رواية ليس لهذا البحر أسنان لمحمد دحو
أوقدت لمبة غاز يدوية،فاض الضوء من حولي وتكاثر،كنت أمشي من غير أرض أو درج،شعرة وانسلت من عجين،أو طائر أفلت من قفص من حديد،يد ما كانت تسحبني في خفاء وتستر،لم أكن أرى يدا أو أي أثر لذلك،كنت أنقاد لحبل سري عجيب،كان أقوى من كل شيء،كنت أرى ما لا ترون،نسوة يرقصن من حولي ويوقدن الشموع، كانت على أصابعهن حناء عيد وبهجة آسرة، وبأيديهن بخور وشمع وعود ثقاب،وعلى جباههن خيوط حرير مرصعة بالذهب،ثمة مسك يتضوع شذاه خلفهن وأمامهن،كأنها جنة الدنيا،كانت هناك في الجهة الأخرى،نساء كثيرات يقابلنني وجها لوجه، يأتين صوبي فرادى وجماعات،عليهن نور اللؤلؤ وسط بناء شامخ بديع،أوهو قصر منيف،يهمن
في دروب غناء شفيف،ويرفلن في جنبات القصر رويدا رويدا،رأيتهن بعيدات قريبات مني، كان يتبعهن ظل شجر صغير،كان يمشي وراءهن وأمامهن بلا تأخر،وهن يمضين صوب باب القصر بتؤدة ورهبة،يتوسطن ساحة ظليلة،وعلى رؤوسهن هالة من الضوء المشع،فجأة ران عليهن صمت طويل، توقفن عند الباب الكبير،كانت وراءه جنان وأنهار تجري،أفق مفتوح ليس له أول ولا آخر،لا يحده بصر أوتصله عين،تطلعت رافعا وجهي ورأسي، داهمني ضوء مشع ضرب العين والرأس،شلت قدماي وتجمدت في مكاني،كنت كالأعمى لا أرى ولا أسمع،كل شيء اختفى،توارى القصر والحديقة، غابت إثره تلك النساء الجميلات،جرين خلف جبال من الدخان والنار،حتى وجهي غادر معهن بسرعة الريح،كأن سيفا قطعه عني وقطعني منه،تجاوز الباب والحديقة،غاص في ثنايا القصر البعيد،لا أدري إلى أين ذهب وأين سيكون،أغلق الباب في وجهي بقوة وعنف شديد،واختفى كل شيء في ظلام دامس.
