حيزيا في عيون قرائها..

حيزيا في عيون قرائها..
3.3
(3)

بقلم: الكاتب والأستاذ بوداود ماسينيسا

– عنوان الرواية : حيزيا
– الكاتب : الأديب الجزائري و الأكاديمي واسيني الأعرج
– سنة الإصدار : 2023
– دار النشر : خيال للنشر والترجمة
– عدد الصفحات : 322

✔ ملخص الرواية :

تبدأ رواية ” حيزيا ” بشاب إسمه ” خالد ” تعود أصوله من ” سيدي خالد ” في بسكرة و يسكن مع والده تاجر التمور في وهران و يبدأ هذا الشاب رحلة البحث العميقة في قصة ملحمية و هي ” حيزيا ” و يشد الرحال إلي سيدي خالد ، ليتعرف علي شاب إسمه ” مسعود ” و هو قريب لإمرأة عجوز لها مكانة كبيرة في سيدي خالد و تلقب ب ” لالة ميرة ” و يدله مسعود عن منبع لغز قصة ” حيزيا ” ، و يقصد خالد لالة ميرة من أجل معرفة أسرار القصة الملحمية المدفونة لسنوات في قبر أسرار القبيلة و ظن ان ما يبحث عنه سهل المنال و لم يكن يتصور أن لالة ميرة لن تحكي سر ” حيزيا ” إلا للشخص الذي كانت تبحث عنه كامل حياتها و من ينجح في الإختبار .
قدمت لالة ميرة إختبار لخالد و هو الولوج في الصحراء بحثا عن ” الغزالة الذبيحة ” التي رآها في حلمه و دفنها في مكان ما في الصحراء ، ليبدأ في رحلة محفوفة بالمخاطر من أجل أن يأتي بجلد و رأس الغزالة الذبيحة للالة ميرة ، و إثر تلك المغامرة يلتقي خالد بكلب سماه ” أطلس ” و ” سحلية صحراوية ” سماها كاميليا و يلتقي بشاب إسمه ” سراب ” هرب من قبيلته و يعيش في الصحراء هربا من القتل لأنه أحب شاب من جنسه و بعدما قتلوا حبيبه توعدوا سراب بالقتل ، و بعد أحداث متسارعة يعود خالد و ينجح في مهمته و يجلب جلد و رأس الغزالة الذبيحة أو الأم المرضعة للالة ميرة و في الأخير تبدأ لالة ميرة بقص الحكاية و سر ” حيزيا ” علي خالد .
تبدأ قصة حيزيا بنكتة أطلقها حبيبها ” السعيد ” إبن عمها عليها ، بعدما عاد إليها بعد غياب كونه يسكن في بسكرة مع أخواله بعد إغتيال والدده من طرف قبيلة بن ڨانة العميلة لفرنسا و العدو لقبيلة آل بوعكاز ، و يعود السعيد ليعيش قصة حب ملحمية في أعماق الصحراء و يمارسا الحب العاطفي و الحب الجنسي بين النخيل و غروب الشمس ليرسما لنا قصة حب ملحمية ، بينما كانت حيزيا تعيش فروستها و تتعلم الفقه و الشعر و بعض العلوم من أستاذها الفقيه الديني ” بن قيطون ” الذي عشقها بدوره و كان فارق السن بينهما 12 سنة فقط ، و تتوالي الأحداث بسرعة حتي تكتشف لالة عيشة والدة حيزيا حملها من السعيد و تستدعي أختها القايمة من أجل التحقق من الأمر و كيفية حل المشكلة و في نفس الوقت يقرر والدها و زعيم قبيلة الذواودة أحمد بلباي تزويج حيزيا من عبد الغني و هو حفيد خصمهم و عدوهم بن ڨانة من أجل حقن الدماء و تجاوز العداوات و ابحروب بينهما و إستعادة المشيخة ، فتوصلت النسوة لقرار و هو تكفل خالتها القايمة بإبنة حيزيا كأنها إبنتها لمنع مذبحة سيرتكبها والدها في حق السعيد و حيزيا و كل من كان معهم ، و في النهاية تم تجهيز حيزيا للعرس من عبد الغني قبل أن يتم تسميمها من طرف نسوة آل بن ڨانة و تموت بغدر بين ذراعي ” بن قيطون ” بعدما غادر السعيد نحو أخواله و قرر الإستسلام و الذهاب في سبيله بعد رفض عمه تزوجيه إياه حيزيا .

تحليل الرواية :

طالعت هذا النص بدقة و قرأت بين سطوره ، فالرواية طويلة تتكون من 322 صفحة و أهم شخصياتها كالتالي :
حيزيا ، خالد ، بن قيطون ، السعيد ، لالة ميرة ، أحمد بلباي ، عيشة ، القايمة ، الجازية ، مسعود ، ربيحة حنا ، حليمة ، سراب ، أطلس ( كلب ) ، كاميليا ( سحلية صحراوية ) .
إعتمد الكاتب في سرد روايته على أدوات فنية مختلفة و من أهمها الوصف ، السرد ، الحوار ، و كما إعتمد على أساليب فنية مختلفة من بينها الأسلوب المباشر في السرد و الغير المباشر و كان ينتقل بينهما من خلال توظيفه لتقنية المونولوڨ ببراعة عالية كمن يعزف على آلة موسيقية و يخلط بين الطبوع ليخلق لنا موسيقي رائعة و جميلة ، كما أجد الكاتب أبدع في الوصف و كان دقيق في ذلك و ألبس نصه لغة راقية و ذوبها في قوالب ثقافية عالية و بين السطور وجدت نفسي أمام كاتب له ثقافة واسعة و إطلاع بالأدب العالمي و مختلف الفنون منها الرسم و الموسيقي كالأوبرا ، و علوم أخري خاصة علم التاريخ و البحث العلمي و هذا ما جعله يبدع في هذا النص و يمزح كل ثقافته في هذا النص الإبداعي .
قسم الكاتب روايته لقسمين ، فالقسم الأول يبدأ من الصفحة 1 إلي غاية الصفحة 177 و هنا تناول بأسلوب غير مباشر مغامرات خالد و سعيه نحو الحقيقة و في قلب السطور عرفنا علي بعض الثقافة العالمية إذ قام بتشبيه السعيد ب الضابط الأمريكي فرانكلينت بينكيرتون الذي غدر بزوجته اليابانية شيو سان و تنتحر في النهاية بعدما تركت له ولد ، و كما عرفنا علي تقاليد الصحراء خاصة نواحي سيدي خالد و جغرافيتها و عاداتهم ، ليدخلنا في مخيلة واسعة من خلال قصة البحث العميقة في الصحراء و التي كان خالد بطلها .

أما القسم الثاني فيبدأ من الصفحة 177 إلي غاية 322 و هنا بدأت قصة حيزيا و رواية لالة ميرة لخالد و إعتمد على أسلوب غير مباشر و مباشر و كان الكاتب يراقص هذهين الأسلوبين فيدخل القارئ في قصة حيزيا تارة و يخرجه لحديث لالة ميرة مع خالد و يعيده لقلب القصة مرة أخري حتي نهاية الرواية .

اللمسة الفلسفية في هذا النص :

بعد قراءتي ما بين سطور هذه الرواية لمست توظيف الكاتب لمذهب فلسفي له صيت كبير في تاريخ الفلسفة و هو المذهب الوجودي الذي ظهر في العصر المعاصر و من أهم رواده الفيلسوف و المسرحي و الكاتب الكبير الفرنسي ” جون بول سارتر ” ، و قام الكاتب بإسقاط هذا المذهب الفلسفي في قالب أدبي ، إذ لمست نزعة وجودية فلسفية في شخصية حيزيا التي تمردت علي تقاليد مجتمعها و و رسمت صورة وجودية قوية و صرخت بأعلي صوتها أن جسدها ملكها وحدها فلا دخل للقبيلة في ذلك و هذا ما أودي بحياتها في النهاية و كما إلتمست توظيف الكاتب للتحليل النفسي بطريقة أدبية في نصه خاصة أفكار ” سيغموند فرويد ” رائد التحليل النفسي من خلال إظهار الجنس من أقوي الرغبات و له علاقة حتمية بالحب و بل هو السبيل لترجمة الحب .

النص كان مبدع بصورة كبيرة و أبدعنا واسيني الأعرج بثقافته العالية و تحكمه في تقنيات الرواية ، و من جهة أخري إلتمست بعض الأخطاء المطبعية الطفيفة و التي من الممكن حدثت بسبب ضيق الوقت من أجل تجهيز العمل للقراء و كما يمكن للكاتب أن يبدع أكثر في الجزء الأخير من موت حيزيا و إلتمست أنه إختصر الأحداث و كان بإمكانه الولوج فيها ، لكن ممكن ذلك بسبب ضيق الوقت و السباق مع الوقت لجاهزية النص .

من الناحية التاريخية فهذه الرواية غنية بمعلومات كثيرة و من أهمها :
– عمالة آل بن ڨانة للإستعمار الفرنسي و عداوتهم مع آل بوعكاز .
– غدر آل بن ڨانة لشيخ العرب ” فرحات بن سعيد ” من آل بوعكاز و إغتيالهم له .
– تورط أحمد باي حاكم قسنطينة في إنتزاع المشيخة من آل بوعكاز و تسليمها لأخواله من آل بن ڨانة .
– فروسية و شجاعة حيزيا و علاقتها مع بن قيطون و عشقه لها .
– علاقة السعيد مع إبنة عمه حيزيا .
– تسميم حيزيا من طرف نسوة آل بن ڨانة و موتها .
– أهم حدث في الرواية هو كون صاحبة اللغز لالة ميرة هي إبنة حيزيا التي رباتها القايمة .

و بخصوص الإتهامات التي طالت الأديب الجزائري ” واسيني الأعرج ” حول هذه الرواية ، فأنا أري أنه علي رافضي هذه الرواية أن يقدموا لنا اللأدلة و القصة التي يرونها حقيقية و هنا يجب الإمتثال لعلم التاريخ ، فواسيني الأعرج قال أنه لم يجد قبر السعيد و أن بن قيطون هو عاشقها و لو نتمعن في أشعار بن قيطون سنلتمس فيه صدق التجربة و مشاعر قوية ، و من جهة أخري علي رافضي هذا النص الإتيان بدليل تواجد قبر السعيد ، لأني أري أن الأديب واسيني الأعرج بحث في هذه القصة كثيرا ، و كما قلت فالرواية فن أدبي جمالي أكثر و علم التاريخ هو من يمكنه الفصل في القصة و ينتصر لصاحب القصة القريبة له ، و في النهاية أشكر الأديب واسيني الأعرج علي هذه التحفة الفنية الرائعة التي قدمها لنا و أمتعنا و لدار خيال .

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 3.3 / 5. عداد التقييمات: 3

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *