تطور الأمة يبدأ بتطوّر لغتها

تطور الأمة يبدأ بتطوّر لغتها
0
(0)

 

إدراج الإنكليزية  في الابتدائي تمديد لتدريسِها فقط، أما تطور أي أمة فيبدأ بتطوير لغتها الأم ثم الانفتاح على لغات العالَم الأخرَى

 

عمار قواسمية أستاذ في اللغة الإنجليزية ومترجم حر ينحدر من مدينة الشريعة ولاية تبسة، له محتوى تعليمي مميز في ميدان الترجمة يقدمه عبر مواقع التواصل الإجتماعي. التقت به جريدة الوسيط المغاربي أين وضح لنا العديد من النقاط حول واقع إدراج اللغة الإنجليزية في الابتدائي وآفاقها، والعديد من النقاط الأخرى التي سنتعرف عليها في هذا الحوار . تابعوا معنا التفاصيل:

 

1_كيف تعرف بنفسك للقراء؟

أنا عمَّار قواسمية، من مواليد 1992 بالشريعة ولاية تبسة دولة الجزائر، أستاذ اللُّغَة الإنكليزية في العَديد مِنَ المدارس الخَاصَّة وافتِراضِيًّا عَبر الخَط خَاصَّةً في ظِل الظروف الراهنة التي فَرَضَتها جائحة كورونا. أعمل أيضا بصفة مترجِم حر وَمستَقِل مع العديد من الهيئات والجهات التي تحتاج خدمات الترجمة والتدقيق اللغوي، كما أتعامل مع الأفراد الذي يرغبون في ترجمة الكتب والمقالات وملخصات الدراسات والأبحاث. لا يقتصر تعاملي في مجال الترجمة على هذه الهيئات والجهات والأفراد، بل يتجاوزه إلى دور النشر التي ترغب في ترجمة بعض الكتب التي ترشحها لجان القراءة لديها، وكذا المنصات الالكترونية التي تتوسط بين العميل والمترجِم فتوفر فرص عمل كثيرة ومحترمة في أغلب الأحيان. أنشط أيضا في مواقع التواصل الاجتماعية خاصة فيسبوك ويوتيوب، حيث أُنتِج محتوَى تعليمي بشأن الترجمة واللغات في شكل منشورات مكتوبة أو فيديوهات مصممة بطريقة ماتعة وبسيطة.

 

2_ حدثنا عن بداياتك  في عالم الترجمة ؟ و ماهي الصعوبات و التحديات التي واجهتك في مسيرتك كمترجم ؟

✓ عادةً ما أُعَبِّر عن بداياتي في الترجمة بقولي هذا: “عِندَما سَقَطَت على رَأسي تُفَّاحَةٌ مِن شَجَرَة اللُّغَات، اكتَشَفتُ جَاذِبِيَّة التَّرجَمَة”، وهذا اقتباس من قصة نيوتن الشهيرة. وأقصد بقولي هذا أنَّ شغفي بالترجمة تَـوَلَّـدَ عَن شَغفي باللغات أوَّلًا، فقد أحبَبت الإنكليزية وَهِمتُ في العَرَبِيَّة، وقادَني هذا الحُب والهُيَام إلى سَبر أغوار التَّرجَمَة وَفَك شِفرَتِها وَالنَّهل مِنها لإدراك الاختلافات الثقافية بين اللغات وتباين الرُّؤَى لهذا العالَم.

✓ تواجه المترجِم أثناء عملية الترجمة صعوبات وتحديات: أما الصعوبات فتتعلق بعملية الترجمة وأما التحديات فبالمترجِم في حد ذاته. من الصعوبات نذكر: المصطلحات التي تختص بلغة دون أخرى، وَالاختلافات الأسلوبية بين اللغات، وطرائق التعبير، وخاصة الاختلافات الثقافية وغيرها… ومن التحديات نذكر: أيديولوجية المترجِم التي قد تتعارض مع مضامين النصوص والأفكار التي تمررها، وكذلك مساحة الحرية المسموحة في التصرف أثناء الترجمة وقدرة المترجِم على البقاء أمينا أثناء عملية النقل بكل مراحلها وغيرها…

 

3- المتابع لنشاطك –أستاذ عمار– في فيسبوك ويوتيوب يدرك مدى شغفك بالترجمة. حدثنا عن مكانتها في حياتك؟

✓ صَارَت التَّرجَمَة دَيدَني مُذ عَرَفت لَهفَ نَفسِي عَلَيهَا وَشَغَفَها بِها. فلا يَكاد يَمر يوم عَلَي دون أن أتَرجِم مِلَفًّا أو نَصًّا أو فٌقرَة أو جُملَة أو حَتَّى كَلِمَة! بكلمات أقَل وَأدَل التَّرجَمَة ضَرورية لِي ضَرورَة الهَواء. أمارسها وأقرأ عنها فلا أمَل ولا أكِل، وَلا أشبَع ولا أقنَع. أتَوَسَّلُ بِها وَأستَأنِس وَأقوَى بِها فَلا أستَيئِس.

✓ أما عن دَورِها في حياتي، فالترجمة نَظَمَتها وَنَظَّمَتها، الأولى مِنَ النَّظم بِمَعنى جَعَلَت حياتي قَصيدَةً مَنظومةً عَلَى أرقَى بحور الشِّعر، والثانية من التنظيم بِمَعنَى جَعَلَت حياتي مُنَظَّمَة وَمُرَتَّبَة تَهابُها الفَوضَى وَتَخشاها العشوائية. هَذَّبَت الترجمة لِسَانِي وَقَوَّمَت كَيَاني، فَما عُدت أحتَمِل الخَطَأ في الكِتابَة وَلا اللَّحن في النُّطق، وهذا لا يَعني أنني لا أخطئ ولا ألحَن بَل أنا طُوَيلِب عِلم مَاضٍ في جَادَّةٍ أرجُو أن تَكون لِلصَّوابِ هَادِيَة! عَلَّمَتني التَّرجَمَة أيضًا أن أحتَرِم الاختِلاف وَأَتَقَّبَلَه مَهَما بَدا غَريبًا أو عَارَضَ قَريبًا.

4- بصفتك مدرس اللغة الإنكليزية. ما الأساليب التي تتبعها لتدريس المبتدئين فيها؟ أقصد الراغبين في تعلمها خارج المناهج الأكاديمية.

✓ الكلمات الدلالية في سؤالك هي “الراغبين في تعلمها خارج المناهج الأكاديمية”، وهذه تعني أن طريقة التدريس تحددها الفئة المستهدفة؛ فما ستنتهجه مع فئة عمرية ناشئة يختلف تماما عن منهجيتك وأدواتك وطرائقك مع فئة عمرية أكبر.

✓ بالنسبة الراغبين في تعلم الإنكليزية خارج المناهج الأكاديمية، فإنني أسعى بادئ ذي بدء إلى تحديد احتياجاتهم. فمنهم من يرغب في التحدث والتواصل، ومنهم من يرغب في اكتساب مهارات الكتابة حسب ما تقتضيه وظيفته، ومنهم من يرغب في التحضير لمسابقة أو امتحان يتطلب مهارات لغوية بعينها كالقراءة والاستماع والكتابة والتحدث وغيرها، ومنهم من يرغب في تحسين نطقه ولكنته، ومنهم أيضا من يريد تعلم الإنكليزية المتخصصة في مجال عمله بكل مصطلحاتها وعباراتها ومراسلاتها وغيرها…

✓ وطبعًا تختلف الطريقة بحسب الحاجة التي يصرح بها المتعلم. فمن يرغب في تعلم التواصل باللغة الإنكليزية، نركز في تدريبه على حوارات أهل اللسان –وهم المتحدثون الأصليون باللغة الإنكليزية–، ومن يرغب في تحسين نطقه، نركز في تدريبه على مهارة الاستماع، ومن يرغب في تعلم الإنكليزية المتخصصة في مجال عمله، نركز في تدريبه على الوثائق والملفات والمعاملات المتعارف عليها في هذا المجال وهكذا… ولا نكتفي طبعا بطريقة واحدة، بل إننا نمزج بين هذه الطرائق لتكون النتيحة مُرضِيَة ومشجعة.

5- ماذا عن التدريس وفق مناهج وزارة التربية الوطنية؟

✓ في هذه الحال، الأستاذ مُقَيَّد بِبرنامَج وُمُرتَبِط بمواعيد ومُلتَزِم بتعليمات. رغم أن للإبداع مساحة يُمكِن أن يستغلها الأستاذ إلا أن عامل الوقت مهم جدا خاصة في ظل نظام التفويج وتقسيم الحصص.

✓ عن نفسي، أحاول أن ألتزم بالتعليمات مع إضافة لمستي الخاصة بين الفينة والأخرى لعلي أفلح في جعل العملية التربوية تعليمية من جِهة وماتعة من جهة أخرى.

✓ مع فئة عمرية أقل من 18 سنة، أحاول دائما أن أجعل التلاميذ يستعملون أكبَر عدد من الحواس؛ لأن أنظمتهم التعليمية تختلف ولا سبيل لإشراك كل الأنظمة إلا بالمزج والخلط والتغيير. إذا استعمل التلميذ ذاكرته التصويرية فلن ينسى الكلمات ولا الجمل، وكذلك الحال إن جعلته يعيش تجربة أثناء حفظ كلمة أو جملة. كل هذه الطرائق مجربة وناجعة ومن شأنها أن تجعَل مردود العملية التعليمية مُثمِرًا.

6- ما واقع تدريس الإنكليزية في البيئة التعليمية الجزائرية؟ أقصد التحديات والحلول والآفاق؟

✓ تَدريس الإنكليزية في الجزائر لا يختلف عن تدريس أي مادة أخرى فيها: له نقائص يجب الوقوف عندها وتحسينها، وله آفاق نرجو أن تحقق أهدافها المرجوة.

✓ وَعلى رأس التحديات “ممارسة” اللغة. نعم، اللغة لدينا تُلَقَّن فقط ولا تُمارَس. نحتاج في بلادنا إلى فسح المَجال أمام الأساتذة ليَضعوا تلاميذهم أمام وضعيات ومواقف حياتية حقيقية مُعاشة؛ لأنها ستَجعل المتعلمين يخوضون تجارب في تعلم اللغة لن تُنسَى على المدى القريب. ومن التحديات الأخرى تعقيد قواعد اللغة.في هذه الحال، وجب تبسيط القواعد والتركيز عليها بطريقة لا تجعلها أولوية الأولويات. وإن كان جُل تلاميذنا في الجزائر ممتازين في قواعد اللغة الإنكليزية إلا أن ضعفهم يتجلى لي النطق السليم واللكنة الطبيعية. وهذا تَحَدٍّ آخَر! يجب إيلاء اهتمام أكبر لتعليم النطق وتثبيت اللكنة لدى التلاميذ منذ سن مبكرة. ويتأتى هذا بإنشاء مخابر صوتيات يكون فيها التركيز على مهارة الاستماع لأهل اللسان ومحاكاة نطقهم ولكنتهم. من المستحسن أيضا أن يخلق الأستاذ وتلامذته بيئة تعليمية كل مظاهرها إنكليزية، فلا يسمحون بالتحدث بلغة أخرى غيرها ولا يكتبون بغيرها، وليشجعوا التواصل بينهم بالإنكليزية فقط حتى لو امتلأ تواصلهم أخطاءً، فهذه بداية الطريق نحو التصويب والتهذب والإتقان.

✓ أما آفاق تدريس الإنكليزية في بلادنا فنرجو أن تكون واعدة كما يسطر لها الخُبَراء والمختصون. ولا يكفي أن يكون التدريس فقط واعدًا، بل نرجو أن يساهم في تخريج كفاءات تعمل على النهوض بالبلاد وإلحاقها بالركب العالمي الذي تَخَلَّفنا عنهُ أشواطًا، ولكنه تخلف غَير دائم ولا حَتمي؛ فبالعمل الحثيث تنهض الأمم وبالجِد والصَّرامَة نَقلِب الألَم أمَلًا.

7- لا يخفى عنكم –أستاذ– أن حدث الساعة هو قرار وزارة التربية الوطنية بإدراج اللغة الإنكليزية في الطور الابتِدائي. ما تقييكم للقرار؟

✓ نُثَمِّن القَرار وَنَشد عَلَى الأيادي التي نَاشَدَت الجهات المعنية لترسيمه. ولا نملك إلا الرجاء بالفلاح والدعاء بالصلاح وبما يخدم البلاد والعباد.

8- هل سيساهم هذا القرار في التطوير المنشود للجزائر الجديدة؟

✓ في الحقيقة، الإنكليزية في الابتدائي تمديد لتدريسِها فقط، بِمَعنَى إضافة ثلاث سنوات إلى السبع التي كانت مُقَرَّرَة (أربع في المتوسطة وثلاث في الثانوية). ولا نَدري ما سيُسفِر عنه هذا التمديد. لكننا ندري أن لا علاقة لهذا القرار بالتطوير أو التطور في أي مجال إلا بتراكم عوامل أخرى.

✓ إن تطور أي أمة يبدأ بتطوير لغتها الأم ثم الانفتاح على لغات العالَم الأخرَى. صحيح أن الإنكليزية هي اللُّغَة الأشهَر في النَّشر العِلمِي، لكن ما مِن أُمَّة في المَعمُورَة تَطَوَّرَت بِتَخَلِّيهَا عَن لُغَتِها وَلِسانِها، إنَّمَا تَحَقَّقَ لَهَا التَّطوُّر وَالسَّبق بِتَعزيز لُغَتِها وَتَثبِيتِها مِن جِهَة والاستِفادَة مِنَ النِّتاج الفِكري وَالعِلمي وَالمَعرفي وَالتكنولوجي لِلأُمَم الأُخرَى مِن جِهَةٍ أُخرَى. عِندَمَا أدرَكَت اليَابَان أنَّ أُورُوبَّا سَبَقَت وَخُطواتها صَدَقَت، قَدَّمَت لِدور النَّشر وَمَراكِز البَحث أموالًا طائلة مِن أجلِ إنتاج نُسخَة مُتَرجَمَة إلى اللُّغَة اليابانية مِن كُل كِتاب عِلمِي أو دِراسَة أكاديمية أو وَرَقَة بَحثِيَّة تُصدِرها، فَاستَغَلَّ اليَابَانِيُّون هذه التَّرجَمَات لِتَحقيق ثَورَتِهِم العِلمِيَّة التي مَوضَعَتهُم اليَوم في مَصاف الكِبَار وَالرَّكب العالَمي وَالعِلمي.

✓ إذَن مِن أجلِ السَّير نَحوَ التَّطَوُّر المَنشود لِلجَزائر الجَديدَة،

وَجَب اتِّبَاع هذه الخُطوات:

  • تَعزيز استِعمال لُغَتِنا العَرَبِيَّة وَالذَّود عَنها.
  • إنشاء مَراكِز للتَّرجَمَة مِنَ العَرَبِيَّة وإليها.
  • تَرجَمَة شَتَّى مَجالَات العلُوم والاستِفادَة مِنها.
  • تَعَلُّم اللُّغَات الأجنَبِيَّة خَاصَّةً الصِّينِيَّة والإنكليزية والإسبانية، بِمَهارَتَي الكِتابَة وَالتَّحَدُّث.
  • الإنتاج الفِكري وَالعِلمي بِاللُّغَة العَرَبِيَّة.
  • 9- مباشرة بعد تصريح الرئيس تبون الذي أفاد بتدريس اللغة الإنكليزية في الطور الابتدائي بداية من هذا الموسم، شرعت مديريات التربية لكل الولايات باستقبال ملفات الأساتذة الراغبين في التعاقد ممن يحملون شهادات ليسانس في اللغة الإنكليزية أو الترجمة. ما التحديات التي ستواجه الأساتذة؟ وما دور لجان التكوين في تخطيها؟
  • ✓ نَرجو التوفيق والسداد للأساتذة الذين سيتعاقدون من أجل تدريس الإنكليزية في الطَّور الابتدائي، كما نرجو أن تولي الجهات الوصية أهمية قصوى لتكوينهم خاصة بشأن المنهاج الجديد ونفسية تلميذ تراكمت عليه المواد التعليمية.
  • ✓ أظن أيضا أن نسبة التعاقد ستكون مرتبطة بعدد الابتدائيات في بلديات كل الولاية إضافة إلى عدد طلبات التعاقد المستقبَلَة. وحسب الأصداء الأولية، فقد يُعَيَّن أُستاذ واحد لكل أربع أو خمس ابتدائيات! وهذا تَحَدٍّ آخَر لهُ من حيث التنقل والتعب الجسدي وما سيترتب عن تعامله مع أكثر من مدير مؤسسة وأكثر من مجموعة تلاميذ!
  • ✓ بالنسبة للبرنامج، أظن أنه سيكون مُخَفَّفًا إلى أقصَى الحدود مع وجود تشابه كبير مع الدروس المقررة لتلاميذ السنة أولى متوسط بحكم أنه أول احتكاك لهم مع اللغة الإنكليزية.
  • 10- كلمة أخيرة لقراء جريدة الوسيط المغاربي…
  • أشكركم –سيدتي الفاضلة– جزيل الشكر على هذه الفرصة الثمينة التي اتاحت لنا الخوض في أهم مواضيع الساحة التربوية والتعليمية في الجزائر. وأرجو أن يجد قراؤكم الفائدة في هذا الحوار، وأن يظلوا أوفياء لكم يطالعون ويطلعون وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *