يصير محوريا مع قصيدة النثر التي تتخلى عن الوزن العروضي:« راحت القصيدة الجديدة في بنيتها التفعيلية أولا، تنتج معنى إيقاعيا موازيا أو مطابقا للمعنى الدلالي الذي تعبر عنه تموجات السطور في قصيدة التفعيلة، ثم قطعت قصيدة النثر بعد ذلك أبعد من ذلك الشوط، حين حولت الدلالة الشعرية نفسها إلى بنية إيقاعية خفية عالقة بالمعنى و ناتجة عنه في الوقت نفسه، الأمر الذي جعل الإيقاع خاضعا لحالة التعددية الدلالية التي يخضع لها النص الشعري الجديد في القراءة النقدية الحديثة.»(25)،  و في العنوان( و نحن نحب الحياة) تقابل  دلالي وفق سنن التعريف النحوي بين الضمير( نحن) الذي يوافق التعريف مفرط التسنين ، و بين الاسم المعرف بالألف و اللام( الحياة) الذي يوافق التعريف ضعيف التسنين، بمعنى آخر نحوي هو تقابل بين أعرف المعارف و بين أنكر المعارف، و قد لا يخفى أن هذا التقابل السيميائي يولد توترا دلاليا حينما يؤخذ في الحسبان الفعل المضارع( نحب) الذي يربط بينهما، فتعريف الحياة بالألف و اللام يحيل إلى معاني الحياة التي يحبها الناس جميعا، أي الحياة كما يعرفها الحس الإنساني العام على تنوع أشكالها و صورها المقبولة لدى البشر، فهي الحياة من منظور اجتماعي عام التي تقابل الموت و تضاده.

       تمثل الجماعة المتكلمة التي ينطق الشاعر باسمها جماعة تعترف بالأعراف الاجتماعية الإنسانية التي تحترم الحياة و تقدسها، و تكفل لجميع الناس حق الحياة دون تمييز بين جماعة و أخرى، و هنا قد يحيل حرف الوصل(و ) في العنوان على معنى التماثل و المساواة لهذه الجماعة المتكلمة مع كل الجماعات الإنسانية الأخرى في حبها للحياة و تمسكها بها، و هكذا تتظافر المفارقة التعريفية مع الإيقاع الداخي في هذا العنوان لإعلان موقف من الحياة يتمسك به الشاعر ضمن جماعته التي لا تظهر في هذا العنوان حاملة لهوية سوى هويتها الإنسانية العامة التي تسمح لها أن تعلن عن حبها للحياة و عن تمسكها بهذا الحب، و نضالها في سبيله، و هذا الموقف المحب للحياة يعكس من جانب آخر مناهضة كل أشكال الإساءة للحياة الإنسانية مهما تعددت الأسباب و مهما تعدد الأشخاص و الجهات، و باستقراء السياق التاريخي الذي قيلت فيه هذه القصيدة، قد يلاحظ المتلقي أن شاعر المقاومة الفلسطينية يساند الجانب الإنساني في القضية الفلسطينية التي  تطالب بحق الفلسطينيين في حياة كريمة على أراضيهم الوطنية، كما تصرخ بأعلى صوتها في وجه الأمبريالية العالمية المساندة للكيان الصهيوني المغتصب لأراضيها و لحقها الطبيعي في النجاح، عبر ممارساته الوحشية اللاإنسانية في الواقع، و عبر مغالطاته الإيديولوجية المفضوحة في أوساط الرأي العام الدولي ممثلا في منابر صنع القرار، و في منابر الإعلام عبر أرجاء المعمورة.

5) الطابع الاجتماعي للمحطات المعلومة في القصيدة:

       تبدو القصيدة موضوع التحليل في هذا البحث، في ارتباطها الوثيق بسنن التعريف النحوي سيميائيا و لسانيا، تبدو بناء لسانيا محكما يحيل بدقة و صرامة على عوالم دلالية محددة، و هذا ربما كان قريبا من مفهوم اللعب بالكلمات، إذ « إن اللعب باللغة جوهر العمل الأدبي، و الشعر بخاصة، و هذا القول يجب التمسك به سواء أظهر الشاعر لنا لعبه و عبثه أم حاول أن يستره و يقدمه من وراء حجاب.»(26)، و قد يكون هذا المفهوم من المسلمات في النقد الأدبي الحديث لتواتر الحديث عنه في الدراسات النقدية العربية و الغربية على حد السواء:« إن روسيل بتحريكه الكلمات أولا، انتهى بأن زعزع استخدامنا للغة، بحيث أعاد طرح مسألة الكلام و الكتابة، هذا ما كان قد فعله أفلاطون بتلاعب ألفاظ لا يقل غرابة و يكاد يكون سورياليا قبل السوريالية، و ذلك في حواره كراتيل Cratyle»(27)، و  يتجلى لعب محمود درويش بالكلمات في هذه القصيدة من منظور سيميائي لساني عبر توسيع الإيقاع الداخلي  الناتج عن التوتر الدلالي بسبب من مقابلة التعريف مفرط التسنين بالتعريف ضعيف التسنين عبر كامل القصيدة، بشكل يمكن القول إنه مذهل فعلا، ففي حين يكتفي بالضمير( نحن) ضمير الجمع المتكلم و بتجلياته الصرفية في الأفعال الواردة في القصيدة، فإنه بالمقابل ينوع من تجليات التعريف ضعيف التسنين( الاسم المعرف بالألف و اللام) ليشمل أسماء متنوعة، و يبقى هذا النوع من التعريف محيلا بشكل ما على ما تدل عليه هذه الأسماء في صيغتها المعرفة من مضامين تبقى ذات طابع اجتماعي في مقبوليتها على الرغم من تنوع هذه المضامين.

       و إذا كانت هوية جماعة الشاعر التي ينطق باسمها مرهونة في تحديدها بما تقوله القصيدة في مستوياتها الدلالية الإيحائية، يكون تتبع هذه الإيحاءات ضروريا لمعرفة هذه الهوية، يقول الشاعر:(28)

       و نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا

       و نرقص بين شهيدين، نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا.

       تتحدد هنا هوية هذه الجماعة المتكلمة بموقفها من الحياة، و هو موقف يتمسك بالحياة التي تحيل صيغتها التعريفية النحوية على أشكال الحياة المتنوعة في حدود ما يقبله الحس الإنساني العام، و في حدود ما يحدده الطابع الاجتماعي للحياة الإنسانية في ظل الأمن و العدالة و الحرية، كما تعيشها كل الجماعات الإنسانية المستقرة في وجود مزدهر مفعم بالأمل و الإقبال على الحياة، و هو تعريف يناهض أشكال الحياة الأخرى غير الآمنة في ظل الجور و القهر و العدوان، و هذا النوع الثاني من أشكال الحياة غير الآمنة هو النوع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلة المغتصبة من قبل العدوان الصهيوني، و هو الأمر الذي جعل الشاعر يعلن هذا الموقف باسم جماعته الفلسطينية المضطهدة، و يتمسك بهذا الموقف في كل الظروف( ما استطعنا إليها سبيلا)، فاللفظة( سبيل) النكرة نحويا و التي تقبع سيميائيا تحت حدود سنن التعريف النحوي، هذه اللفظة تحيل على إمكانات و احتمالات عديدة متنوعة يعتم عليها ظل المجهول القاتم، فالحياة بعدها محطة معلومة اجتماعيا، هي بالنسبة للفلسطيني تظل إمكانية بعيدة التحقق في ظل الوضع القائم العدواني الخانق، الذي يجعل الموت( الشهادة) إمكانا كثير التحقق و الورود بين أفراد الشعب الفلسطيني دون استثناء( و نرقص بين شهيدين)، فصيغة التنكير النحوية للفظة شهيدين تعني أن كل ثنائي فلسطيني دون استثناء يمثل إمكانية قائمة يوميا للسقوط ضحية للعدوان الصهيوني الغاشم  دون تبرير مؤسس منطقي.

       و يستطرد محمود درويش قائلا في قصيدته هذه:(29)

       و نسرق من دودة القز خيطا لنبني سماء لنا و نسيج هذا

       الرحيلا

       و نفتح باب الحديقة كي يخرج الياسمين إلى الطرقات نهارا

       جميلا.

       يحيل التعريف ضعيف التسنين في هذه الأسطر أيضا إلى محطات معلومة، فالكلمات المعرفة بالألف و اللام( دودة القز، الرحيل، باب الحديقة، الياسمين، الطرقات.) تحيل كلها على محطات معلومة، و لكن حدود الإحالة فيها تظهر أضيق مما أحالت عليه لفظة( الحياة) فيما سبق، حيث إن إحالة الحياة هي  على مدلولات متنوعة لأشكال الحياة في الحس الاجتماعي الإنساني العام،  بينما إحالة الكلمات المعرفة في هذه الأسطر تحيل على مضامين اجتماعية مقصورة على المجتمع الفلسطيني فحسب، فمفردات دودة القز و خيطها و الحديقة و الياسمين و الطرقات تمثل البيئة التي يعيش فيها أفراد هذا المجتمع في أرضه الخصبة الزاخرة بأشكال الحياة الطبيعية الريفية الساحرة، التي تربط بين أرجائها طرقات أليفة عريقة عراقة هذه البيئة بعيدة الجذور في  الزمان و المكان معا، و هكذا تتحدد هوية المجتمع الفلسطيني بأكثر من أبعاده الاجتماعية الإنسانية العامة، لتكون أكثر خصوصية به دون غيره من المجتمعات عبر أرجاء المعمورة، فالمجتمع الفلسطيني يستلهم من أصالته ممثلة في أشكال و صور بيئته الوطنية مبادئ النضال لتضميد الجرح الوطني المفتوح على المنافي البعيدة، هذه المنافي التي صارت على تنوعها محطة معلومة إجمالا في حياة الفلسطيني الراهنة، و ربما هذا ما يحيل عليه التعريف بالألف و اللام للفظة( الرحيلا)، و التئام هذا الجرح الوطني هو شرط ضروري عند الشاعر لتحقق إمكانية النهار الجميل المجهولة.

       و في ختام القصيدة تتوالى هذه الأسطر الشعرية:(30)

       و ننفخ في الناي لون البعيد، و نرسم فوق تراب الممر صهيلا

       و نكتب أسماءنا حجرا حجرا، أيها البرق أوضح لنا الليل،

       أوضح قليلا

       نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا…

       تظهر ثنائية( البرق/ الليل) مظهرا آخر من مظاهر الإيقاع الداخلي، بالتضاد بين النور الذي يحيل عليه البرق، و بين الظلام الذي يحيل عليه الليل، و لكنها مع هذا تبقى بشقيها من المحطات المعلومة في عرف المجتمع الفلسطيني، فالليل الذي تشكله الممارسات العدوانية الوحشية للكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين، و تشكله في جانب آخر ممارسات التعتيم على القضية الفلسطينية من قبل القوى الإمبريالية المتحكمة في الرأي العام الدولي، هذا الليل تنكشف بعض عوراته أمام الفرص القليلة القصيرة زمنيا التي تتاح أمام حماة القضية الفلسطينية لنصرتها و دفعها قدما في سبيل تحقيق أهدافها التحررية، فهذه الفرص القليلة الظرفية التي تخدم قضية الفلسطينيين بين الحين و الآخر تمثل مضمون ما قد تحيل عليه لفظة( البرق)، و يظهر هنا تماسك القصيدة العضوي في تحديد هوية المجتمع الفلسطيني مجتمعا إنسانيا ينشد الأمن و الحرية و الاستقرار ، و هذا بناء على إيقاع داخلي يربط التعريف النحوي مفرط التسنين ممثلا في ضمير الجماعة المتكلمة( نحن)، في انطلاقها من المحطات المعلومة لدى أفرادها من مقومات وطنية أصيلة، و انطلاقا كذلك من ظروف قاسية تحت ربقة الاحتلال، من أجل التمسك بالأمل في حياة إنسانية كريمة ملؤها الأمن و الحرية و العدالة و الاستقرار.

6) خاتمة:

       أظهرت مقاربة هذا النص الشعري لمحمود درويش من منظور سنن التعريف النحوي، أظهرت خصوبة هذا المفهوم السيميائي و قابليته للاستثمار في تشكيل قراءة موضوعية إلى حد بعيد، و من جانب آخر فقد تجلت إمكانية دمج المفاهيم السيميائية مع المفاهيم النحوية في تكوين مصطلحات سيميائية تتحلى بالتماسك و الوضوح، في إحالتها على الجوانب الإجرائية المتاحة لغرض مقاربة النصوص، و من جانب آخر تجلى بوضوح ثراء هذا النص الشعري في إيحائه بمدلولات متماسكة تخدم وحدته الموضوعية كنص شعري حديث، و هذا انطلاقا من مستوى تعبيري تقريري لا يشي بهذه المدلولات بشكل تلقائي أمام القراءة، و لكن اعتماد التلقي على عدة إجرائية مناسبة مكن القارئ من الوصول إلى هذه المدلولات، و ما سبق كله يصل بالباحث إلى فهم ضرورة التعامل مع النص الشعري العربي الحديث بوعي بإشكالياته و ثوابته من غموض و كثافة دلالية و انسجام معنوي، و لعل هذا الوعي يمثل السبيل الأمثل لقراءة المنتوج الشعري العربي المعاصر و تمثل رؤاه و امتداداته السياقية و المعرفية في آن واحد.

7) الهوامش:

1- رومان ياكبسون، الاتجاهات الأساسية في علم اللغة، ت: علي حاكم صالح و حسن ناظم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط2، 2011، ص 57.

2- Jean Dubois et autres, Le dictionnaire de linguistique et des sciences du langage, Larousse, Paris, France, 2012, p90.

3- أحمد يوسف، علامات فارقة في الفلسفة و اللغة و الأدب، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان/ دار الأمان، الرباط، المغرب/ منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2013، ص 28.

4- Roman Jacobson, Essais de linguistique générale 1- Les fondations du langage, Trad: Nicolas Ruwet, Les éditions de minuit, Paris, France, 2003, p90.

5- ibid, p91.

6- Jean Dubois et autres, Le dictionnaire de linguistique et des sciences du langage, Larousse, p 90.

7- أمبرتو إيكو، العلامة: تحليل المفهوم و تاريخه، ت: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط2، 2010، ص 119.

8- سعيد بنكراد، النص السردي: نحو سيميائيات للإيديولوجيا، دار الأمان، الرباط، المغرب، ط1، 1996، ص 13.

9- Umberto Eco, Les limites de l’interprétation, Trad: Myriem Bouzaher, Editions Grasset, Paris, France, 1992, p 263.

10- ibid.

11- أمبرتو إيكو، العلامة: تحليل المفهوم و تاريخه، ت: سعيد بنكراد، ص 141.

12- المرجع نفسه، ص 143.

13- أوزوالد ديكرو و جان ماري سشايفر، القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، ت: منذر عياشي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط2، 2007، ص 325.

14- أحمد المتوكل، الخطاب و خصائص اللغة العربية: دراسة في الوظيفة و البنية و النمط، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان/ دار الأمان، الرباط، المغرب/ منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2010، ص 73.

15- المرجع نفسه، ص 74.

16- المرجع نفسه، ص 75.

17- ابن يعيش، شرح المفصل للزمخشري، تقديم: إيميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2001، مجلد 3، ص 347.

18- المرجع نفسه، ص 349.

19- المرجع نفسه، ص 351.

20- سوزان سونتاغ، حول الفوتوغراف، ت: عباس المفرجي، دار المدى، بيروت، لبنان/ دمشق، سوريا/ بغداد، العراق، ط1، 2013، ص 114.

21- نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2007، ص 40.

22- محمود درويش، ديوانه، رياض الريس للكتب و النشر، بيروت، لبنان، دط، 2009، مجلد 3، ص 174.

23- نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال للنشر، ص 86.

24- علوي الهاشمي، فلسفة الإيقاع في الشعر العربي، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، لبنان،ط1، 2006، ص 86.

25- المرجع نفسه، ص 136.

26- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري( استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط4، 2005، ص 41.

27- بيار ماشيري، بم يفكر الأدب؟ تطبيقات في الفلسفة الأدبية، ت: جوزيف شريم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط1، 2009، ص 324.

28- محمود درويش، ديوانه، مجلد 3، ص 174.

29- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

30- المصدر نفسه، ص 175.

8) قائمة المصادر و المراجع:

المصادر:

1- محمود درويش، ديوانه، رياض الريس للكتب و النشر، بيروت، لبنان، دط، 2009، مجلد 3.

المراجع العربية:

2- ابن يعيش، شرح المفصل للزمخشري، تقديم: إيميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2001، مجلد 3.

3- أحمد المتوكل، الخطاب و خصائص اللغة العربية: دراسة في الوظيفة و البنية و النمط، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان/ دار الأمان، الرباط، المغرب/ منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2010.

4- أحمد يوسف، علامات فارقة في الفلسفة و اللغة و الأدب، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان/ دار الأمان، الرباط، المغرب/ منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2013.

5- سعيد بنكراد، النص السردي: نحو سيميائيات للإيديولوجيا، دار الأمان، الرباط، المغرب، ط1، 1996.

6- علوي الهاشمي، فلسفة الإيقاع في الشعر العربي، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، لبنان، ط1، 2006.

7- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري( استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط4، 2005.

8- نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2007.

المراجع المترجمة:

9- أمبرتو إيكو، العلامة: تحليل المفهوم و تاريخه، ت: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط2، 2010.

10- بيار ماشيري، بم يفكر الأدب؟ تطبيقات في الفلسفة الأدبية، ت: جوزيف شريم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط1، 2009.

11- رومان ياكبسون، الاتجاهات الأساسية في علم اللغة، ت: علي حاكم صالح و حسن ناظم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط2، 2011.

12- سوزان سونتاغ، حول الفوتوغراف، ت: عباس المفرجي، دار المدى، بيروت، لبنان/ دمشق، سوريا/ بغداد، العراق، ط1، 2013.

المراجع الأجنبية:

13- Roman Jakobson, Essais de linguistique générale 1- Les fondations du langage, Trad: Nicolas Ruwet, Les éditions de minuit, Paris, France, 2003.

14- Umberto Eco, Les limites de l’interprétation, Trad: Myriem Bouzaher, Editions Grasset, Paris, France, 1992.

المعاجم المترجمة:

15- أوزوالد ديكرو و جان ماري سشايفر، القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان، ت: منذر عياشي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب/ بيروت، لبنان، ط2، 2007.

المعاجم الأجنبية:

16-Jean Dubois et autres, Le dictionnaire de linguistique et des sciences du langage, Larousse, Paris, France, 2012.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *