رواية انسانزم سعد سعيد منشورات ضفاف/2017/
رواية انسانزم
سعد سعيد
بقلم رياض العلي/ العراق
منشورات ضفاف/2017/
كعادة الروائي العراقي سعد سعيد فإنه يقدم في هذا العمل سردا مختلفا، إنه يقتحم كل الأسوار ويحطم كل القيود التي كبلت السرد العراقي منذ عقود، والجميل في سرديات سعد أنها لا تكرر نفسها فكل رواية لا تشبه الأخرى ويقول في هذا الصدد :(أحرص على أن لا أكرر نفسي، فأنا ملول، ولا يمكنني أن أكرر تجربة خضتها ومنحتني الإشباع الذي توخيته منها، وحتى إن رغبت بأن أكتب عن موضوع سبق وأن كتبته، سأحرص على تناوله من زاوية أخرى لكي أجد الدافع اللازم لإعادة طرحه. ورغم هذا فأنا أؤمن أن سعة الرواية كفنٍّ إنسانيٍ تشمل الحياة كلها، فإن أردت أن أتحدث عن الحياة كما أفهمها انطلاقا من زاوية ووجهة نظر واحدة، فماذا عن مليارات الأشياء الأخرى)
يقول اروهان باموق إن محور الرواية هو رأي عميق، أو رؤية عن الحياة، نقطة راسخة عميقة من الغموض، سواء أكانت واقعية أم خيالية ورواية انسانزم فنتازيا واقعية اختار الكاتب حكاية غرائبية ليقدم من خلالها فكرته أو لنقل أسئلته التي يطرحها بهدوء وروية فبعض الأسئلة واضحة وبسيطة وبعضها الآخر مخفية ومعقدة..فمشاعر الإيمان والمجاز والكذب والخداع والنفاق وغيرها والتي نعدها من ضمن أحوال النفس البشرية الاعتيادية هي ليست كذلك بالنسبة لمن ينظر إلى هذه النفس من فوق.
يقول سعد سعيد في حوار معه :(لا يمكن للرواية أن تصل إلى غاياتها كاملة بلا رسائل مضمرة تفترش كل مساحة النص.. هذا أولا، وأما ثانيا فأنا أؤمن بأنه ليس من واجب الرواية أن تبحث عن أجوبة، فذلك واجب أولي الاختصاص من سياسيين واقتصادين وعلماء نفس واجتماع وغيرهم.. واجب الرواية الأول والأساس هو إثارة الأسئلة التي تجعل قارئها يبحث عن الأجوبة بنفسه وتعطيه الدفع المعنوي اللازم لفعل ذلك.)
ومما لاشك فيه أن الكاتب استفاد من بعض الحكايات الكلاسيكية كقصة حي بن يقظان بنسخة ابن طفيل وهي الأشهر وكذلك حكاية روبنسون كروزو التي كتبها دانيال دوفو وخاصة في جزئية شخصية (جمعة) أو رواية ( جمعة والحياة البرية ) للفرنسي ميشيل تورنييه وغيرها من الأعمال التي تناولت هذا الموضوع…ومما لاشك فيه أن الكاتب كان على اطلاع بالمقولات الفلسفية المتعلقة بحرية الإنسان ونظريات المعرفة والتعلم وأيضا المقدمات العلمية فيما يتعلق بموضوع الرواية وهذا يحسب للكاتب .
وكما يقول كونديرا في كتابه (فن الرواية) فأن كل الروايات في كل عصر تهتم بـ لغز النفس البشرية ،لذا فأن انسانزم تقدم هذا الاهتمام بشكل واضح وجلي..وهل يوجد أكثر لغزا في النفس البشرية من تلك الحماقة الكبيرة التي نسميها (حرب)…
من ناحية الشكل والقالب السردي فأن الكاتب استخدم طريقة المقاطع القصيرة عبر تتابع خيطي كالمشاهد السينمائية مما جعل القارئ يبقى يتابع هذه اللقطات لمعرفة ما يحدث بعد ذلك..وهذه الطريقة استخدمت في روايات عالمية كأعمال ستيفن كينغ أو دان بروان وأثبتت نجاحها في جذب القارئ وشده الى الرواية .
وكذلك اختار الكاتب أن يقدم رواية داخل الرواية…
اذن نحن امام روايتين والرواية الداخلية الاخرى لاتمت بأي صلة للرواية الاصلية الا ببعض الإشارات من بعض الشخصيات للتساؤل عنها…
في الرواية الاصلية استخدم الكاتب تقنية الراوي العليم،لكنه لن يكن عليما فقط بل كان عليما ويتحدث الى القارئ في بعض الأحيان ويقدم في احيان اخرى وجهة نظره بطريقة الميتاسرد بينما في الرواية الداخلية استخدم الكاتب شخصية غامضة لم يعرفها لنا لتحكي تلك الأحداث الدموية عن الحرب..
وخيرا فعل الكاتب حينما جعل فصول كلا من الروايتين تتعاقبان فيما بينهما وليس كما فعل صموئيل شمعون في روايته ( عراقي في باريس) حينما جعل الرواية الثانية كملحق فأفقد القارئ متعة التتابع والتشويق وبعض القراء أحجموا عن قراءة الرواية الملحق وانا منهم.
في الرواية الاصلية أكثر الكاتب من الحوار كأنه يقدم سيناريو فيلم سينمائي بدون أن يربك القارئ في الوصف بل يمكن لنا القول ان هذا القسم من الرواية يكاد يخلو من أي وصف لأن الكاتب لم يجد الوقت لذلك بالأحداث السريعة لا تحتمل ذلك…وهو بذلك أمين على الطريقة المعاصرة في السرد التي لا تحتفي بالوصف وتترك الشخصيات والأحداث تأخذ كل مساحات السرد بدون منافس…
وكذلك فأن الكاتب لم يحفل بالمكان فيكفي ان نعرف ان مكان السرد العام هو بغداد وكفى لأن الرواية هي رواية احداث وكذلك فأن الزمن هو بعد 2003 …
الرواية الداخلية هي اللغز الذي أشرك الكاتب قارئه في البحث والحفر للوصول الى حله وخيراً فعل الكاتب حينما ترك الكثير للقارئ كي يبني معماريته وأن يبحث ويفكر معه فلو قدم الكاتب كل الاجابات فهو بذلك يخاطب القارئ الكسول ….واعتقد ان كل روايات سعد سعيد تنحو هذا المنحى
في إشراك القارئ وجعله جزء مهم من أجزاء الرواية.
في الرواية الداخلية يعثر القارئ على سرد واقعي بدون أي فنتازيا…واقعية الحرب التي يشنها الإنسان ضد أخيه الإنسان لأسباب شتى…لكن هل تستحق هذه الأسباب كل هذا القتل والموت ؟ هل أن من يقتل يستحق أن نطلق عليه إنسان؟ الحرب أقذر اختراع بشري لأنه اختراع بلا معنى..(آه يا للحرب من اختراع قذر…يخوضها الرجال ولكن أبرز ضحاياها هم الأمهات والأطفال). الإنسان أذكى من القرد بلا شك… لكن هل أن الإنسان أكثر (إنسانية ) من القرد؟ لو امتلكت تلك الكائنات وعياً من نوع ما وهي تملكه بالفعل ماذا يكون رد فعلها وهي ترى هذا الإنسان أكثر وحشية من أشد الحيوانات فتكاً… لو قرأنا الفصل المعنون ( عزرائيل سريالياً) بشكل منفرد عن الرواية سنكون أمام بشاعة الموت مباشرة فلايكفي أن نموت فقط بل لابد من تفنن في هذا الموت وبشكل سريالي…لكن مادخل عزرائيل بطريقة الموت؟ بينما في الفصل المعنون (أسرى حرب) فأن الكاتب يقدم أروع الفصول السردية التي يمكن للقارئ أن يطلع عليها في الرواية العراقية المعاصرة وأنا واثق من أن الكاتب شعر بألم بالغ وهو ينهي هذا الفصل الدراماتيكي والمفعم بالتداعيات والذكريات والمشاهد الوحشية التي تبين قدرة الإنسان على أن يتحول إلى مجرد آلة للقتل والتنكيل… لكن من كتب هذه الرواية الداخلية؟ هل أن هذا القرد (تيمو) كتبها من خلال الإيحاء عن بعد؟ أو ثمة تناسخ للأرواح كما يرى أحدهم ؟ هل يستطيع قرد زرع في دماغه رقاقات نانو أن يكتب رواية بهذا العمق؟ الرواية ببساطة هي عن دكتور عراقي يقرر أن يحول قرد شمبانزي إلى إنسان…فماذا يحدث بعد ذلك؟ ويحق لي أن أسأل الكاتب…هل أن القرد الذي ذهب إلى الولايات المتحدة هو تيمو نفسه ؟وهل أن خطة نائل تقتضي بإبعاد تيمو إلى مكان آخر وجلب قرد آخر إلى المؤسسة ليأخذه هذا الأمريكي القادم لهذا الغرض؟ لأن الاستهلال يقول إن تيمو مازال موجود..ا. اقتباسات (يؤمن الكثيرون بأننا من نصنع أقدارنا ولكن هذا ليس صحيحا دائما ،فكم من مرة شاءت الصدفة…الصدفة المحضة أن تكون هي من تصنع هذه الاقدار)… (متى كان مصير الفرد يهم الإله وما كنا إلا أفراد بالنسبه اليه لأنه لا يعتمد التصنيف العائلي بكل تأكيد)
رياض العلي/ العراق
