الحضارة والإلحاد
بقلم: كه يلان محمد سالار
الشقُ المعنوي في الحضارة وهو يتمثل بالثقافة والتطور الفكري والازدهار المعرفي، يحظى باهتمام الدارسين أكثر من الجانب المادي، ومردُ ذلك إلى أن العنصر الفكري يحافظ على راهنيته، ويبرز الهوية الحضارية، وهذا لا يعني الانتقاص من الجانب المادي، غير أنَّ ما يحدو الباحث للتركيز على ما تقدمه الحضارة على المستوى الفكري، أن التحولات التي تشهدها الحضارةُ في مراحل لاحقة، حيثُ يحتدم الصراع بين التيارات والاتجاهات المُختلفة ما هو إلا تمثلات للجانب الفكري، وهو بدوره لا ينفصل عن الأسس المادية.
ما مرت به الحضارة الإسلامية من تطورات على الصعيد الفكري ونشوء فرق ومذاهب متنوعة في ظلها، بفعل اتساع رقعتها الجغرافية وتغذيتها بروافد يونانية وفارسية وسريانية، يعدُ مثالاً واضحاً على النضج الحضاري، إذ توسعَت حلقات النقاش لمذاهب مختلفة وتيارات فكرية متباينة، كل تيار يستمدُ قوته ممن يخالفه في الرأي حول المعطيات الدينية والدنيوية.
في مثل هذا المناخ المتموج بجدالات ونقاشات ساخنة، من الطبيعي أن تشغل أصوات منتقدة للدين ومبادئه موقعاً ضمن هذا المسار التصاعدي، وتثير ردود الفعل لدى أتباع الدين الإسلامي، إذ هناك من يفسرُ ظهور هذا الاتجاه الإلحادي، وفقاً لحالة التعصب الشعبوي لأن أغلب المنضمين إلى هذا التيار هم من غير العرب، فأرادوا مهاجمة الإسلام من وراء القناع الإلحادي، لكن الفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي لا يكتفي بهذا الرأي بل يحاول في كتابه «من تأريخ الإلحاد في الإسلام» الصادر من المركز الأكاديمي للأبحاث 2016 تقديم رؤية مستندة إلى نظام تطور الحضارة، حيثُ يعتقدُ صاحب «الإنسانية والوجودية» أن الإسلام توج كل الأديان، إذ أعطى أكمل صورة للدين، من هنا تصبح البيئة مواتيةً لظهور اتجاهات مُناقضة لمفاهيم دينية، وتميلُ إلى ترجيح التفسيرات العقلية، لذلك يرى عبدالرحمن بدوي أن ظاهرة الزندقة كان لها تأثير كبير على تكوين التيار المعتزلي، الذي عرفَ بشقه لمسلك جديد في قراءة النصوص وتأويله لجملة من قضايا عقائدية.
يتناول البدوي في مقدمة مؤلفه طبيعة الحضارات على ضوء آراء الدارسين، منهم كارل هينرش بكر وشبلنجر، فالأول يقولُ بأن الشعوب مهما كانت مختلفة من الناحية الجغرافية والجنسية فذلك لا يمنع من تكوين أسس حضارية واحدة لأن عامل الجغرافيا والجنس لا يلعبان دوراً حاسماً في بناء الحضارات استناداً إلى هذا التصور. يرى بكر أنه لا يوجد ما يميز الحضارة العربية عن غيرها، ومن ثُمَّ يعرض مؤلف «الشخصيات القلقة في الإسلام» أطروحة شبلنجر، فالأخير يعتقدُ أن الحضارات مستقلة بنفسها، معتبراً أن الحضارة العربية قائمة بذاتها، إذ يوازن الكاتب بين رأيين، ورغم تأييده لفرضية شبلنجرغير أن عبدالرحمن البدوي لا يؤمن بحضارات متقوقعة، بل تتفاعل كل حضارة مع غيرها وتختارُ منها ما يتلاءم مع روحها، كما أن أن الأشياء التي تأخذها لا تبقى كما هي، بل تحولها إلى جزء من بنيتها وهويتها. يضرب مثلا بتأثر الحضارة اليونانية بالحضارة الفرعونية وتبديلها لما استعارت منها مثالاً لآليات العلاقة بين الحضارات.
وبعد ذلك ينتقل إلى محور آخر وهو تحديد خصائص الحضارة العربية، قبل أن يفصل في الحديث عن لفظ (الزندقة) ورموز الإلحاد في العصر العباسي، كما يفرق الفيلسوف المصري بين مفهوم الإلحاد في الغرب والشرق وما يجمع بينهما أيضاً، الإلحاد في الحضارة العربية يتجه إلى إنكار النبوة، فيما الملحدون في الحضارات الأخرى تناولت طروحاتهم فكرة الألوهية. هكذا يربط الكاتب بين موضوع الإلحاد وخلفيات حضارية. الأكثر من ذلك يذكرُ البدوي العامل السياسي وراء الترويج لمن عرفوا بالزنادقة، وما يشمل عليه هذا المصطلح، إذ أطلق أيضاً على أتباع المانوية والمؤمنين بأزلية الصراع بين النور والظلام، وكل صاحب بدعة، وصل الأمر بأن تم إشهار لفظ الزندقة ضد كل من يتبعُ مذهباً غير مذهب الدولة، لذلك يشن الخليفة المهدي في سنة 163حملةً ضد الزنادقة، ومن ثُم يصنف فئة الملحدين في ثلاثة أصناف، الأولى هم من آمنوا بعقيدة المانوية والمتمسكين بتعاليمها. بالمقابل الفئة الثانية اتخذت من المانوية وسيلة لبعث النعرة القومية، ويأتي الشعراء ضمن الفئة الثالثة من الزنادقة، حيث يذكرُ مؤلف «دفاع عن القرآن» بشار بن برد وأبا نواس، لافتا إلى أن الدافع لدى هؤلاء هو حب العبث ورفض التقيد بتقاليد دينية صارمة، كما يشيرُ في هذا السياق إلى المتكلمين على رأسهم عبدالكريم بن أبي العوجاء وأبو عيسى الوراق فالأخير كان مُعتزلياً وأستاذاً لابن الرواندي، وكل ذلك يكون مدخلاً للحديث عن ثلاث شخصيات مثيرة للجدل، حتى الآن. كما اهتم بها المستشرقون، لأنَّ هؤلاء الثلاثة (ابن المقفع، ابن الراوندي، أبو بكر الرازي) يمثلون الاتجاه الإلحادي كما أن لكل واحد منهم له خصوصية في الأسلوب. إذ يتميز ابنُ المقفع بسعة ثقافته ولغته السلسة وابتعاده عن صيغ تعبيرية مستهلكة، أما ما يلفتك في شخصية ابن الراوندي فهو تطوره الفكري وتنقلاته بين اتجاهات متعددة، كما أن سوداوية أبي بكر الرازي وإعلاءه لشأن العقل صار سمة أساسية لشخصية صاحب كتاب «الطب الروحاني». يُذكر أن كل ما وصلنا من ابن الراوندي هو ما ورد في ردود خصمه، لاسيما ردُ المؤيد في الدين هبة الله في كتابه «المجالس المؤيدية» فالأخير يروم نقض أفكار الراوندي، إذ يتوقف عند كل ما يشكك فيه مؤلف «فضيحة المعتزلة» زدْ على ذلك أن عبدالرحمن بدوي يفصل في الحديث عن شخصية بروزيه هل هو فعلاً شخصية حقيقية أم اتخذها ابنُ المقفع قناعاً لانتقاد الأديان، ثم يعرضُ في هذا الصدد آراء المستشرقين حول مترجم «كليلة ودمنة» والباب المسمى في هذا الكتاب بـ»باب بروزيه»، لكن يبدو أن ابن الراوندي أكثر حدة في أسلوبه، كما لا تخلو تعابيره من الاستفزاز، بينما طروحات الرازي نابعة من قناعات راسخة، دون أن تكون هناك أغراض قومية أو شعبوية وراء انتقاداته للدين، رغم إباحة دماء عدد كبير من المفكرين والمتصوفة بتهمة المروق والزندقة، لكن ما تفهمه من كتاب «من تأريخ الإلحاد في الإسلام» أن الحضارة الإسلامية كانت منفتحة على كل الاتجاهات والتيارات الفكرية، كما استوعبت هذه الحضارة المبنية على عقيدة دينية جديدة ما وصلت إليه الحضارات السابقة من إنجازات فكرية في منصهرها، ما جعل الحضارة العربية منفتحة وذات ملامح خاصة في آن واحد.
