العقرب

العقرب
5
(3)
بشوني كيلاني
الفصل خريف والعائلة الكبيرة كلها مجتمعة بالغرفة الشرقية المسماة المخزن الشرڨي ،والمخزن كلمة تطلق على الغرفة في لساننا صغيرة كانت أو كبيرة.
الشرڨي أكبر غرف دار جدي وله مكانة خاصة عند جميع أفراد العائلة حتى أبناء حيينا مكانة تعادل قاعة المؤتمرات فى زمننا.
لقدكان الشرڨي لي واخوتي مقرا أساسيا فيه ننام ،وفيه نتابع مشاهدة التلفاز، وفيه أتابع حركات جدي وسكناته و أجالسه لأسمع منه مغامرات طفولته وشبابه وقصص الماضي وأساطيره.
لكن الجمع العائلي هذه المرة لم يجتمع حول الجدِّ كما اعتاد من حين لآخر وإنما بدونه لأنه رحل لغير رجعة منذ حوالي أسبوعين .
لقد كان من عادة أهل الميت يجتمعون الأيام التالية لفقدان عزيزهم ، ينامون سويا متبادلين الحكايا حول مآثر ومناقب فقيدهم مواساة لبعضهم البعض .
لم يكن الجو باردا برد السموم بالقدر الذي نتلحف فيه قشاشبنا او برانيسنا أو نتحلق فيه حول نار الحطب كما اعتدنا شتاءا ، ولم يكن حار جدا حيث يرغمنا على النوم خارج الغرف بفناء الدار كما جرت به العادة صيفا كلما اشتد الحرُّ الذي لا يخفف قيضه ولظاه إلا نسمات الليل الباردة التي تهب حينا وتخفت أحيانا كثيرة .
مع ذلك كان الكل راض بقضاء الله وقدره حامدا لله شاكرا له على فضله ونعمائه.
في هذا الجو الكئيب الذي خلفه موت جدي ورحيله من دار الفناء ودارنا لدار البقاء التي هي دارنا.
عمّ صمت سكن له الجميع ، رحت خلاله أسبح بخيالي في عالم الذكريات التي جمعتني بجدي وما أكثرها وما أحلاها بحلوها ومرها، لقد كنت أراه أحد ركائز الحياة التي لا يمكن ان تزول ذات يوم .
يرتسم شريط الذكريات معه في رَوْحَاتي وغدواتي معه للمزرعة والسوق وجلساتنا معه وتحلقنا حول نار الشتاء في الكوخ الذي بناه بنفسه في ركن من فناء الدار خصيصا لسمر الشتاء ونفحاته .
مازلت أتذكر سحنته المستنيرة وعمامته الملتفة على رأسه بعناية وبرنوسه الأبيض تارة والبني تارة أخرى وقد وضعه على كتفيه متوسطا حلقتنا كملك على عرشه محاط بحاشيته وندمائه ماسكا عودا من خشب يحرك به الجمر المتلألأ على صفيح من حديد.
نتحلق حول النار وحوله وكأنَّ على رؤوسنا الطير خاشعين مستمعين حكاياته الممتعة وحكمه النفيسة ، يتخلل المجلس من حين لآخر نكات وألغاز تبعث على جو القعدة تنوعا و مرحا تنتعش له الروح وتطرب له النفس ، نتشوق بعدها إلى الليلة التي تليها .
لا زلت اذكر كيف صار جدي بمرور السنين تنتابه نوبات من ضيق التنفس تكاد تزهق روحه في كل نوبة منها ، نوبات لا يأخذ معها دواء ولا يغدو معها لمشفى ،يبقى واجما صابرا في مكانه والنوبة ترجه رجا يصارعها محتسبا ذاكرا مستغفرا ،شهيق وزفير مصحوب بخرخشة و زقزقة عصافير تخرج من صدره النحيل يصحبها دوي كدوي النحل الغاضب المُعتدى عليه، دوي يختلط فيه إسم الله والرب وخرخشة الصدر الخانقة ، يبقى على هذا الحال ماسكا الجدار حتى تغادره النوبة ويتنفس الصعداء ويعود لطبيعته كأن شيئا لم يحدث ،و لا حديث بعدها عن النوبة التي كانت تأسره في زنزانتها الحالكة دقائق، النوبة التي كانوا يطلقون عليها إسم النهجة .
كم كانت تزعجني تلك النوبات التي تنتاب جدي من حين لآخر ولم اكن اعرف حينها لها بلسما ولا ارى جدي يبحث لها عن مخرج لمجرد تحرره من عِقالها ، كانها صارت قدره المحتوم الذي لامفر منه وقضاء الله الذي لا راد له.
لو كانت مثل هذه النوبات جثمت على صدر أحدنا أيامنا هذه لهرع اهله به للمشفى و لأقام من حلَّت به الدنيا على من حوله ،ولما ترك طبيب له مطمع في شفاء علته إلا قصده ولا دواء أخبروه انه يشفي داءه إلا جرَّبه، لكن الزمن ليس هو الزمن ولا الحال هو الحال ولا الرجال هم الرجال.
مازلت أذكر تلك الغدوات والروحات إلى مزرعتنا رفقته على حماره المدلل الانيق ،وكيف كان جدي يولي إهتماما كببرا للمزرعة والنخيل مؤنسته في شيخوخته وجنته في دنياه .
ومما بقي راسخ في ذهني من ذكريات السنوات الأخيرة من حياته إصراره لي على مجالسته والسماع لخبراته وحكاياته وحكمه ، على ان ذلك أجْدَى لي من اللهو واللعب كما ردد ذلك مرارا، لكني لمست من خلال كلماته انه بحاجة للموءانسة إضافة لرغبته في إنتفاعي بزبدة حياته فيبقى حيا في حفيده ولو فنى منه الجسد.
لقد كانت النوبات التي ترهقه في آخر عمره سببها علة في قلبه ،لم نكن نعرف ذلك حتى أخذوه ذات يوم عنوة بعد أن اشتد عليه الحال وضاقت عليه الدنيا بمارحبت ، وفرض عليه الطبيب الذي شخّص علته البقاء في المشفى للعلاج والبسوه لباس الإستشفاء الخاص بالإقامة ، لكن جدي ضاق به المكان لشعوره بقرب اجل الرحيل ولا مفر من قدر الله ،ومن اول زيارة لعمي له اصر عليه بالخروج وخرج فعلا خلسة فرارا من المشفى، كذا فرارا من سجن الدنيا إلى سعة الآخرة .
دخل علينا الدار مساءا فشعّت أنواره باسم الوجه كانه نشط من عِقال لم تتلبسه علة و لا ألمَّه مرض .
جلس في فناء الدار وكان الوقت مساءا وجلست اراقبه وهو يروي عن يومه الذي قضاه في المشفى وعن مغامرة هروبه مع عمي منه.
أكل مما طهي له من نشاء الحليب وشرب شاي المساء كعادتنا مساءا .
لقد أمسى صحيحا سليما معافى كأن المرض غادره لغير رجعة ولم تكن إلا إرهاصات الرحيل لتلك الدار .
عند المغرب قال لجدتي كلمات الوداع مرددا : بالعافية بالعافية.
لم تتقبل جدتي طبعا مقولته قائلة:
كفى تهويلا انت بخير ولن يصيبك مكروها ، انت دوما هكذا تروعنا.
لكن جدي اصر انها النهاية فهل يا ترى يرى المقبل على الوفاة ما لانرى ؟
كنت لكل ذلك متابعا وملاحظا ، صلى جدي العشاء وذهب لقضاء حاجته وعند عودته تمدد في مكانه ماسكا بيده زر المصباح ذاكر مستغفرا ،وخرج جمعينا للنوم .
ماهي إلا هنيهة من تفرق الجمع العائلي حتى نادت جدتي معلنة حالة الطواريء ، نداء هرع له الجميع لغرفة جدي وقد انتابته حالة غريبة أخبرتنا جدتي أنها ألمَّت به بعد توديعه لها .
إنها سكرات الموت التي تسبق خروج النفس من الجسد ، ماهي إلا لحظات حتى اسلمت الروح لخالقها وخرجت النفس لبارئها تاركة الجسد مسجى خلفها كنائم ينتظر يقظة بعدها .
تعالت اصوات البكاء في ارجاء الغرفة خاصة من النساء وانهمرت الدموع من عيون الرجال .
لقد كان الوقت ليلا ، جلس الجميع حوله لساعات متاخرة من الليل ثم تركوه في الغرفة وحيدا إلى الصباح حيث تم تحضير ملزمات الجنازة صباحا ووري جثمانه التراب مساءا بعد العصر.
أسبوعان مرَّتا وها نحن مجتمعين في الشرقي جلوس على ذكراه وها انا ذا اعيد ذكرياتي معه والصور الأخيرة منها قبل رحيله.
كنت حينها أترنح بين الطفولة والمراهقة، فجاة قطع خيالي وتفكيري شعور برغبة في الذهاب لقضاء الحاجة فكنت محتقنا وهيامي في الذكريات اشغلني .
مالعمل وقد تملكني خوف شديد لمجرد التفكير أن الذهاب للحمام يُعد مغامرة كبرى في هذا الجو المهيب وأن الذهاب يتطلب المرور بفناء مظلم فالشرقيُ كان غرفة متطرفة على بقية الدار ، لكن ليس لي خيار إلا خوض غمار المغامرة مكره لا بطل، خرجت والرعب يتملكني من رأسي إلى أخمص قدمي خوفا من أشباح الظلام وزوار الليل الذين طالما سمعنا بهم في أساطير الاجداد .
لقد كنا نعتقد انهم يصولون و يجولون مع حلول ظلام كل ليلة ، خرجت مكرها متوشحا وشاح الجرأة والشجاعة وهل في مثل هذه المواقف صبر.
مررت مسرعا كالبرق على الفناء لألج البهو المؤدي للحمام والمكان ظلام دامس وكلي رهبة ان تمتد لي يد من خلفي او من أمامي يد من عالم الاشباح مخترقة حجب الظلام.
لكن أمرا مفاجئا حدث لم يكن في الحسبان ، حدث ليس من عالم الاشباح عالم الاوهام إنما من عالمنا عالم الرعب الحقيقي المتدثر بالمحاسن .
فجأة لسعة كشفرة حلاقة تخترق إصبع قدمي الحافية عقِبها ألم لا يمكن وصفه باللسان ،ألم كادت تخرج منه الأحشاء ويخرج منه القلب من الأحشاء ، صرخت على إثره صرخة جلبت معها والدي وبعض من في الدار، اشعل احدهم المصباح وأظنه والدي ، واسرع نحوي وانا اصرخ ممسكا قدمي ، هاهو المعتدي ممدد أمامي إنها عقرب صفراء بنية لا تسر الناظرين إذا رأيتها وَلَّيْتَ مِنها فرارا و مُّلِئت منها رهبة ورُعبا كأنها من نار خلقت لا من طين لازب مثلنا ، إنها العقرب وما أدراك ما العقرب رمز لمن عقّ الرب هكذا بدا لي اسمها من عقوق الرب مشتق .
ضربها ابي بباطن النعل فأرداها قتيلة بعدما زرعت سمها في دمي بلدغة من صنارتها التي تحملها ورائها في حالة تأهب لإصطياد فريستها وكان إصبعي قدمي هذه الليلة فريستها .
قتلها أبي دون هوادة ولا شفقة بضربة ثأر لابنه الحافي القدمين فقد كنا معظم الاوقات نمشي حفاة رغم امتلاكنا الاحذية والنعال .
مسك بعدها ابي قدمي الملدوغة وشفرة حلاقة في يده ،فصد بها مكان اللدغ بعدما بينته له ،فمن لسعة العقرب إلى لسعة الشفرة ، ثم اتى بقارورة غاز وفتحها موجها نفخة منها نحو مكان اللدغ شعرت ببرد شديد وتجمد الجلد حلَّ مكان الألم .
لم يحكي ولم يشاور احدا ابي كعادته في مثل هذه المواقف وياخذ المبادرة لوحده بكل حزم .
أخذني مباشرة بعد ذلك لبيت احد جيراننا والمالك الوحيد لسيارة في حيينا ذلك العهد ، دقَّ بابه موقظا إياه من نوم عميق دلَّ عليه تأخره في الإجابة ولما خرج بدت عليه غلبة النوم وفزعة الإستيقاظ ولكن الامر جلل ليس فيه وقت للتلكأ اكثر فسرعة السم تصحبها سرعة الموت .
-ماذا حدث ياصالح حتى توقظني في هذا الوقت ؟
-ولدي لدغته عقرب وعلينا اخذه للمستشفى .أجاب والدي
– وماذا سيفعلون له في المستشفى إنها العقرب ياصالح . أجاب سي موسى.
وما ان سخُن المحرك حتى تحركوا بي للمشفى حيث حقنوني بحقنة لا نعلم ماهيتها تلك الأيام .
ثم عدنا للبيت و قد انتصف الليل ومضى اكثر من نصفه ولا ادري بعد الحقنة ، هل عدت نائما او في غيبوبة ، طلع بعدها صبح الغد كأن شيء لم يحدث البارحة ،رحت صبيحته ألعب وأمرح مع أقراني وأصدقائي من أبناء الحي، وذكرى وفاة جدي ولسعة العقرب ارتبطتا معا في مخيلتي .
فكلما تذكرت وفاة جدي تذكرت معها لسعة العقرب وألمها وكلما تذكرت لسعة العقرب تذكرت معها وفاة جدي وألم فراقه.
استمرت بعد ذلك الحياة بأفراحها وأحزانها، كما استمرت قصص لدغات العقرب وأخذها للأنفس البريئة على حين غرة .
إعتبرنا ذلك من سنن الكون التي لا مفر منها ومن حصص الموت المكتوبة لبعضنا ، رحمك الله يا جدي وتبا لك يا عقرب كم اخذت عزيزا علينا وإلى متى سيظل سُمَّكِ هاجسا يؤرقنا.
بشوني كيلاني

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 3

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *