مسرح الطفل من وحي التجربة، استنطاق للواقع
بقلم أحسن تليلاني/الجزائر
كانت لي تجربة أعتز بها كثيرا في مجال الكتابة المسرحية للأطفال ، تتمثل في مسرحية ” شوشو و الاختراعات ” موضوعها العلم و الأخلاق ، أنتجتها جمعية الفنون الدرامية و المسرح البلدي سكيكدة في مارس 1999 ، و مسرحية ” سر الحياة ” عن موضوع الطفل و البيئة ، أنتجها الديوان البلدي للثقافة و السياحة و المسرح البلدي سكيكدة في جوان 1999 ، و حضرت العرضين في كل من قاعة (عيسات إيدير) و ( المسرح الروماني ) بسكيكدة ، وعشت أجواء فرحة الأطفال و تجاوبهم مع العرضين . و قد أكون محظوظا جدا إذ تحول النصان إلى مشاهد على الخشبة ، فكانت التجربة مهمة جدا بالنسبة لي ، ذلك أن الكتابة صناعة صعبة ، و لكنها أكثر صعوبة إذا كانت موجهة للأطفال فهي تتطلب كثيرا من الدقة و المهارة واستيعاب أعماق المتلقي ، و هو الطفل الذي يصعب الحديث عنه و معه و الاستماع إلى حاجياته .و قد واصلت تجربة مسرح الطفل فكتبت نص مسرحية ” الخط نقطة ” تمت طباعتها في كتاب واحد مع مسرحية ” سر الحياة ” صدر عن منشورات enag عام 2009، و من إفضاءات هذه التجربة بودي أن أطرح المسائل التالية عن مسرح الأطفال:
المسألة الأولى :تتعلق بقلة التراكم الثقافي عامة و المسرحي خاصة الموجه للأطفال ، فالطفولة تكاد تكون محرومة من الوهج الثقافي ، رغم حاجتها الملحة لذلك و ، رغم التنبيهات الأساسية التي نجدها في التراث الأسلامي كقول الرسول –ص- “يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانـه أو ينصرانه أو يمجسانه ” ، أو تلك التي أشار إليها علم النفس من أن الطفولة أساس شخصية الإنسان .و لأن الطفل أرض نزرع فيها ما نشاء ، و ورقة بيضاء نكتب فيها ما نشاء ، فإن مسؤولية الأسرة و المدرسة و المحيط الاجتماعي كبيرة جدا في تنشئة طفل اليوم رجل الغد ، و في هذا المعنى يقول الشاعر :
و ينشأ ناشئ الفتيان منــا—- على ما كان عوده أبــوه
و على الرغم من الوعي المتأخر بما لثقافة الطفل من أهمية قصوى في بناء شخصيته ، و إعداده لمواجهة تحديات الحياة ، و تنشئته بشكل إيجابي سليم ، فإن التوجه نحو الاهتمام بثقافة الطفل مازال يشوبه التردد حينا و الضعف أحيانا ، إن هي إلا مبادرات محتشمة تجد صداها في إنشاء وزارة الثقافة الجزائرية لجائزة سنوية في أدب الأطفال لتشجيع الكتاب على ذلك ، أو في صميم اهتمامات بعض المسارح المحترفة و الفرق الهاوية بإنتاج عروض للأطفال ،و قد نجد مثل هذا الإهتمام على شكل مبادرات فردية في بعض المؤسسات التربوية أو المراكز الثقافية و دور الشباب ،أو في صميم اهتمامات بعض الجمعيات الثقافية ، أو في بعض الحصص و البرامج الإعلامية ، أقل ما يقال عنها إنها قليلة لا تلبي حاجيات الأطفال ، و كثيرا ما نجدها هزيلة تتميز بالارتجالية و فقدان الاحترافية في ظل غياب المتخصصين و الأكاديميين .و إذا كان الزمن اليوم للعولمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة بل عمارة واحدة ، فمن حقنا أن نتساءل عن موقع الطفل الجزائري و العربي في طوابق هذه العمارة ؟ بماذا سلحنا أطفالنا من إنتاج ثقافي يمكنهم من مواجهة تحديات العصر؟ و إن هذا السؤال ينسحب على الكتاب و المجلة و الحصص التلفزيونية و الإذاعية و الأناشيد كما ينسحب على العروض المسرحية الموجهة للأطفال ؟.
المسألة الثانية : تخص المسرح في حد ذاته كأهم شكل فني يمكن اعتماده في تنشئة الطفل و إعداده ، فالمسرح أبو الفنون كما هو معروف ، لأننا في العرض المسرحي يمكن أن تتفاعـــل كل الفنون من كلمة و رسم و نحت و موسيقى و غناء و رقص و تمثيل و غيرها ، و عن طريق العرض المسرحي الجيد ، يمكن التأثير بعمق في عقول الأطفال و عواطفهم و سلوكهم ، بالإضافة إلى أن المسرح يكرس علاقة الإنسان بالإنسان من خلال فعل التفرج الحي القادر على إثارة كل الحواس . و إننا في هذا المجال يمكن استغلال كل الفضاءات المسرحية لبعث نهضة مسرحية قوية سواء على مستوى المسارح الجهوية ، أو قاعات دور الشباب و المراكز الثقافية و المؤسسات التربوية ، أو في مسارح الهواء الطلق . إن أهمية مسرح الأطفال لا تكمن في مشاهدة الأطفال للعروض فحسب بل تكمن أبضا في مشاركة الأطفال في إنجاز العرض كالتمثيل و المساهمة في متطلبات السينوغرافيا لأن ذلك من شأنه تطوير شخصية الطفل و اكتشاف استعداداته و التعبير عن مواهبه الكامنة ، و في هذا المجال نلاحظ أن المدرسة الألمانية مثلا تعتمد توقيتا يوميا واسع الحجم الساعي للنشاط المسرحي لأنه يساعد على نمو شخصية الطفل و اكتشاف استعداداته و مهاراته و مواهبه .
المسألة الثالثة : تحيلنا على ثنائية الواقع و المتخيل في مسرح الأطفال ، فإذا كانت كل المواضيع صالحة للمعالجة و التصوير و التناول ، و لا يوجد موضوع أهم من آخر ، و إنما الأهمية أن تكون تلك المواضيع مستوحاة من واقع الطفل ،الواقع بمفهومه الاجتماعي و الأخلاقي و الطبيعي و الحضاري الشامل ، فإن الواقعية لا تعني تصوير الواقع كما هو بطريقة فوتوغرافية يتم فيها نقل جانب من الحياة إلى الخشبة . ففي مثل هذه الحالة من الأحسن أن نترك الحياة تقدم عروضها بشكل عفوي و طبيعي صادق على أساس أن الحياة ذاتها مسرح كبير و مفتوح في كل وقت يتأثر به الطفل في كل لحظة من البيت إلى المدرسة إلى الشارع . لقد حدث أن رجلا رسم كلبه بشكل دقيق جدا و كأنها صورة فوتوغرافية ملتقطة بآلة التصوير و اعتقد الرجل أن رسمه آية في الإبداع ، فأخذ اللوحة إلى الأديب الألماني (غوته ) ليشهد له بالعبقرية ، و لكن غوته استهجن اللوحة وقال للرجل : “أنت لم تبدع شيئا فما زدت أن أصبح لديك كلبان بدل كلب واحد “. إن الواقعية لا تعني إلغاء المتخيل بل على العكس فالمتخيل أساسي لتعميق الواقع و إعادة خلقه و إنتاجه بشكل أكثر تنظيما و وضوحا و جمالا ، و لأن عملية الإدراك عند الطفل بسيطة فإن المتخيل يساعد الطفل على استيعاب الحياة ، و لذلك يقدم مسرح الأطفال عوالم سحرية خارقة تعتمد أساسا على أنسنة الحيوانات و الأشياء فتصيح ناطقة تشعر و تفكر و تتحرك كالإنسان ، كما يخلق عوالم غريبة قد تبدو غير منطقية و لكنها تربوية و هادفة من خلال إطارية الإثارة و المتعة التي توفرها.
المسألة الرابعة : هي أن الطفولة مرحلة أساسية في تحديد ملامح شخصية الإنسان و لأن العرض المسرحي رسالة تربوية و ترفيهية هادفة فمن المفيد الحرص على تحقيق جملة من الأهداف يمكن إجمالها كما يلي :
أ- بناء شخصية الطفل بإكسابه قدرات على الملاحظة و التحليل و التركيب و الاستنتاج ، و تنمية روح الفضول و حب المعرفة و الاستكشاف لديه .
ب- بث تعاليم اجتماعية و أخلاقية تنسجم مع العمق الحضاري لشخصية الطفل فضلا عن القيم الإنسانية السامية بطريقة فنية إيحائية بعيدا عن الوعظ و الإرشاد لتأهيل الطفل.
ت- تنمية الذوق و الحس الجمالي .
ث- تثقيف الطفل بمساعدته على فهم حقائق المحيط و العالم و الكون من حوله .
ج- التسلية و الترفيه عن النفس بإثارة المواقف المسلية و المضحكة ، حيث إن للضحك دورا بسيكولوجيا هاما جدا في تحقيق التوازن النفسي ، فشخصية المهرج التي كثيرا ما تتردد في مسرح الأطفال تعرفت عليها المجتمعات البشرية بصفة الفيلسوف .
المسألة الخامسة : تشير إلى بعض الخصوصيات الفنية التي يمكن للعرض المسرحي الموجه للأطفال مراعاتها ، و إن هذه الخصوصيات ليست قوانين و شروطا ثابتة ، فالمسرح إبداع و قانون الإبداع أن لا قانون له و في عالم الإبداع لا شيء ثابت ، إنما الثابت الوحيد هو المتغير كما يقول أدونيس ، و لأننا أمام حركية إبداعية تستند للمستوى الفكري و الشعوري للطفل أكثر من استجابتها للحركة الإبداعية في ذاتها باعتبارها تحررا و إعتاقا و إضافة و تجاوزا فإننا يمكن أن نسجل الملاحظتين التاليتين حول تلك الخصوصيات الفنية :
أ-عرض الأحداث بطريقة مشوقة و وفق حبكة بسيطة انطلاقا من العرض التمهيدي ثم السير وفق خط بياني تصاعدي يتميز بالتعقيد و تقدم فيه الأزمات إلى الذروة ، ثم ينزل الخط البياني إلى الحل ، و إن التحكم في هذه العملية من شأنه تحقيق التأثير و الإقناع العميق ، كل ذلك ضمن إطارية الإيهام سواء على المستوى الحبكة أو مستوى الأداء بقدرة الممثلين على تقمص الأدوار فالطفل يحتاج إلى تصديق ما يشاهده على الركح .
ب-استعمال الوسائط التعبيرية البسيطة و المناسبة كاللغة الدرامية الجميلة البعيدة عن التعابير السوقية المبتذلة من جهة و عن التعابير الصعبة المستغلقة من جهة أخرى ، كما يحسن استعمال الأغاني و الأناشيد المتفاعلة مع الأهداف و القيم التي ينشد بثها مع المراهنة على القدرات الجسدية للممثلين بالإضافة إلى الديكور التشخيصي الجذاب بالألوان و الإضاءة . و نؤكد في ختام هذه المقاربة على أن نجاح العرض المسرحي يتوقف على مدى قدرته على إثارة مشاعر اللذة و المتعة في الكيان الوجداني للطفل لأن المتعة هي الإطار العام الذي يمهد الطريق لتحقيق رسالة العرض و أهدافه .
قال غيري : ” أعطني مسرحا أعطيك شعبا عبقريا ” ، و قلت إن مسرح الطفل و نظرا لعظمة مسؤولية الخطاب فيه يتطلب مجهودا كبيرا إن على مستوى امتلاك أدوات التعبير الفني أو على مستوى تفهم الأعماق النفسية للطفل و هذه هي المسألة السادسة.
