بقلم سمير عباس – أستاذ مساعد في الأدب العربي الحديث جامعة أبو القاسم سعد الله الجزائر
قال أبو العلاء المعري
رب ليل كأنه الصبح في الحسن و إن كان أسود الطيلسان
قد ركضنا فيه للهو لما وقف النجم وقفة الحيران
و قال ايضا:
ليس مجد في ملتي و اعتقادي نوح باك و لا ترنم شاد
و شبيه صوت النعي بصوت البشير في كل ناد
يذكرني البيتان الأولان بجمال إبداع واسيني و لباقته و حلمه على مر السنين ، بينما يذكرني البيتان التاليان بما يلقى من جحود و نكران لقاء إحسانه للكلمة و الفكر و للبشرية
و بينما اختار سقراط تجرع السم دفعة واحدة وفاء لفكره اختار واسيني تجرع ألم الجحود و النكران المتزايد و المتسارع بشكل مهول حتى في مرحلة من عمره يفترض بها أن تكون مساحة لجني التبجيل و ثماره بمودة و حب.
لم يكتف واسيني وفاء للفن الروائي بالتمسك بايديولجيته الفكرية الخاصة بل تحامل على ألم الجحود بصب الزيت على النار ببطولة ثقافية نادرة و ربما مجنونة، الجنس و التاريخ تابوهات المجتمع التقليدي الذي يحاول التمدد بيأس نحو المستقبل .
بعد روايته عن حيزية التي تصدت لرواية القبيلة و تلقيه الكثير من الرجم بوصفه حدا من الحدود التي لا تحتمل التأجيل، يغامر الأعرج برواية عن الريميتي مغنية الملاهي التاريخية، و هو بهذه المغامرة يرد بشكل ثائر على رجمه من أفراد القبيلة، فتاريخ القبيلة لم يخل للأسف من الشيخة الريميتي المرأة التي تملصت من الرجم طوال مسيرتها في الملاهي و ضرب المحزم (رقص جزائري يشبه الرقص الشرقي), ينتفض واسيني و يحاور القبيلة بغضب المتألم و روية الكاتب المتمهل، فهل كان محقا؟
يبدو أن واسيني قد استفاد من طريقة البحوث التاريخية و الأركيولوجية للتحضير لكتابة رواياته الاخيرة كما فعل امبرتو إيكو في اسم الوردة و كما يفعل الإنتاج السينمائي في التحضير للأفلام التاريخية و أفلام الفانتازيا من العهود السحيقة، الإيهام بالواقعية الذي استعانت به إنعام بيوض في رواية الهوارية يشكل عمق الأزمة، واسيني معتمدا الإيهام بالواقعية يتجاوز الحاضر نحو الماضي باحترافية المبدع الروائي المتمرس، لكنه يخاتل التاريخ تارة و يعانقه تارة أخرى و يصفعه ثالثة، الفن الروائي ليس كتابا في التاريخ و الروائي ليس مؤرخا، هذا ما يتجاوز فهم القبيلة التي ترى أن كل كلام عن الماضي يندرج في صلب الكتابة التاريخية، بينما يتبرم واسيني من إجابة هذا الفهم الخاطئ للفن الروائي و يترفع عن ذلك، و عوض ذلك يدفع بالقبيلة نحو أقاصي الهيجان و الجنون، هو يعلم أن القبيلة ستتعب في النهاية و تتساءل اخيرا ما هو الفن الرواىي؟, الرواية فن تخييل لا يسرد الماضي إلا من أجل تجديد الوعي به، و ليس من أجل تسجيله بطريقة علمية تاريخية اكاديمية، يحاول الروائي إحياء حميمية الماضي و غضبه و جماله و بشاعته و حنوه و قسوته، يحاول أن يصور الماضي قطعة من الزمن مثلها مثل الحاضر و مثل المستقبل لا قداسة لها و لا تدنيس، قطعة قابلة لإعادة القولبة و الرسم و التشكيل تماما كما يفرض الخيال و التخييل و يتيحانه، الناس تعرف رسالة الغفران للمعري و تستلطفها بل و تمجدها إرثا إبداعيا أدبيا، و لكن كثرة من الناس لا تعرف المنام الكبير لابن محرز الوهراني، المبدع الجزائري كان مزعجا أيضا في الماضي و لم يكن نمطيا حد البلادة، نعم يتمكن الروائي من شحن الرواية بأيديولوجيته الخاصة لكنه أيضا يغمرها بكثير من فيض التاريخ الذي لا تتناقله كتب التاريخ عندنا، تاريخ الذهنيات علم أكاديمي شاق يتمكن الروائي من توظيف نتائجه بيسر حتى يجعل القارئ يشعر ببعض من تحديات الماضي التي استمر بعضها حتى الآن في عروق القبيلة، فوق ذلك قد يعمد واسيني إلى بعض من تزييف االحقائق التاريخية كما يتيح له الفن الروائي، الروائي شخص يملك السلطة لإخبارنا أن المعتصم كان نائما حين صرخت العربية السجينة وامعتصماه و فضل عوض تسيير الجيوش أن يسير مزيدا من نساء القبيلة إلى الروم، يبدو الحديث عما يمكن للفن الروائي قوله أكبر من أن تحده أسطر قليلة، و لكن لا يفوت واسيني أن يركز على تيمة الجنس حتى يدفع القبيلة بعنف نحو تعلم مقولات الفن الروائي، نحن حاليا في العام 2026 بعد قرون طويلة من كتابة أول رواية في التاريخ الحمار الذهبي لأبوليوس، من غير اللائق أن يظل الناس في غفلة عن معنى الفن الروائي، يغامر واسيني بتجاهل غباء القبيلة و جهلها من جهة، و بإثارة غضبها إلى أقاصيه من جهة ثانية، في انتظار صدور رواية الريميتي و إقامة الحد من جديد