نحن وذاكرة الأيام
حجم الخط:
يرافقني شجن هادئ يعزف في أعماقي لحن حنين بأوتار قلمي . ثم يناديني قلبي لأخط ما تركته فيّ هذه الأيام من ذاكرة تخترق الروح و لا تمحى أبدا .
كلُّ يومٍ يمرّ يترك توقيعه الخفي في صفحات أرواحنا. وكلُّ سنةٍ تعبر بنا تنحت ملامحها في جدار العمر، وكلُّ لحظةٍ تنقضي تودع شيئًا منها في خزائن الذاكرة، حيث يتحول الزمن إلى خبرة، والحكاية إلى حكمة، والتجربة إلى جزء من تكويننا العميق.
فنحن أبناء الأمس، لكننا لسنا أسرى له؛ نحمل ما مضى في داخلنا لا كما كان، وإنما كما فهمناه بعد أن مرّ عبر مصفاة الوعي والنضج. وما نعيشه اليوم ليس سوى فصل جديد من حكاية الإنسان مع ذاته، فصلٌ تتغير فيه نظرتنا إلى الأشياء كلما تعلمنا، وأحببنا، وخسرنا، واكتشفنا معنى جديدًا للحياة.
تترك الذاكرة فينا وجوهًا لا تُنسى، وأسماءً عبرت طرقات أرواحنا، وأصواتًا ما زالت تسكننا رغم غياب أصحابها. وقد تكون كلمة قيلت لنا منذ سنوات هي نفسها التي تمنحنا القوة في لحظة ضعف، وقد يكون موقف صغير مرّ بنا ذات يوم قد غيّر شيئًا كبيرًا في شخصياتنا.
أتذكر، مثلًا، كيف يمكن لكتاب أو معرض أو لقاء ثقافي أن يتحول من مجرد محطة عابرة إلى ذكرى ترافق الإنسان سنوات طويلة. بالنسبة إليّ، كانت علاقتي بالكتاب منذ سنوات الدراسة مرتبطة بوالدي الذي كان يشجعني على القراءة والكتابة، ويأخذني إلى معارض الكتب. لم أكن أدرك آنذاك أن تلك اللحظات البسيطة كانت تزرع في داخلي شيئًا سيكبر معي، حتى أصبحت الكتابة والترجمة والشعر جزءًا أساسيًا من رحلتي.
وفي مرحلة أخرى من حياتي، حين صدرت مجموعتي الشعرية الأولى، شعرت أن سنوات طويلة من الكتابة والانتظار والتجارب قد اجتمعت في لحظة واحدة. لم يكن الكتاب مجرد صفحات مطبوعة، وإنما كان ذاكرة لامرأة عاشت مراحل مختلفة، وتعلمت من نجاحاتها وإخفاقاتها، وحولت مشاعرها وأسئلتها إلى كلمات. عندها أدركت أن بعض الأحلام لا تضيع حين تتأخر، وإنما تحتاج إلى وقت كي تنضج. ثم واصلت درب الكتابة التي تعكس خلجات وجداني و اعماق ذاتي و فكري . و ما دامت الأحاسيس تتدفق كشلال منهمر ، فإن الكتابة أيضا عطاء لا ينضب ، تنهمر كسيل جارف من أعماق الذات و القلب . و هذا ما أعيشه فعليا…
فالمشاعر الصادقة هي ميزان الذاكرة، والعقل الواعي يميز بين ما يستحق البقاء وما آن أوانه للرحيل. ما كان نبيلاً يبقى، وما كان صادقًا يظل مضيئًا في أعماقنا، أما بعض الأشخاص والمواقف، فحتى حين يغادرون حياتنا، يتركون درسًا لا يزول.
إن الذاكرة ليست مستودعًا للماضي فحسب بل مدرسة نتعلم فيها كيف نفهم أنفسنا. نعود أحيانًا إلى بعض المحطات لا بحثًا عن الندم، وإنما عن المعنى. نستعيد ما مضى كي نفهمه، لا كي نسكنه من جديد.
و هكذا نمضي داخل قاطرة العمر كما تمضي عقارب الساعة. لا نملك إيقاف الرحلة، لكننا نملك أن نفهمها، وأن نمنح كل محطة معناها. وقد لا نستطيع اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع اختيار الطريقة التي نواجه بها ما يحدث. نحن لا نكبر بالسنوات وحدها، وإنما بما نتعلمه منها. نقرأ ذواتنا في مرآة التجارب، نراجع اختياراتنا، نكتشف أخطاءنا، ونحفظ دروس الطريق. والنضج ليس أن نصل إلى نهاية الأسئلة، بل أن نصبح أكثر قدرة على حملها بوعي وطمأنينة.
لكل إنسان دربه الخاص وفصوله التي لا تشبه فصول الآخرين. وعند نهاية عام أو بداية مرحلة جديدة، نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا: ماذا أنجزنا؟ ماذا فقدنا؟ ماذا تعلمنا؟ وما الإنسان الذي نريد أن نصبحه؟
إن الوعي هو البذرة الأولى لكل تحول، والتفكير الإيجابي هو الضوء الذي يساعدنا على رؤية الممكن حين تبدو بعض الطرق مغلقة. وحين نؤمن بقدرتنا على التغيير، نستطيع أن نحول عثراتنا إلى درجات، وأحلامنا إلى خطوات، وتجاربنا إلى قوة تدفعنا إلى الأمام.
وفي النهاية، ليست قيمة الحياة فيما نملكه فقط، ولا فيما ننجزه أمام الآخرين، وإنما فيما نصبح عليه من الداخل. فكل تجربة، وكل لقاء، وكل فقد، وكل نجاح، يترك أثرًا في تكويننا، حتى إن لم ندرك ذلك في لحظته.
أرى أن الحياة مسرح واسع نقف فوق خشبته، نؤدي أدوارنا بما نحمله من ضعف وقوة، وخوف ورجاء، وانكسار ونهوض. وقد تتغير المشاهد والشخصيات، لكن الإنسان يظل يحمل معه صدى رحلته. لذلك، حين ننظر إلى الماضي، فلننظر إليه بعين الامتنان لا بعين الندم؛ ولنأخذ منه ما يجعلنا أكثر حكمة، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على مواصلة الطريق.
فما مضى أصبح ذاكرة، وما نعيشه الآن يصنع الحكاية، وما سيأتي ينتظر منا أن نكتبه بوعي. وسيظل كل شيء منقوشا في أعماقنا، في أرواحنا، وفي تلك الصفحات الخفية التي لا يقرأها إلا الزمن.
بقلم
الكاتبة التونسية إيمان داود
الجمهورية التونسية
شهادة النشر والتوثيق الأدبي المعتمدة
هذا العمل منشور وموثق رسمياً في مجلة إمزاد الثقافية ويحمل رمز تحقق رقمي فريد.