المرأة في التجربة المسرحية الجزائرية

المرأة في التجربة المسرحية الجزائرية
0
(0)
 د. حبيب بوخليفة أستاذ محاضر ومخرج في الفنون الدرامية
أقصيت المرأة منذ ظهور الفن المسرحي كمؤسسة قائمة بذاتها ضمن المؤسسات الأخرى، كالبرلمان و المعبد في المجتمع اليوناني القديم من ممارسة الفن المسرحي، فكانت الشخصيات النسوية مثل انتيغون لسوفكليس او اندروماك يقوم بدورها الرجال في شكلهم الأنثوي. و استمر الوضع كذلك حتى بعد عصر النهضة الأوروبية إلى غاية القرن الثامن عشر حيث بدأت المرأة تنخرط في الفرق المسرحية الخاصة و تمثل أدوارا مهمة في المسرحبات الكلاسيكية.
تجدر الإشارة إلى أان أول من ساهم في إشراك المرأة في المسرح كان الشاعر الانجليزي “وليام شكسبير” في منتصف القرن السادس عشرفي مساحة التمثيل على غرار ” كروزاليند” في مسرحية” كما تحبها” و كورديليا” في مسرحية” الملك لير” و”ليدي ماكبت” في ” ماكبت” .كانت هذه المشاركة استثنائية.
اتسم القرن السابع عشر بالنسبة لمشاركة المرأة بقرن التغيير حيث ظهر في انجلترا أسلوب الكتابة المسرحية الكوميدية خاص بالنساء والذي كان متميزا “restoration comedy” و الذي مثّل دورا هاما في الحركة المسرحية في المجتمع الانجليزي، محدثا تغييرا جذريا في العقلية الجماعية اتجاه المرأة الفنانة بدعم من الملك آنذاك تشارلز الثاني الذي ساعد كثيرا النساء على الممارسة المسرحية و إنجاز أعمال فنية كبرى.
شهد أواخر القرن التاسع عشر بروز أسماء نساء اقتحمن خشبة المسرح في المجتمعات الأروبية بقوة ولم يعد الفعل المسرحي مقتصرا على الذكور فقط خصوصا في فن التمثيل. استطاعت المرأة الأروبية انطلاقا من التغيرات الكبرى التي طرأت على المجتمعات الأروبية في سياق الحداثة أن تصبح شريكا كاملا في الممارسة المسرحية بحكم عملية الإخراج التي تدخلت في تصحيح المفاهيم الممارستية المسرحية في نطاق تحرر المرأة في ساحة الإبداع الفني التي بدأت بالمسرح الغنائي سابقا (الاوبيرا) و استمرت إلى التمثيل الدرامي ثم إلى الكتابة و الإخراج و السينوغرافيا في منتصف القرن العشرين.
يختلف الأمر بالنسبة للمرأة العربية في ممارسة الفن عموما و الفن المسرحي خصوصا بحكم تأخر دخول الفن المسرحي إلى العالم العربي و الذي انطلق في منتصف القرن التاسع عشر على يد التاجر مارون النقاش، ثم انتقل الى سوريا ومصر بعدما لقي صعوبات جمة و صعاب من قبل رجال الدين خصوصا مشاركة المرأة في التمثيل والرقص. فموقف رجالات الدين و العامة كان مناهضا لهذا الفن باعتباره فسوقا و اختلاطا /النساء بالرجال/. بالرغم من أن المجتمعات العربية كانت عالقة بمحظورات الدين والعادات إلا أن هذا لم يمنع من مشاركة بعض النساء في العروض المسرحية مثل مسرحية ” الهوى و الوفاء” من تأليف الشاعرة اللبنانية زينب فواز 1860/ 1914) ينبغي أن نشير أن فن التمثيل كان مقتصرا على النساء العربيات من أصول يهودية- مسيحية في البداية و بعدها اقتحمت المرأة المسلمة و شاركت أخيرا على الخشبة المسرحية متحدية أحكام المجتمع و ذلك عندما أدت دورا مهما على الفضاء المسرحي وهي الفنانة المغنية “منيرة المهدية” في 1914.
إن بوادر الفن المسرحي في المجتمع الجزائري لم تظهر إلا في الربع الأول من القرن العشرين بعدما زارت الفرق التونسية والمصرية الجزائر وقدمت عروضها المسرحية في العاصمة. تأسست فرقة ” المهذبية” لمحي الدين بشطارزي مع رشيد قسنطيني و كانت أول ممثلة جزائرية فيها من أصول يهودية تلعب بعض الأدوار النسائية.، ثم التحقت بالفرقة في1935 العملاقة “كلتوم” و اسمها الحقيقي ” عائشة اجوري” القادمة من البليدة.
لقد كانت الممثلة الأولى الجزائرية التي صعدت على الخشبة المسرحية و شاركت بعدها مع محمد التوري في تأليف مسرحية ” البارح و اليوم” و التي أعدت فيما بعد في عرض ” ازعيط و امعيط و نڨاز الحيط”. لم تتوقف كلتوم من المشاركة في عدة مسرحيات خصوصا بعد الاستقلال حيث التحقت بفرقة المسرح الوطني. بعد اكتشافها من طرف المسرحي محي الدين بشطارزي في 1936و منذ التحاقها بالفرقة المسرحية بالاوبيرا الجزائر في 1947 إلى وفاتها شاركت في حوالي 22 فيلما جزائريا وأكثر من 72 عرضا مسرحيا.
عندما عدت من موسكو كان الحظ أن أجدها بالمسرح الوطني في تحضير خروجها إلى التقاعد. لقد تحدثنا عن بعض المشاريع لإنجازها مثل ” عودة السيدة العجوز” لفريديريك دورانمايت. للأسف لقد غادرت المسرح الوطني و لم تعد إليه إلا نادرا خصوصا في بداية العشرية السودان. لقد تميزت في فيلم ” ريح الأوراس” بأداء درامي دقيق للأم الجزائرية التي تبحث عن ابنئهاالمختطف.، من اخراج العملاق محمد الاخضر حامينة في 1966.، في فيلم “حسن طيرو” في فيلم ” ريح الجنوب” لمحمد سليم رياض في 1975 و في “حسن طاكسي” لنفس المخرج في فيلم “الغاصبين ” لمين مرباح في 1972. و في ” بدون جذور” لنفس المخرج في 1976 و في ” حسن النية ” لغوثي بن ددوس في 1989. ارتبطت الممثلة العملاقة ” كلتوم” أساسا بالمسرح الوطني وكان مهدها و بيتها و معنى حياتها حسب ما ذكرته لي و فصحت لي بعض الجوانب من حياتها قبل دخولها معترك الممارسة المسرحية و التمثيل الفني و اسمها كذلك ” عواوش”.
إن مشاركة المرأة في الفن المسرحي كان عيبا في المخيال الجمعي للمجتمع. الفنانة التزمت منذ البدايه بفن التمثيل و كأنها خلقت لأجله على قولها ” أنا لا أستطيع العيش بدون هواء المسرح” تحدت عواقب أحكام المجتمع و استمرت في العمل المسرحي مع بعض الفنانات اللواتي التحقن بالمسرح الوطني على غرار ” نورية” و ” يسمينة” و ” فتيحة بربار ” و ” دوجة” و ” فريدة عمروش” و ” سليمة” و ” فاطمة الزهراء” الخ.
شاركت كلتوم  تقريبا  في72 مسرحية بعد الاستقلال أهمها “أبناء القصبة”، لعبدالحليم رايس من إخراج مصطفى كاتب ،“حسان طيرو”، “الحياة حلم”، “بنادق أم كرار”، “وردة حمراء من أجلي لسين اوكازي إخراج علال المحيب”، و في “السلطان الحائر” لتوفيق الحكيم إخراج عبدالقادر علولة “ديوان القراقوز” لولد عبدالرحمان كاكي “الريح” لملود معمري “احمرار الفج” لآسيا جبار “البوابون”، لأحمد عياد ( رويشد) إخراج مصطفى كاتب “العاقرة” لبوزرار الزهير “سكة السلامة”، “المتعصبون”، “
عفريت وهفّوه”، “موت التاجر المتجول”، و”بيت برناردا آلبا”
استطاعت كلتوم أن تعطي الصورة النضالية الفنية للمرأة الجزائرية في ممارسة الفن المسرحي. احتضنها المسرح و احتضنته ولم تترك فن التمثيل حتى مغادرتها للتقاعد في 1988. كنت أزورها في بيتها في شارع باستور بالعاصمة و ندردش قليلا في موضوع صحتها التي تدهورت قليلا و هي بعيدة عن معبد الفن المسرحي. أشارت لي قبل وفاتها بجملة أحرقت احشائي قائلة: ” أنا لم أندم أبدا على أنني اخترت الفن المسرحي منذ البداية و لكن يؤلمني أن الفنان لا قيمة له عندنا”. فقلت لها مردفا: أنت لست بحاجة إلى أحد، أنت عميدة فن التمثيل في بلادنا، أيقونة الخشبة المسرحية.، فقالت متنهدة: أيقونة بأجر تقاعد 2500 دينار بعد أكثر من نصف قرن من العمل في الفن”.
قليلة الكلام في كل الظروف بعزة و تواضع لا مثيل لها. كانت دائما صادقة مع فنها التمثيلي و الشخصيات التي تؤديها سواء في السينما أو المسرح. تبني روح الشخصية الدرامية من ذاكرتها الانفعالية و إحساسها بخصائصها النفسية بذكاء عميق يجعلك ترتبط معها طول العرض. عملت مع أكبر المخرجين الجزائريين بعزة و كرامة. كانت تتحرك على الخشبة المسرحية كسيدة المكان والزمان و لا يزال صداها يرن فوق الخشبة المسرحية الجزائرية.
القليل من الجزائريين يعرفون الممثلة الموهوبة ” يسمينة” التي كان يسميها مصطفى كاتب ” الطفلة المدللة للمسرح الوطني” واسمها الكامل يسمينة دوار .لقد اكتشفها محمد حيلمي بعد الاستقلال بعدما اقترح عليها محمد حلمي عليها التمثيل في إحدى مسرحياته «الخميرة أو البيروقراطية»، و كانت بدايتها في فن التمثيل. لقد التحقت بالمسرح الوطني في 1966 بدعوة من مصطفى كاتب الذي كان يبحث عن ممثلات في فترة عصيبة لم تكن المراة مسموح لها ممارسة الفن. و لم تكن في تلك الفترة معاهد و جامعات يكونون فنانين مسرحيين. فكان مصطفى كاتب يكون كل تلك الفنانين بالممارسة بمشاركتهم مباشرة في الاعمال المسرحية. تعرفت على يسمينة البشوسة و انا طالب بالمعهد الوطني للفنون الدرامية والكوريغرفيا فرع التنشيط الدرامي المسرحي في 1976 عندما شاركت كممثل ثنائي في مسرحية ” زعيط و معيط و نقاز الحيط” لمحمد التوري و اخراج الهاشمي نوردالدين الذي كان من الاوائل الذين تخرجوا من المعاهد العليا المسرحية بالخارج.، المانيا و عاد مع زوجته “ليليان” الالمانية السينوغرافية اللامعة. ان الجدير بالذكر ان والد يسمينة استشهد محكوم عليه بالاعدام و عمرها لا يتجاوز شهرين من توقيفه بعد ولادتها في الفترة الاستعمارية، بحكم انه كان مناضلا في حزب الشعب الجزائري. الفنانة ياسمينة دوار ابنة مستشار ومناضل في حزب الشعب الجزائري تم توقيفه أسبوع “تركتها والدتها في أحضان جدتها بعدما أعادت الزواج، ودخلت ياسمينة المدرسة لتتوقف عنها وتتزوج في سن مبكرة (في سن ال 16) لكن الزواج يدم طويلا إذ تطلّقت بعدما أثمر هذا الزواج ابنتها نعيمة. اشتغلت بعدها كمربية أطفال بمستشفى بني موسى وكان ذلك سنة 1963.” شاركت الفنانة الشابة المتالقة في عدد كبير من المسرحيات و الافلام السينمائية على حد سوى اهمها في مسرحية ” دائرة الطباشير” لبيرطولد بريخت في 1969 من اخراج الهاشمي نورالدين حيث تعتبر أنجح مسرحياتها و في “إبليس الاعور” ىناظم حكمت لاخراج علال المحب في 1970 و “البوابون” لاحمد عياد ( رويشد) اخراج لمصطفى كاتب في 1973 و في “باب الفتوح” اخراج طه العامري في1975 و “سكة السلامة” لسعد الدين وهبة اخراج سعد اردش في 1976و في “الإنسان الطيب” ليبرطولد بريشت من اخراج الهاشمي نورالدينفي في1977 و ” المولد النوي الشريف” تاليف عبدالرحمان الجيلالي اخراج زياني الشريف و أورياشي عبدالله وشقراني في 1978و في “زعيط ومعيط وناز الحيط” لمحمد التوري اخراج الهاشمي نورالدين، و كانت اخر مشاركة بعدما انتقلوا الى وهران لتقديم العرض و في طريقهم مع فيلالي و زياني الشريف عياد و عز الدين مجوبي تعرضوا لحادث مرور خطير لقيت حتفها و فقد المسرح الجزائري فنانة متميزة في أدائها و مواقفها الوطنية. مثلت في عديد من الأفلام الجزائرية اهمها منها في فيلم «المزاح يتحول إلى حقيقة» في سنة 1964.،ثم في فيلم «الليل يخاف من الشمس» لمصطفى بديع إلى جانب كل من مصطفى كاتب، عبد الحليم رايس، سيد أحمد أقومي وغيرهم، و كان فيلما رائعا و في سنة 1968 مثلت في فيلم «الهجرة» وفي سنة 1971 «الكلاب» للهاشمي شريف، ثم «حكاية حورية»، في سنة 1975 فيلم «أبناء نوفمبر» لموسى حداد، وفي 1977 فيلم «حسان الطيرو في الجبل» لموسى حداد.، و كان كذلك اخر عمل سينمائي تشارك فيه و تترك لنا صورة لفنانة ممثلة نادرة بموهبتها في إدراك التشخيص الدرامي و آدائه بكل صدق و إحساس. فارقت الحياة أثناء عودة فرقة مسرحية «زعيط ومعيط ونقاز الحيط» من أرزيو إلى وهران، حيث قدمت آخر عرضها بمدينة أرزيو، توفي أربعة ممثلين من الفرقة في حادث مرور على متن سيارة رونو 4 وهم ياسمينة، عوشات، فيلالي وشايب الذراع، في حين نجا الشريف عياد وتوفيت ياسمينة يوم 19 يونيو 1977 عن عمر يناهز 36 عاما.، كانت لا تزال تثمر الخشبة المسرحية بآدائها الفني التمثيلي المتميز.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *