نحو تفكر فلسفي عربي جديد

نحو تفكر فلسفي عربي جديد
0
(0)

 

عمر بوساحة

لم أستطع لظروف قاهرة منعتني من المشاركة في الندوة التي انتظمت في تونس حول موضوع على غاية من الأهمية، والمتمثل في البحث عن أطر جديدة لتفكير فلسفي عربي معاصر، ندوة من تنظيم مؤسسة الفكر العربي بالشراكة مع معهد تونس للفلسفة. والموضوع على الرغم من أهميته القصوى وراهنيته، لا أظنه قد كان غائبا عن مجال اهتمام المشتغلين بالفلسفة في العالم العربي، فقد عقدت فيما نعرف الكثير من الندوات والملتقيات تتقاطع مع موضوع الندوة، وتنبه الى خطورة الوضع، وأجرت الكثير من الحكومات العربية تحسينات على مناهجها التعليمية المتعلقة بتدريس الفلسفة، ولكننا بالقياس الى ما هو سائد والذي هي عليه هذه المادة حاليا في بلداننا نحتاج الى أكثر مما انجز بكثير، وعليه فنحن نثمن هذا اللقاء الذي نظم في تونس وندعو الى ملتقيات أخرى شبيهة من أجل تدارك هذا الوضع غير المطمئن الذي تعيشه الفلسفة في عالمنا العربي.
تجديد التفكر في الفلسفة ليس بالأمر الجديد ولا هو بالدخيل فقد شهدت الفلسفة عبر تاريخها المدون مراجعات جذرية كثيرة أعادت فيها النظر في مناهجها وفي ماهيتها نفسها. فقد طال النقد الذي تتوسل به الفلسفة كسلاح ماهيتها والمناهج التي تستخدمها في التعامل مع قضاياها، وأدى ذلك الى مراجعات عديدة للطرق البيدغوجية في تدريسها، وقد أدت تلك المراجعات المتكررة والشكوك التي انبنت عليها والتأسيس الجديد المنبثق عنها الى انتباه فلاسفة العصر الى ضرورة ان تهتم الفلسفة بالواقع المعيش للبشر وقضاياهم اليومية من أجل اعطاء متنفسا لها، وجرعة من التحرر للانسان في زمن كبلته ثقافة الاستهلال وسيطرت فيه التكنواوجيا على مصائر الانسانية.
لقد فقدت الفلسفة حيويتها ولم تعد تملك تلك المصداقية التي امتلكتها عبر مراحل زاهية في الحضارات الانسانية، لأنها ببساطة لم تغادر أسئلة وموضوعات تقادمت، وتعالت فيها على هموم الناس ومشاكلهم اليومية واشتغلت على تنظيرات مثالية زادت من غربة الانسان عن واقعه حتى ضجر الناس منها وأصبحوا ينكرون أهميتها وجدواها للثقافة والمعرفة.
ليست الفلسفة في البلدان العربية بمنأى عن هذه التحولات ولا عن هذه المشاكل على الرغم من ان حضورها في الحياة الثقافية والتعليمية هو هامشي بالقياس الى وضعها في مجتمعات العالم المتقدم، لأسباب عديدة لسنا بصددها الآن. ولكنها وعلى الرغم من كل ذلك مطالبة بتجديد نفسها وتجديد أسئلتها ومناهجها، ومن دون ذلك سيكون سبيلها الإندثار والفناء، بسبب ثقافة يؤطرها الماضي ويتحكم فيها الجهل بكل أشكاله، تحكم لم يعط الفرصة للعقل لينفذ الى عالمها.
أكيد، فوضع الفلسفة في عالمنا العربي هو أشد تأزما مما هي عليه مثيلتها في العالم الغربي، لذلك هي مطالبة بجهد أكبر ليتسنى لها تجديد نفسها في هذا الركام الثقافي والمجتمعي الذي أحاط به التردي من كل جوانبه، وحتى المحاولات الخجولة التي تظهر بين الفينة والأخرى لا تزال تواجه صدا اجتماعيا وسياسيا تحتاج من أجل احتوائه وتجاوزه الى كثير من النضال والصبر، فقد تغولت الثقافة الشعبوية ــ الغوغائية الى درجة أنها لم تعد تسمح الى أية ممارسة فكرية لتزحزح التكلسح الذي استحكم في ثقافتنا، وتمنع العقل من ممارسة دوره النقدي التحرري.
لم يعد أمام الفلسفة في عالمنا العربي وهي في الوضع الذي هي فيه، باعتقادنا، سوى بالانخراط نقديا في العالم المعيش للانسان العربي. ان العوائق التي تكبل حريتنا وتمنعنا من صناعة الحياة، ومشاركة الانسانية ثقافيا كثيرة ومتعددة الأوجه، ولا مخرج لنا من هذه الوضعية إلا بتوجيه فكرنا الفلسفي الى هذه القضايا، قضايا اليومي وقضايا الحياة. بهذا نعتقد أننا سنجدد فكرنا الفلسفي ونبتعد عن مشاحنات الغزالي وابن رشد التي تحكمت في درسنا الفلسفي طويلا، ونتخلص بشكل كبير من قضايا مغلوطة ووهمية ضيع فيها الدرس الفلسفي في عالمنا العربي وقتا ثمينا.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *