محطّةأمل
سيرة مختصرة للكاتب: فيصل عمامري/ الجزائر
– دكتور في الصيدلة – قاص جزائري – شارك بقصة “محطة أمل” وتوج بالجائزة الأولى في الطبعة الأولى لجائزة زليخة السعودي – ولاية خنشلة – شارك بقصة “اللعنة” وتوج بالمركز الثالث في الطبعة الثانية لذات الجائزة- ولاية خنشلة – شارك بقصة “للجحيم وجه آخر” وتوج بالمركز الأول في الجائزة الولائية – الجزائر تقرأ- ولاية خنشلة. له مجموعة قصصية بعنوان محطات.
القصة:
ككل يوم.. أنهضُ وتنهضُ الكُوالا التي تسكنني لتتوكأ على ألمي.. من هنا، في بقعة من بقاع إفريقيا، من غرفتي! دون هدفٍ، ولا غايةٍ أنشدها، سوى حنينا للنوم من جديد!
لم يختزل يومي محطات كثيرة سوى أنني أصحو على طاولة فطور جافة، قاحلة، محْتسياً كوبَ حليب هجين الطعم، ممزوج بطعم القهوة، لينعكس هذا الجفاف على طابع حياتي، ها أنا أخلع رداء الأمل الذي كنت قد اكتسيته من دعواتها -تلك التي تطأ الجنان بقدميها- وأرتدي رداء اليأس الذي أهدتني إياه إفريقيا، وكعادتي أعود في نهاية يومي خائبا، بائسا، لا أحمل في جعبتي سوى دقائق فرح استوحيتها من لغة رواية كنت قد استعرتها من مكتبتي صباح هذا اليوم، أستلقي على سريري منهكا، أكمل القراءة بشغف، فأجدني تارة أتذوق مرارة يومي، وتارة أخرى حلاوة الكلمات، المهم أن أهرب من فشلي مختبئا وراء السراب، متمسكا بحبل كبريائي الهش، نعم فتلك حقيقة الفشلة؛ الفرار من المواجهات.
يوم آخر ومحطة أخرى تنتظرني! هل ستشبه محطة أمس؟ لا أعلم قطعا، فكل ما أعرفه هو أنني بحاجة ملحة لحافز قوي أطلق به الكوالا التي تسكنني، كانت الشمس دافعا مقنعا لجعلي أرتدي ثوب الكنغر هذا الصباح، قمت على عجل، استهدفت قلب أمي بقبلة حارة على جبينها وقلت: أسعد الله صباحك يا وجه الفردوس في أرض الله، وبعد فطور يليق بنهاري الجميل لمحتها تبصرني باستغراب!
- ما بِكِ يا أماه هل رأيت شبحا؟ وهي تقول: سبحان مغير الأحوال من حال إلى حال.
- هل توَدّين أن أجلِب لكِ شيئا من السوق بعودتي؟ وهي تردد: سبحان رب موسى وهارون!
عشت عالمها للحظة مدركا ما كانت تشعر به، كانت تعابير وجهها تخفي نصف فرحة أرادت أن تتحقق قبل إبداءها ولسان حالها يسأل: أ حقيقة ما يحدث أم مجرد بطولة وهمية تقمصتها لهذا اليوم؟
من الصعب أن تقرر تغيير متلازِمة قد عهِدها الأقربون منك، كأن تتحول من كوالا إلى كنغر، من شخص نائم بالليلِ، كسول النهار، إلى شخص حيوي باعث للحياة والتفاؤل وقناص حاذق للفرص …
أغلقت باب المنزل برفق لم تعهده يداي، ارتديت قبعتي ورميتُ بلمحة ماكرة تشبه تلك التي تميز الذكي كونان معلنا بداية تحرياتي عن قاتل حلمي المجهول، مررتُ بأول كشك في الزقاق، تناولت جريدتين إحداهما بالعربية وأخرى بلغة مستدمر لم يعتق بلدان المغرب العربي وشعوبا أخرى حتى بعد استقلالها، واصلت السير هربا من بؤس رافقني بالأمس، استغربتُ مِنّي وأنا أوزع الابتسامات من شخص إلى آخر وكأنني أتمرن على ذلك، قررت أن أعاود كرة الأمس واستقِلّ القطار مرة أخرى لنفس الغاية التي باتت عادتي كل يوم؛ البحث عن عمل.
جلست منتظرا دوري، حاملا بين كفيّ قلما وجريدتي، كنت أتصفح الناس في كل صفحة، أطالع الطابور تارة، وأقرأ مأساة الآخرين على الصفحات الأخرى، وللحظة أردت قلب الصفحة وإذ بيد ناعمة تستوقفني: لو سمحت توقف قليلا لم أكمل قراءة المقال، يا له من موقف طريف! ابتسمت وما كان عليّ إلاّ أن استجيب لطلبها بأدب، ادعاءً مني مشاركة الثقافة مع الغرباء، وإن كان ذلك ونحن في الطابور!!
جاء دوري لسحب التذكرة، وضعت يدي لإخراج النقود فلم أجد في جيبي غيرَ يدي، اصفرت الدنيا في وجهي دون أن يسرني اصفرارها وأدركت أنني أوقعت محفظتي حين اشتريت الجرائد، أيقنت أنني كنت أتصنع التفاؤل، فكل ما يدور حولي لا يدعو إليه، قررت العودة إلى المنزل منكسراً من جديد، وإذا بيد ناعمة -وأحسبها الأولى- تستوقفني:
- عندي تذكرة إضافية، هل تقبلها مني؟
- مجاناً! استرجعت -في رمشة عين- مقولةً لجدتي قالت لي فيها ذات شدة: “الهدايا في وقتكم أصبحت كميناً مفخخا”، فقلت للفتاة مباشرة: هل تريدين شيئا مقابل التذكرة؟ يمكنني أن أطلب رقم حسابك وأعتبر ثمن التذكرة ديناً أُسدّده ذات يوم، أو يمكنك طلب شيء مقابل ذلك فلا أحِبُّ الدّين بطبعي.
- ردّت بأدبٍ وقالت: لو توقّعتُ أن يكون ردّك هكذا لما فكرتُ في شرائها لإهدائها.
- هل أفهم أنها كانت مقصودة لي ولم تكن إضافية!
- وهل يستحق شابٌ مثلك أن يكون “إضافياً”!
أحسست برعشة تسري في كل نقطة من أجزاء جسمي على وقْعِ انفجار كلماتها، ابتلعت ريقي وكأنني مُقدِمٌ على مِقصلة، لم أتفوه بكلمة حتى وصل القطار وهممنا بالصعود، ترجّلتُ من على كبريائي، أفسحت لها الطريق مشيراً لها بالتقدم، فَمرّت وهمست في أُذُني: ومؤدّبٌ كذلك، جميل!
شعورٌ نادرٌ أن يخجل شاب في عمري من موقف كهذا، ولكنها الحقيقة فهذا ما حصل؛ وأنا في هذه الحالة رن جرس الباب فتعجلت الصعود، سلمتُ تذكرتي للمراقب ليدمغها، واصلت السير في الرواق بحثا عن مقعدي، فوجئت بشيخ طاعنٍ في السن يستلقي على مقعده متخطياً حقه ليغتصب حق الجلوس في مقعدي، لم أشأ إزعاجه رأفة بضعفه، فاستسلمت للوقوف.
مرّ المراقِبُ بالرواق فوجدني مُتسمّراً كعمود كهرباء فسألني، شرحت له السبب فتركني وعاد لإكمال عمله، وبعد برهة من الزمن عاد إليّ واصطحبني لمقعد شاغر أقصى المؤخرة وكأنه كان ينتظرني، جلستُ في صمت وحتى أكسره استخرجت كتابا من حقيبتي، رفعت رأسي وإذ عيناي تقع عليها، إنها نفس الفتاة تقابلني في المقعد المقابل! هل أقولُ سُحقاً أم أتوسم خيرا بهذا اليوم السعيد! لم أطل التفكير، ابتسمت لها قائلا: فرصةٌ جميلة أن يجمعنا اللقاء مجدداً.
- أظنه قد يطول هذه المرة.
- ماذا تقصدين؟ قُلتُ في دهشة!
- لا شيء. لا شيء.
- يومٌ جميلٌ، أليس كذلك؟ تخيلت نفسي عجوزا إفريقيا وأنا أحاورها بهذه الطريقة.
- من مواليد أيِّ الشهور أنتَ؟
- ينادونني بالثور في نظر الفلكيين فمن أكون؟
- أهلا أهلا. هذا أنت إذن! الذي يصفون بقوي الشخصية، والدقة، والحساسية…
كانت تتكلم وتُعرفُني بنفسي كأنني لم أكن أعرفها قبلا، وأنا واضع يدي على خدي، مخترقا بُعد الكلمات، متتبعا تناسق عينيها، وانبعاث الكلمات من شفتيها، فتارة تضحك، وتارةً تغمزُ، لم تبالي بي، وأنا المعلق بصوتها، وكلماتها التي كانت تتآكل بنَهمٍ وكأنّها على بعد سفرٍ طويل.
- هل أنتَ معي؟ قالت
- نعم بالطبع … أومأت برأسي مؤكدا على ذلك.
- طيّب، ماذا كنتُ أقول؟
- آه! كنتِ تقولين بأن عينيك ساحرتان وأنك جميلة ومتناسقة و.و.
- أُسكُت، أُسكُت، قاطعتني وهي مبتسمة خجلة وأضافت: لم تكن معي البتة، سأرى كيف سأعاقبك!
أحسست لوهلة أنني في حضرة شابة مفعمة بالطاقة، والحياة، وقلت في نفسي: ربما جعل القدر صدفة التذكرة سببا لتلتقي أرواحنا وتتآلف.
– ما الحياة في نظرك آنستي؟ سألتها لأخرجها من نسق الخجل الذي كانت تعيشه. فأجابت:
– الحياة حياة، نولد فتولد أفكارنا، نرتقي بها لنكبر ونعلو…الحياة سباق سريع، لابد أن تكون الأسرع كي تقتنص الفرصة دون عناء…الحياة قاسية، صعبة _خاصة كما تقول أنت في إفريقيا_ فلابد أن تعتلي القمة وإلا تزاحمت الضباع لنهش عظامك … ثم أردفت: أرى فيك التفاؤل وحب المغامرة، حاول أن تغتنم ذلك، فليس كل من على إفريقيا يمتلكون عزيمة كهذه.
كأنها تتحدث بدلا مني، ترى بمنظاري، تصف انعكاسي في المرآة، ها هي تتعرف عليّ كما لو كانت رفيقتي منذ زمن طويل. من ناحيتي، كنت أرى الحياة مشوهة، أتفادى التصريح بمخاوفي مرهقا بالي، عانيت من التوحد والانعزال، حتى وصل بي المطاف للتفكير في إنهاء الأزمة بالانتحار، ووضع حد لليأس الذي كان يسكنني في أقصى وأسوأ قرار كنت مقدما عليه، فقط لغياب من يُربت على كتفي ويستوقفني لأتأمل البصيص…
بينما هي منهمكة في الشرح، وحل لغزي المعقد، كنت أبحث في كلماتها عن دواء لدائي.. كنت أحتاج فعلا لمؤنسة تحتضنني، وتلف أمواجي السالبة بطاقة إيجابية، كنت بالأمس أقرب إلى الموت، وها أنا اليوم أبعث من جديد. لم تكن الحياة في نظري سوى مزحة عابرة، كنت في الدرك الأسفل من التشاؤم فالإحباط، كان الحزن يرافقني متجاوزا حركاتي وسكناتي واصلا لأنفاسي، لقد أصبح الحلم كابوسا في عالمي.
ها أنا الآن أرى الربيع في عينيها … نعم الربيع في شتائي، انطلقت الحيوانات النائمة داخلي لانتشار النور، قرّرتُ فجأة السير على خطى من أعرف في السماء، نعم؛ هي سماء الإرادة فالنجاح، لن أترك الأوضاع بعد اليوم تذيبني وتحرق أجمل صور الحياة، كنت أحدث نفسي وإذ بصوتها يخترقني
– هل أنت معي ؟ اخترقني صوتها الندي.
– عذرا ! لقد كنت أغوص في غياهب أحلامي، وما إن اقتربت من الحصاد حتى غشتني سحابة الحقيقة أن يا فتى لن تحصد الورد وأنت في الصحراء.
– لقد اقتربت محطة نزولك كما حددتها، لا تبتعد بأحلامك فوقتنا قصير.
– مر بخاطري أني قد لا أتمكن من رؤيتها مجددا، ونزلت عبارة (وقتنا قصير) علي كالصاعقة ولم ترق لي البتة. للحظة فكرت في اقتلاع قلبي عربونا مني لها ولكنني اخترت أن اهديها قطعة نقدية قديمة كانت بحوزتي كتذكار، أملا في لقاء قريب، راقتها الفكرة جدا فبادلتني هي الأخرى بوشاح من حرير كان ملتفا على نحرها، اقترحت أن يحتفظ كل بهديته إلى أن يجمعنا لقاء جديد نسترد الذكريات ونحن نعتلي أعلى منصات النجاح، عن قريب..
كان هذا آخر ما دار بيننا من كلام، حملت نفسي كرها وغادرت القطار وكلي وجع لتركها، تمنيت لو أنها لم تنتبه لمحطة نزولي، عزمت على تحقيق البداية، وصعود أدراج النجاح ممتشقا سلاحَيْ الإصرار والعمل.
بعد برهة من الزمن دخلت مطعما، أسترد أنفاسي وأتناول بعض الشيء وإذ بالدنيا تسود في وجهي وأنا أشاهد شاشة التلفاز، جلست متسمرا دون حراك، كانت عجلة الخبر من عجلي، وإذا به نفس القطار! قد أضاع السكة وزاغ عن الطريق، حريق ثم حريق وهول ليس له مثيل.
خرجت هلعا خائفا أركض كالمجنون عائدا إلى نفس المكان، لم يحضرني إلا صوتها وهي تودعني، ابتسامتها وحبها للحياة، للحظة انتابني شعور الفقد، ركضت مسرعا لإغاثتها تلك التي أصبحتُ أراها أملي، ولكن ما إن وصلت حتى نزلت عليّ الصاعقة، وجدتها طريحة الممدودة، تناجي السماء لمنحها الحياة، عرفتني حتى وهي على عجلة المغادرة. وسط هذا التناقض، هذا الزحام، وجدتني أسترجع شريط اللقاء، مسلما بحقيقة أنها قد أنقذتني للتو من موت بشع، كانت دموعي تتهاطل وأنا أسندها صدري، لم أستسغ فكرة الفقد، قالت وهي تفارقني:
– لا تدع الحزن يغلف قلبك واغتسل بالأمل، أخرَجَت القطعة النقدية خاصتي وقد وعدتني في وقت قريب باستلامها ناصعةً لحظة التحاقنا بالقمة، فإذا بها ملطخةٌ بالدماء، أغلقت عليها في يدي وهي تقول : تستحقها الآن.
لم أكن أعلم ماذا تريد أن توصل لي، أو ربما في تلك اللحظة لم أستسغ ردها، لكني استوعبت فيما بعد ما كانت تقصده، غادرتني ويدُها الباردة متشبثة بيدي، تركتها بعدما تزاحم المسعفون لحملها مع باقي المصابين والموتى، انسحبت تاركا خلفي قصة بالكاد بدأت حتى تنتهي، تخفيت باحثا عن منديل لأمسح وجعي، كانت يدي ملطخة بالدماء، وقطعة نقدية إفريقية حمراء مرصّع عليها بقايا وجع، ووشاح حديث الولادة بكر الأمل!
لم يكن هينا تَقبّل الوضع في البداية لكنني أدركت بعد مرور أشهر أنها قد حاولت أن تعلمني معنى الحياة ووجوب التغير للأحسن، تقبلت فكرتها ولكنني طورتها بتغيير المحيط والظروف أيضا. كان ذلك بعد انقضاء عام من فقدانها، أقلعت طائرتي صوب قارة جديدة تنشُدُ الأمل من جديد، فرص للبقاء وفضاء يحث على البذل، على الإبداع. فالنجاح.
لم أنس اصطحاب وشاحها الحريري وتلك القطعة النقدية -التي لم أغسلها عمدا من دمائها- التي ظلت ترافقني طوال محطات حياتي، كنت عازما على تحقيق حلمها برؤيتي في القمة..
احترفت التنشيط والتقديم التليفزيوني بعدها فكانت مقدمتي عادةً: ” تحية أمل، أزفها إليكم يا من تبحثون عنه” قررت مباشرة حصصي وختمها بتلك التحية واستحضارها في كل محطة من محطات حياتي فكان برنامجي الذي حلق بي في الأفق بعنوان: ”محطّة أمل”.. تخليدا لأملي.
