لمّا يحصّن الواقع اللّغة والفكر

لمّا يحصّن الواقع اللّغة والفكر
0
(0)

بقلم إيمان قاسي/الجزائر

اليوم وككلّ يوم تتكرّر، في هذا الفضاء، مصادفتنا لبحوث وباحثين من خارج الوطن يتدارسون قضيّة ما يسمّونه ب”الأقليّات” في الجزائر، ولأنّي أشعر بالتحسّس من هذا المصطلح الّذي يعدّ مغالطة تاريخيّة، وددت خطّ هذه الأسطر الّتي علّها تعبّر عمّا يخالج دواخل الكثير منّا.
فلابدّ وأنّنا لاحظنا حاليّا كثرة الدّراسات حول ما يسمّى بالأقليّات في جامعات ومخابر الشّرق والغرب، ناهيك عن تلك الّتي يستفرد فيها هذا المصطلح بتخصّصات كاملة، ولأنّ قضيّة المفاهيم أضحت شائكة بعد الترسّبات المعرفيّة الحاصلة لدينا، وجب توضيح أنّ السّبيل الوحيد لكلّ دارس هو التنقّل والقيام ببحوث ميدانيّة مع عدم الاعتماد على كتب ومراجع القرن الماضي في استنطاق الواقع.
حتما، تبتهج الأرض عندما تنطق وتقول بملء فيها انّه لا وجود لأقليّات فيها، والطّوبونيميا المشتركة خير دليل على ذلك، كما أنّ غالبيّة الولايات الجزائريّة لازالت تتحدّث الأمازيغيّة لغاية اليوم، وهنا أقصد أمازيغيّة تلك المناطق ذاتها بالدّرجة الأولى، وإلى جانب ما ذكر، فكافّة الولايات دون استثناء لازالت تحتفظ بسماتها الثقافيّة وتراثها وعاداتها وتقاليدها الّتي تربطها ببعضها البعض والّتي لاقت تصنيفا من وحي هذه الأرض، علاوة على أنّ تلك السّمات الثّقافية متجذّرة في دوارجها المحكيّة أيضا، وما وصلنا من خلال الانتشار الثّقافي يعدّ بدوره مكسبا.
فكنموذج عمّا يحدث غالبا دون انتباه، نجد إقصاء المعرّب من أمازيغيّته، وبالتّالي خلط المفاهيم بصفة عبثيّة.
كلّنا ندرك المغالطات المعرفيّة الّتي شهدتها عقود القرن الماضي والّتي خلقت سجلّا خرافيّا عن الآخر؛ وبل، بعد ظهورها، استعصت إشكاليّة الأنا والآخر، هذا الأخير الّذي لم يدرك الشّخص أناه فيه ومنه، فأمسى الدّرب معبّدا للمخيال الهلامي، ناهيك عن الأحكام المسبقة للأسف.
وعلاوة على ما هو راسٍ في تمثّلات الأشخاص، أظنّ أنّه يكفينا ما انجرّ عن تلك المغالطات التّاريخية الّتي أصّلت وأرّخت لمفهوم وهمي (الأقليّات) من إشكالات ذات طابع اجتماعي وثقافي وتاريخي وسياسي وحتّى علمي بوطننا العزيز.
هي دعوة لكافّة الأكاديميّين والإعلاميّين بغية القيام ببحوث ميدانيّة وروبورتاجات تهتمّ بالشقّ الّذي يوحّدنا جميعا، والبعد عن مصطلحات كتلك الّتي قد لا ندرك تأثيرها على المدى القريب والبعيد على حدّ سواء ! فتكفينا ارتدادات ما تمّ تصديره زمان عن غير دراية.
وفي سياق متّصل، لابدّ وأنّ تشجيع السّياحة الدّاخلية من شأنه رأب الكثير وتدارك الكثير بين أبناء الوطن القارّة، مع تجنّب بعض الصّور النمطيّة في إيصال الرّسالة، والحرص على نوعيّة المفاهيم الّتي يتلقّاها الصّغار في مقرّراتهم الدراسيّة؛ فاللّغة تصنع الفكر مثلما يصنعها هذا الأخير على حدّ قول مفكّرين من أمثال دولاكروا، ولذلك، إنّنا لنودّ أن تمنح اللّغة لهذا الفكر وجوده الأسمى على حدّ تعبير هيغل، ممّا يستوجب برمجة لغويّة عصبيّة متوازنة مستقبلا.
فبالنّسبة لي، لا يوجد ألعن من وصف شخص أو منطقة بأنّها أقليّة في أرضها، فكلّنا واحد.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *