أسلي غربتي بدفء الرخام
إسماعيل يبرير
أيّها الوقتُ صرتَ تمطُّ الخُطى،
هادئا كعجوزٍ تمهّلَ توقُهُ للعشقِ؛
خيّب نزعتهُ الأنثويّةَ
خيّبهُ العمرُ والأصدقاءُ الذين قضوا؛
فمضى هائما، غائما
دائما في الأساطير يبحثُ -نبحث- عن حالةٍ تنقذُ المتورّطَ منّا
أيا وقتُ صرت تلفّ مشاعرنا مثل تبغٍ؛
وتنفثُ فينا الرّغائب؛
تنثرنا في الهواء
ورحلتنا كالمجازِ نلاحقها في الفضاء، فتأبى،
ونأبى الخضوعَ لمحنتنا
لا تضاريسُ نمسحُها فنرى،
لا عواصف تمسحنا فنُرى
أو بريدٌ يدوّنُ أشواقنا
لا غناء يجيّشُ حالاتنا
لا يهدهدنا حلمٌ أو يحفّزنا
وفقط كلّما اقترب اللّيلُ كنّا ندخّنُ كلّ السّواد؛
لنغفو عند الصّباحِ
** ** **
سنلوكُ الغياب نمجّدهُ
وسنقراُ بين مكانٍ وآخر شاهدةً نتوهّمُ أسرارها
(ليكون تواصلنا جيدا،
لتكون لنا لغةٌ،
لنؤسّس نحوا جديدا يروقُ لأضدادنا،
لنقيم احتفالا بتاريخنا،
فالبقاء بلا آخرين؛ تماما؛
كما الانصراف وحيدا
ومن لا جذور لآلامه التهم المرّ
هدّم معنى
تقولُ حروف الرّخام: “نُشَيّئُ بعد الرحيلِ
ويبرد نبض الحبيب
القريب
المريب
الكذوب الذي ظلّ يرقبنا
ثمّ يخدُشنا –عادة- شارعٌ يتسكّعُ فيه الضّياعُ بلا رايةٍ”
** ** **
في المكان
ألا نستطيعُ التقاطَ خُطانا من الوقتِ؛
ننسبها للغريبِ ونرضى بهامشنا
فلعلّ الهوامشَ تشرحُ أفضل ظلمَ المتونِ
ألا نستطيعُ التعجّلَ والاقتصاد بشأن النّظام الذي تستبيحهُ دائرة بعقاربها؟
ساعةُ الأرضِ تقفزُ،
تفزعُ فكرتنا،
غرباءٌ
وتنكرنا الفاكهاتُ،
وكلّ المعادنِ تنكرنا
تتلفّتُ كلّ الجهاتِ تدورُ
ونفقدُ وجهتنا والصّباحَ وأقمارنا والمسافةَ،
أسلوبنا في السّؤال،
توهّمنا الدّفء،
لذّتنا في النُّعاس،
ونفقدنا
** ** **
كنت أسعدُ حين أضيعُ وأمحوَ مفهوميَ الفلسفيّ؛
وحبلَ الكلام،
ذوقيَ في الفنّ
ذاكرة الهاتف المتواضع
أفرحُ حين تصيرُ الحكاية زيفًا يعلّقنا
فأفكّر في لوحة لسحاب يُفكّرُ في الأرض يفرشُ فرحتها
في الخريفِ
** ** **
جلسنا على سُدّةِ الوهمِ نرقُبنا
قلتَ لي: “تتجنّبُ بحر الهروب؟”
-أتمتمُ: “لكي لا أموت وحيدا
أولّدُ قصّتيَ الآن
أرسُمها بجناحينِ ثمّ أرينيَ شكلَ ولونَ الخلاصِ
أكنت تظنّ بأنّ “الحكاية تعرفُ كيف تؤلّفنا”؟
“أيّها البلدُ الواقعيّ اخترِعنا أهمّ من الواقعيّة
دعنا نواصلُ
إنّا أثاثكَ،
فامنح أثاثكَ بعض البهاءِ وبعض الغموض”
