د. عبد العالي غزالي/ جامعة تلمسان/ الجزائر
كان الزِيَّانيونَ عَلى دَرجةٍ كبيرةٍ من الكَفاءَة العَمليَة، التي أَهلتْهُم إلى تَصنِيع آلاتٍ مختَلفَة مُتقنَة وَمُتطورَة في عَصرِهِم، وَصَفتْها الاسْطُوغْرافيَا التَاريخيَة أَحياناً (بالعَجيبَة) وأُخرَى (بالدَّقيقَة) وأُخرى (بالفَائِقة)، فَالحاجَة وَليدَةُ الاخْتِرَاع في تِلمسَان الزِيَّانيَة، كَما هُو الحَال عَليْه عَلى عَهدِ “أبي حمُو الثَّاني” سَنةَ (767هـ/1366م) الِّذي اعْتَنى بالصِّناعَة أيما اعتِناء، وَيُقدِر أَصحابهَا ويُشجِعَهم عَلى احْتِرافِهَا، بَل وَضَعَهم في فِئَة اجتِماعِية تَلي مَرتبَة الأشْراف والفُقهاء مُباشَرة.
ظَهرَ في تِلمسَان أَيام الدَولة الزِيَّانيَة مَنطقَة صِناعِية خَاصَّة تجمَعت فِيهَا مختَلفُ الصِّناعَات دَاخل المدِينَة، وهي بمثَابَة المدُن الصِّناعِية التي نَعرفُها اليَوم، عرفَتْ هَذه المنْطَقَة باسم (دَارُ الصَّنْعَةِ)، وكَانَت وَاضِحة للمُؤرخِين دَاخلَ الدَولَة الزِيَّانية، فَوصفَها “يحيى بن خَلدُون” قائلاً :«سِوى أَنَّ دَارُ الصَّنعةِ السَّعيدَة تموجُ بالفِعلَة، عَلى اخْتِلافِ أَصنَافِهم وتَبَايُن لغَاتِهم وأَديانِهم، فَمَن دَرَّاق ورَمَّاح ودَرَّاع ولَـجَّام ووَشَّاء وسَرَّاج وخَبَّاء ونَـجَّار وحَدَّاد وصائِغ ودَبَّاج وغير ذلك، فَتَستُكُّ لأصَواتِهم وآلاتِهِم الأسْمَاع، وتحَارُ في إحْكَام صَنَائِعِهمْ الأذْهَان».
امْتَلكَت تِلِمْسَان الزِيَّانيَة كُلَّ مُقَوماتِ التَّفوُق الصِّناعِي في مختَلفِ المجالاتِ، استنَاداً لما أَتَت عَليْه المصَادر مِنْ وَصفٍ لمصَانعِها، فعَلى غِرار صَاحِب بُغية الرُّواد؛ هَاهُو “بن الحاج النُميْري” يَقولُ عَنها: «وَمصَانِع يَعجِز عَن وَصفِها كُلَّ لِسان»، ويُؤكِد عَلى ذَلكَ “المقري” فِي قَولِه: «وَبهَا لِلْمُلْك قُصُور زَاهِرات اشْتَمَلَت عَلَى المصَانِع الفَائِقَة»، وبِذَلكَ تَكُون تِلمسَان اُشْتِهَرَتْ بِأَسْمَكِ مَصَانِعَهَا فِي مَوادٍ كثيرةٍ، كَصنَاعَة السُّفُن والنَّسيجِ واستِخْرَاج المعَادِن ومَوادِ البِنَاء وغيرُ ذلك.
جاء مصطلح المنْجانَة في التعريف اللغوي: مِنْقَانَة أو مِنْجَانَةُ أو مِنْكَلَةُ (mangana) وهِيَ آلَةُ-ساعَة- تُعرفُ بِها الأوْقَات اللَيْلِيَة، ذاتُ شَكلٍ هَندَسِي غَرِيب، وُجِدَت بمشْوَر تِلِمسَان اسْتَعمَلَهَا “أبو حمو الثاني” كَرَمز احتِفَال بِلَيْلَة الموْلِد النَّبَوِي، سَمَاها “علي باشا مُبارَك” (بالسَّاعَة الدَّقَاقَةِ)، وَقدْ انْفَرَدَ “القلقشندي” في صُبح الأعْشَى بِتَسْمِيَتِها بالـ«البَجَّانَة»، وَهِيَ مِن المظاهِر الطقُوسِيَة الموْسِمِيَة التِي تُمَارِسُ بانتِظام فِي البِلاط الزِيَّانِي مُنْذُ سَنَة (760هـ/1359م)، ثُمَّ بَقِيَت هَذه العَادة حاضِرَة فِي مخيّلَة بَنِي زِيَّان مُتَوارَثة بِشَكْلٍ رَسمِي.
تُعَدُّ آلَةُ المنْجَانَة الاحْتِفَالِية شَكلاً مِن أَشْكَال النَّشَاط الفِكْرِي والإنْسَانِي، والهدَفُ مِنْهَا الفُرْجَـة والمتْعَة وإرْضَاء الذَّات فِي حَضرَةِ السلطَان الزِيَّاني، ولها دَلالَة نَفسِيَة مِن خِلال الوِحدَة النَغَمِيَة التي تُصدُِرهَا، وهي الاسْتِمتَاع بالنَّغَمَات والحرَكَات الصَادِرَة مِنْهَا، والتي تَبعثُ رسَائِل رُوحِية بتَوظيفَهَا كسَمَّاعَات رَمزِيَة تَدُقُّ كُلَّمَا مَرَت سَاعَة مِنَ اللَيْل، حَيثُ كانَت تُؤدِي حَركَاتٍ عَجِيبَةٍ عِندَ مُضَي كُلَّ سَاعَة مِنَ لَيْلَة الاحْتِفَال.
وكَانَ سَلاَطِين بَني زِيَّان يَسْتَمْتِعُون بهَا وَصَارَت تُشَكِل عَادَة مُستحَبَة في قَصرِ المشْوَر، وَهَذا مَا يَدُل علَى تَطوُر صِنَاعَة الآلاَت الميكَانِكِيَة، بأَشكَال هَنْدَسيَة مُثِيرَة لِلإعْجَابِ في تِلِمْسَان، ويَبْدُو أَنَّ حَدَثُ المنْجَانَة هَذا الذِي زَيَّنَ قَصْرَ الزِيَّانيين؛ كانَ مِن صُنعِ عَالِم البِلاَط “أَبي الحسَنْ عَلي بن أحمدْ المعْرُوف بابْنِ الفَحَام”، كما نجِد أَثَر هَذِه السَّاعة الغَريبَة في اهْتِمَامَات “بن الخَطيب لِسَان الدِين” عِنْدمَا يَصِفُهَا مُبرِزاً خُصُوصِيَتِها قَائلاً:
تَـأَمَـلْ الـرَّمْلَ فـيِ المِنـْجَانِ مُـنْقَـطِعَا يَجْـرِي وَقَـدْ رَدَّ عُمْراًّ مِنـْكَ مُنْتَهِـيَـا
وَاللهِ لَو كَـانَ وَادِي الـرَّمْـلِ يُـنْـجِـدُهُ مَـا طَـالَ كَـامِلُـهُ إِلاَّ وَقـَـدْ ذَهَــبَــا
يَتفقُ كلاَ المؤرِخان “التنسي” و”يحيى ابن خلدون” في وصف وَظيفَة هَذه السَّاعة في قِياس الزَّمن وشَكلَها الهنْدَسي المحكَم الصَّنعَة، وهي مِن المظاهِر الطُقُوسيَة الموْسِميَة التي تمارسُ بانتِظام في البِلاط الزيَّاني مُنذُ سنَة (760هـ/1359م)، ثُمَّ بقِيت هَذه العَادَة حَاضِرة في مخيِّلَة بني زِيَّان مُتَوارَثَة بِشَكل رَسْمِي.
إذ يَقُول “يحيى ابن خلدون” في هَذَا الصَدَد: «وخزَانَةُ المنْجَانَة ذاتُ تماثِيل اللُّجَيْن المحْكَمَة قَائِمَة المصْنَع تجَاهه، بِأَعلاهَا أَيْكَة (الشجر الكثير الملتف) تحْمِل طائِراً فَرخَاهُ تحْتَ جنَاحيْه، ويخاتِلُه فِيهِما أَرقَم خارِج مِن كوَّة بجذْرِ الأيْكَة صُعُداً، وبصدرها ِأبواب مُوجِفة عَدَد ساعَات اللَّيل الزَّمَانية، ودُوَيْنَ رأس الخزانة قمرٌ أَكمَل يَسِير عَلى خَط استواءِ سَيرِ نظيرهِ في الفُلكِ، ويسامِت أوَّل كُلَّ سَاعَة بابِهَا المرتجُّ، فينقضّ من البابين الكبيرين عُقابان، في كل واحد منهما صنجة (هو الذي يكون في الدُّفوف وغيره) صفر يلقيها إلى طَّسْت من الصُّفر مجوف، بوسطه ثقب يفضي بها إلى داخل الخزانة فيرنّ، وينهش الأرقم أحد الفرخيْن فيصفر له أبوه، فهنالك يفتح باب الساعة الراهنة وتبرز منه جارية محتزمة كأظرف ما أنت راء، بيمناها إذ بارة فيها اسم ساعتها منظوما، ويسراها موضوعة على فيها كالمبايعة بالخلافة لأمير المسلمين أيده الله تعالى، حِيَل أحكمت يد الهندسة وَضعَها وراض تدبير الخلافة أعلى الله مقامه شماسها».
يظهر مما تقدم من نظم ساعة “أبي حمو الثاني”؛ أنَّ القَوْمَ كانوا يستعملون في ضبط الزمن الساعات الغروبية، أي تقدير مبدأ الزمن بساعات الغروب لا بالزوال، وهي طريقة المشارقة ومبدأها من غروب الشمس، فالزمن عند الغروب يعتبر صفرا ثم يأخذ في التزايد إلى هلم جرا، ”ارتفاعها في الهواء خمسون ذراعا، ينزل عند انقضاء كل ساعة صنجة وزنها مائة درهم، يتحرك بنزولها أجراس يسمع وقعها من بعد وتسمى عندهم المنجانة”.
كما يصف هذه الساعة العجيبة المستعملة في ميقات الليل ”بن عبد المنان” في قوله:
وَآلَـةٍ لِلْمَـوَاقِـتِ اسْـتَـقَـلَّ بِـهَا صُـنْعٌ تَفُوتُ الـنُّـهَى لُطْـفاً صَنَائِـعَـهُ
أَبْيَاتُهَا عَـدُّ أَبْـرَاجِ الـسَّـمَاءِ وَلاَ قُـطْـبٌ وَلاَ فَـلَكٌ تُـدْرَى مَـوَاضِـعَـهُ
يـَجْـرِي الـهِلاَلُ عَلَـيْهَا جَرْيـاً أَبَـداً عَلَـى الـمَـنَـازِلِ صُـنْعٌ فَــاقَ بَارِعَهُ
وَفِـي الـبُـيُـوتِ جِوَارٍ كُـلِّ وَاحِـدَةٍ مِـنْـهُنَّ خُصَّتْ بِـمِيـقَاتِ تُـطَالِعُـهُ
لاشك ”ساعة المنجانة” كانت ابداعيا علميا ميكانكيا نابعا من الواقع الفكري الخاص بمنطقة تلمسان وثقافة أهلها؛ وهي تمثل ذلك الاختراع العجيب الذي أبدع فيه المهندس التلمساني ”ابن الفحام” في القرن الرابع عشر ميلادي.