الديمقراطية الأدبية
بقلم باسم بلام/ الجزائر
كان مكتوبي مع مكتوب الأستاذ محمد بركات مثارا لقضية في النقد الأدبي كانت وماتزال وستبقى من موضوعات الجدل بين أهل الاختصاص وغيرهم، أعني بها قضية “الذوق” من حيث هو سبيل الناس -على اختلاف طباقتهم- إلى تلقي النصوص الأدبية.. فقد يستحسن الرجل القصيدة، بل يستجيدها، بل ينتشي ويطرب لما فيها من بديع الصورة، ومحكم العبارة، ورائق الألفاظ، ومنضبط الأوزان.. ويأتي غيره ممن هو أهل لأن يبدي رأيه، فلا يرى فيها ما يكون موضعا لإعجاب، وتمر على ذائقته ولا أثر.. إن هذا الأمر مما يستساغ ولا تثريب فيه على أحد، ولا يكون ذلك إلا بشرطين اثنين:
– الأول: أن يكون هذا المتذوِّق من أهل الاختصاص، فالمعتَبَرُ في كل فنٍّ أهلُ ذلك الفن، المتعاطون له، بحيث يُعرَفون عند خواص وعوام الناس به.. وقد ردَّ راوية المتنبي أبو الحسين المغربي –وأراه مبالغا- على أحد المدعين للتفوق على أبي الطيب، إذ زعم أن أبا سعيد السيرافي حكم لقصيدته بأنها خير من قصيدة المتني، وأبو سعيد السيرافي رأس في اللغة والنحو، فقال المغربي مستنكرا: “ومن جعل الحكم في هذا إلى أبي سعيد؟ إنما يحكم في الشعر الشعراء لا المؤدِّبة..”، واستشهد بصنيع النابغة في خيمته في سوق عكاظ… (معجم الأدباء، ج02، ص527).
– الآخر: وهو ينبني على الأول، أن يكون النص المتذَوَّقُ أدبًا على الحقيقة لا أدبا مُزَوَّرًا، فما أكثر ما يُطلَقُ لفظ “الأديب” في هذا الزمن على من بينه وبينه الأدب كما بين مُشرِّقٍ ومُغرِّبٍ، أعني أن تتوفر في الأسلوب صفة “الأدبية” التي تجاوز الكتابة في درجة الصفر، لأن الذي يفحص بعض النصوص المنشورة تحت مسمى “الأدب” اليوم يراها وحكيَ العوامِّ في المقاهي سواءً، خاصة الإسفاف الذي تعانيه النصوص الروائية بسبب سهولة مركبها، فالناس يَرهبون الشعر لخصيصة الوزن، حتى صرنا نرى طوابير من “الروائيين الجدد” يصطفون في زحمة سوقٍ بارت فيه بضاعة الأدب الحقيقي.
بعد هذين الشرطين صار لكل أحدٍ الحَقُّ في أن يحكم على النصوص ويُلْتَفَتُ إلى رأيه، أما دونهما فآراء “العامة” تبقى للاستئناس لا غير.. إذ غالبا ما تكون النصوص الأدبية الجيدة عند العامة جيدة عند “الخاصة” أيضا، والعكس صحيح.
أعود إلى ما أثرته في المقدمة من قضية “الذوق” والاختلاف فيها، إن هذا مما لا يجادل فيه أحد على الأقل بلسانه، وإن كان حال كثير منا بخلاف ذلك.. دائما ما قادني التفكر في الاختلاف بين نقدة الأدب والأدباء أنفسهم إلى ملاحظة التباين في الموقف من النصوص الأدبية تأسيسا على الاختلاف في المدرسة الأدبية؛ بمعنى أن المحافظين يمجدون النص المحافظ مهما كان حظه من الإبداع، كثر أو قل، وكذلك يفعل “التجديديون” أو “الحداثيون” مع نصوص “طائفتهم”، فخضع الأدب -وبالتَّبَعِ النَّقدُ- للشللية الأدبية، الولاء والبراء فيه مقيد بأبجديات قنَّنتها الطائفة، وفي هذا ظلمٌ للخصم بهضم حقه في الوجود، وظلمٌ للنفس والمريدين بحرمانهما من الاطلاع على أدب “المخالف”، وظلمٌ للأدب نفسه بتضييق مضاميره الرحبة التي تسع الجميع.. وإذا كان ظلمٌ واحدٌ ظلمَاتٍ بعضها فوق بعض فما بالك بظلم فوقه ظلمان؟!
انظر في كل ميدان من ميادين الحياة الإنسانية، لُبُّ حيويَّته مبنيٌّ على وجوده المختلف الصور، بحيث تكاد يهولك ما انبنى فيه من الخلاف الذي هو قاعدة كونية راسخة، ولايزالون مختلفين ولذلك خلقهم؛ فهذا دين الله الذي تكفل –تعالى- بحفظه قد فُهمَت نصوصه القرآنية والحديثية فهمًا يقوم معظمه على الاختلاف، وهو ما فتح الباب لكثرة الآراء الفقهية، وثراء المدونة التشريعية الإسلامية، فمذاهب أهل السنة أربعة بل أكثر، ومذاهب المخالفين لهم وهم في الدائرة الإسلامية لا يكادون يحصون، هذا شرع الله الذي يصطبغ بصبغة “القدسية”، ثم انظر كذلك إلى ما فيه من الاختلاف في المذاهب الأصولية، والمدارس الكلامية، والتيارات الفكرية.. مما صار من دلائل عظمة هذا الدين، ثم تتأكد عظمة هذا الدين بوجود الأقوال داخل المذهب الواحد والمدرسة الواحدة، بل قد تجد للإمام الواحد قولين مختلفين، كما كان حال الشافعي في قديم العراق وجديد مصر. هذا ما كان من شأن الاختلاف في فهم نصوص الدين “المقدس”، فكيف يُمْنَعُ ذلك في تلقي نصوص الأدب وهي نصوص لا قداسة لها؟!! وانظر إلى الناس في الملبس والمأكل والمشرب والمسكن والغناء والعلوم وما شئت من بعدُ، قوام أمرهم في ذلك كله الاختلاف والمباينة.
إن الإقرار بـ”الديموقراطية الأدبية” التي تكفل للمتأهلين حق الإبداع، وحق الاختلاف في اعتماد القلم الذي يناسب أذواقهم وعلمهم مما تظافر على تكوينه شروط كثيرة، إن الإقرار بذلك حتم لازم؛ فأنت تجد في الأدباء من يميل إلى القديم، وآخر إلى الحديث، وغيره يحاول التوفيق أو التلفيق وبنسبٍ متفاوتَةٍ، حتى إن ادعاء “الاتفاق” يصير من ضروب الدعاوى الكاذبة كذبا محضا. فهذا النثر مثلا، في الناس من يخلب لُبَّهُ “الأسلوب البياني” عند الجاحظ والتوحيدي والرافعي والزيات والإبراهيمي وشاكر.. حيث يجد اللفظة العربية الجزلة، والعبارة المتينة المحكمة، والتراث الدسم الريان. وفيهم من يستهويه “الأسلوب الشعري”، أسلوب تفجر ينبوعه بأقلام الرومنسيين خصوصا، فهو يهيم بجبران ونعيمة والريحاني ومي.. وهو جيل امتد بأسلوبه في كتابات بعض المعاصرين كغادة السمان وأحلام مستغانمي الذين سجلوا حضورهم بقوة في الخاطرة الأدبية، وهو أسلوب أليف المعجم، بارع الصورة والخيال، هائج العواطف.. وقد وجد هذا الأدب لنفسه حظا عظيما عند عموم الناس؛ لأنه يمس منهم شغاف القلوب التي هي بوصلة كثير منهم في الحياة.. بينما في الناس من يميل إلى “الأسلوب الإنشائي” الذي تزخر به كتب المنفلوطي وطه حسين.. حيث العبارة السهلة، والمعنى القريب، والسلاسة التركيبية.. وفيهم من يميل إلى “الأسلوب الفكري” ورأسه العقاد، حيث يحضر العقل المتفضي، والتحليل المستقصي، والتعليل الأمكن، والحجة الدامغة…
إن “الديموقراطية الأدبية” التي وجب الاحتكام إليها تصون حقوق الجميع في الحياة الأدبية، ولا تقصي إلا من لم يتأهل من الناس من الأدعياء وما أكثرهم!! وهي ديمقراطية كانت حاضرة في أدبنا القديم حضورا قويا، حتى إن ثمة نصوصًا نفيسةً للناقد العبقري حازم القرطاجني (ت:684هـ) تصح أن تكون وثيقة تُبْنَى عليها هذه الفكرة التي لو تبناها الأدباء جميعا، لكانت خيرا عميما على الآداب العربية. يقول القرطاجني (منهاج البغاء وسراج الأدباء، ص 354): ” إن أساليب الشعر تتنوع بحسب مسالك الشعراء في كل طريقة من طرق الشعر، وبحسب تصعيد النفوس فيها إلى حزونة الخشونة أ وتصويبها إلى سهولة الرقة، أو سلوكها مذهبا وسطا بين ما لان وما خشن من ذلك..”. ثم يقول في (ص 374): “إن المفاضلة بين الشعراء الذين أحاطوا بقوانين الصناعة وعرفوا مذاهبها لا يمكن تحقيقها، ولكن إنما يفاضل بينهم في ذلك بحسب ما يلائمه ويميل إليه طبعه، إذ الشعر يختلف في نفسه بحسب اختلاف أنماطه وطرقه، ويختلف بحسب اختلاف الأزمان وما يوجد فيها مما شأن القول الشعري أن يتعلق به، ويختلف بحسب اختلاف الأمكنة وما يوجد فيها مما شأنه أن يوصف، ويختلف بحسب الأحوال وما تصلح له وما يليق بها وما تحمل عليه، ويختلف بحسب اختلاف الأشياء فيما يليق بها من الأوصاف والمعاني، ويختلف بحسب ما تختص به كل أمة من اللغة المتعارفة عندها الجارية على ألسنتها”. فهل بعد هذا الكلام البصير من كلام؟ وكأنما اقتدر القرطاجني على هذه المعاني من جهة أنه ضليع في العربية وآدابها، قائم على كتب اليونان بشرح أقواليهم فيها، فكان كلامه هذا فصلا نفيسا في (المنهاج).
