ميتافيزيقا المونديال الكروي

ميتافيزيقا المونديال الكروي
5
(1)

بقلم قاسم المحبشي

 

ما الذي بقي ى من لعبة المونديال ومنافساتها
بعد أن عادت الطيور إلى وكناتها؟ من المؤكد أن ثمة أثراً وذكرى. كتب هيجل ” أن بومة منيرا لا تطلق جناحيها الريح الا عند الاصيل” أي في أخر النهار وبعد اكتمال مسار الظهر والحدث. فماذا يمكن استخلاصه من مونديال كأس العالم في قطر٢٠٢٢م؟ الذي جرى تنظيمه على مدى شهر كامل لأول مرة في بلد عربي فالف مبروك لدولة قطر التي تمكنت من توفير الشروط اللوجستية عالية الجودة لتنظيم المونديال الكروي العالمي في عاصمتها الجميلة الدوحة وتأمين مقومات نجاحه بسلاسة وكفاءة واتقان.
تابعنا كلنا اللعبة وما بعثته فينا من مشاعر وانفعالات الفرح لفوز الفرق العربية ومنها السعودية وتونس والمغرب العربي هذا الأخير الذي استقطب تفاعل منقطع النظير في تاريخ العرب الحديث والمعاصر إذ تفاعلات كل الشعوب العربية بمختلف شرائحها الاجتماعية فرحا وابتهاجا بفوز المغرب العربي على البرتغال الليلة حد فيض الدموع من شدة الفرح كما خيم الحزن على معظم المتابعين العرب بهزيمة الفريق القطري في بداية المونديال. والبارحة كان الختام بفوز الارجنتين الذي أفرح الملايين وهزيمة الفريق الفرنسي الذي أحزن الملايين. كتب عيبان السامعي: ” يكتسبُ المونديال الكروي، والذي يتكرّر مرّةً واحدة كلّ أربع سنوات، أهميته من كونه يمثّل تظاهرةً عالميةً كبرى، تستقطبُ اهتمام مئات الملايين من عُشّاق الكرة المستديرة في أرجاء الكوكب” نعم لا شيء يمكن أن يستقطب اهتمام ملايين البشر ويثير تفاعلاتهم وانفعالاتهم كما يحدث في لعبة كرة القدم التي باتت ظاهرة اجتماعية عابرة للشعوب والحضارات والثقافات واللغات والمعتقدات. ففي قطر احتشد أكثر من مليون ونصف إنسان من مختلف الفئات والاعمار جاءوا من مختلف الأقطار والثقافات والأديان وتقاسموا مشاعر الفرح والابتهاج بقدر متساوي تقريبا. وهذا يؤكد المشترك الإنساني بين البشر واللعب من خصائص الإنسان والحيوان.
لعب، لعبة ، ألعاب، ملاعب، تلاعب، قواعد اللعبة، رياضة، منافسة، تدريب، تأهيل، مارثون مونديال وغيرها كلمات ترمز إلى النشاط الذي يمارسه الكائن الحي بوصفه جزءا أصيلًا من حياته ( وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو) فاللعب ظاهرة حيوية ارتبطت بالكائنات الحية منذ أقدم العصور. وللعب وظائف جوهرية في تأهيل صغار الحيوانات وجعلها قادرة على التكيف مع الحياة. بل قل أن الحياة برمتها هي لعبة الكائن الحي الذي يجب أن يتقن ممارستها. لعبته مع الموت والخوف والعجز والمرض تهدف إلى تأكيد القدرة على التحدي والنشاط والاستمرار في هذا الكوكب الأرضي القاسي. الإنسان هو الكائن الوحيد الذي جعل من اللعب فنا من فنون الحياة ونشاطا اجتماعيا إنسانيا عاما بهدف التأهيل والمتعة والابتهاج والمنافسة واختبار القدرات والمواهب محكومة بقواعد لعبتها الخاصة ( الكفاءة والسرعة والاداء) بما تشتمل عليه من الخبرة واللياقة والمهارة والإتقان فلا سحر هنا ولا شيء يمكنه يسند اللاعبين من خارج اجسادهم في الميدان. وتلك هي خلاصة القيمة العقلانية النسبية للمنافسة. وقد كان المارثون اليوناني أهم أعياد أثينا القديمة ومنه تفتق مفهوم الفلسفة كما جاء في التاريخ. فحينما سأل فيثاغورس عن منهم الفلاسفة؟ أستلهم مشهد المارثون بوصفه مثالا معبرا عن المعنى. إذا اشار إلى مضمار المارثون قائلا: أنظر إلى المارثون فماذا ترى؛ هناك أناس جاؤوا لغرض المنافسة والفوز باللعبة وهناك أناس جاؤوا لغرض التجارة والبيع والربح وهناك أناس جاؤوا لمشاهدة ما يحدث وتأمل المشهد برمته وهؤلاء هم الفلاسفة. ربما اختلف الأمر الآن ولكن يبقى المعنى الكلي للعبة هو هو. واتذكر أن المفكر المصري يوسف زيدان في بداية المونديال؛ أكد للشخص الذي كان يركب له الشاشة في منزله لمشاهدة المونديال” أنه لا يهتم بالرياضة فقال له: لماذا تتابعها إذا كنت لا تهتم بها؟ فرد زيدان: أنني أهتم بما يتهم به الناس ويشغلهم. والمونديال هو لعب بينما ثمة أشياء كثيرة جادة جدا في حياة العرب والمسلمين الآن ولو كان صرفت تلك الأموال المهدورة في مونديال قطر لسبيل تنمية الشعوب العربية والإسلامية لكانت احدثت نقلة نوعية في حياتها” ما علينا من أحلام يوسف زيدان وتهويماته فيما نحن بصدده. مونديال قطر حدث نوعي بالنسبة للشعوب العربية وتاريخها القصير مع اللعب والفرح والابتهاج إذ أرتبط اللعب في الثقافة العربية الإسلامية باللهو والعبث الذي يمارسه الأطفال في كل مكان. الأطفال وحدهم الذين يلعبون هكذا تم تكريس الثقافة العامة ولهذا لم يعرف العرب مجالات ومؤسسات عامة للممارسة الألعاب في العصور الحديثة. عرفوا ساحات الفروسية وميادين القتال ومؤسسات العبادة والطقوس المقدسة في اداء مناسك الحج والعمرة بعكس اليونان والرومان وربما الهند والصين الذين مارسوا الألعاب منذ أقدم العصور بوصفها مناشطا جماعية رسمية. وتحضرني الذاكرة هنا تفسير مشيل فوكو لهندسة الجسد في الحضارة الرومانية. بضرب مثال عن عروض صراع العبيد مع بعضهم حتى الموت في مشهد احتفالي بهيج في روما. وهذا هو ما فعله قائد ثورة العبيد سبارتاكوس حوالي 111 ق.م.-71 ق.م حينما ثأر على روما العظيمة إذ تعلم سبارتكوس في مدرسة للعبيد كيفية مصارعة الوحوش في ملاعب روما لتسلية الرومان، وفي سنة 73 ق.م نظم ثورة للعبيد في تلك المدرسة، وحينما انتصر بسرعة مذهلة على أسياده وراح يطبق عليهم ذات الممارسة التي تعلمها في مدرستهم إذ جعلهم يمارسون لعبة مصارعة الوحوش في الملعب الروماني وكان هو وقادة ثورته يشاهدون العرض بحماسة بالغة. إذ لم يكن لديه ما يفعله بأكثر مما تعلمه في مدرسة العبودية الرومانية ورغم هزيمته بعد سبعين يوما فقط إلا أن ثورته غيرت الإمبراطورية الرومانية نجح في تغيير تصور الرومان للعبيد ، الذي أدى إلى تحسينات في حياة ووضع العبيد وتقليص العبودية تدريجيًا. فهل سيغير مونديال قطر صورة العرب عن أنفسهم وتصورهم للعالم والحضارة العالمية الراهنة؟ والثقافة يمكن اكتسابها بالتقليد والمحاكاة أما الحضارة فلا يمكن اكتسبها لا بتعلم قواعد لعبتها بالتعليم والممارسة لأن الممارسة ليس مثالاً غامضاً أو أرضية تحتية للتاريخ أو محركاً خفياً بل هي ما يفعله الناس حقاً وفعلاً فالكلمة كما يقول الفرنسي بول فين :” تعبر بوضوح عن معناها ” وإذا كانت بمعنى من المعاني (محتجبة) كالجزء المحتجب من جبل الجليد، فذلك هو ما تجهد القوى المهيمنة والمتسلطة والقابضة على السلطان والنفوذ في إخفائه على الدوام بما تثيره من زوابع ونقع كثيف يظلل أرض المعركة بالدخان والغبار، وهذه هي الوظيفة الجوهرية للأيدولوجيا السياسية، إنها العمل الدؤوب على إخفاء وحجب الواقع السياسي الفعلي في عالم الممارسة المتعينة.
نعم المونديال حدث إنساني عالمي ولكنه خطاب انتجته قوى لعبة أخرى ليست لعبتنا ولم يكن لنا دورا في انتاجه وتصميم قواعده. قطر العربية هي مجرد ملعب لممارسة اللعبة بقواعدها المتفق عليها من الفيفا؛ مؤسسة إدارة اللعبة العالمية. ومع ذلك يبقى المونديال حدث مهمه بالنسبة لنا نحن العرب. إذ شكل فرصة سانحة للاحتكاك المباشر بشعوب وثقافات ومعتقدات متعددة قلما اجتمعت في مكان واحد. الآخر مرآة الذات إذ لا تنكشف حجب الذات عن ذاتها إلا بالاحتكاك بالآخرين ومعايشته وكل ما عرفت الذات الأخر كلما زاد معرفتها لذاتها. وتلك الجرعة الميتافيزيقية الثانية من الحدث واللعبة. فضلا عن تحفيز الاهتمام برياضة الجسد الذي لا قيمة له ولا اعتبار في ثقافة العرب العاربة والمستعربة. والتربية البدنية السليمة لا تهتم بتمرين عضو معين من أعضاء الجسم بل بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية والحركة والاستدارة بمرونة ورشاقة. والثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي تمنحهم (الذكاء الجسدي والعاطفي) إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء) والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم الهابيتوس عند بيبر بورديو بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الأخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يعد «الهابيتوس» جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل لوجود، بالنسبة للفرد والمجتمع. الرياضة ليست مجرد ملعب لممارسة الرياضة بل هي بنية ثقافة متكاملة الأبعاد والانساق والغايات. وإذا عجز الجد على جمع العرب والعالم فربما تقوم اللعبة بتلك المهمة بوصفها ممارسة إنسانية عامة تختفي فيها جميع المرجعيات التقليدية الخارجة عن ذوات الأفراد واجسادهم ومواهبهم وقدراتهم. هنا فقط يتجلى المعنى الإنساني للرياضة والمواهب المتنافسة بقدراتها الجسدية والذهنية وبراعتها في ممارسة الفن بروح رياضية عالية لا تعصب فيها ولا عنف ولا انتقام.
هناك في دوحة قطر تنافست فرق رياضية وتعانقت ثقافات متعددة وتمازجت مشاعر إنسانية ومن المؤكد أنها سيكون لها ما بعدها في فهم بني آدم وحواء لبعضهم بعضا. ومبارك لقطر نجاح المونديال وألف مبارك الارجنتين الفوز بالكأس وكرة القدم دوارة.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *