الأرجواني لغة عصية على الفهم..
شامة درويش / الجزائر
قراءة تأويلية في لوحة الفنان التشكيلي صالح جمل
كانت أمي تهشم الدباغة، وتطلي بها شكوة الحليب، وهي جلد أصله شاة (ماعز أو خروف)، كان لونها يستغرق بين الأحمر والبني، لكن أنامل أمي تضفي عليه لمسة سحرية، كأن تحمل حليبا كثيفا بين الخام والمتحول، وتطعّم به حمرة الدباغة، فتستحيل لونا لا يتحلل مع العمر..
تحمل الخليط لترمم به شقوق الجلد، ليكون جاهزا لمخاض زبدة خرافية، وبين لمستها السحرية وفرشاة فنان معجون من قلب الأهراس، ولدت الدباغة بريشة فنان لا يتحدث كثيرا، ولا يقول إلا رموزا ملغزة، تحمل مالانهاية من التأويلات..
تعرض أمي الجلد أمام سماء (التراب)، وتنتظر تحت سقف الله إلى أن يجف، وتعيد الكرة في ظل السرو، وتعيد وتعيد، حتى تكتفي الشقوق، وترسل لذتها عبر مذاق عصير الحليب اليدوي..
تلك سماؤك أمي، وهذي سماء اللوحة، تخترق الدباغة من علِ، ينزل اللون السماوي كثلج ليلة شتاء هادئ، فيخترق التاريخ، ويكتب اسم أجدادي بالتيفناغ، دون أن ينزل من عليائه..
تتلألأ الهوامش الفاتحة، وبياضات النور، تتراقص الأوشام والأحزان على دروب معزولة من الكاميرات المخادعة، تتفتح أرجوانية الروح، بين رغبة امرأة وصوت رجل حاد.. بين شبق التراب للسماء، وأيقونة الخصب وعقم العبارة..
صفار باهت لا يقاوم لون الدباغة، بالكاد يحاول إيقاظ فتنة البرود، فيهيج قلب الريشة إلى البني المحمرّ..
إلى حمرة القلب والدم الفائر، إلى دم العذراء بعد تشكل الخلق في رحم غض، إلى ثورة فنان يحاور النار والحب والبرد
إلى سلام دائم يخترق عرض (الدباغة) وينزل طوليا ليقول: ثنائية الحب والثورة، أو السلام والغضب..
كيف لا يثور من يحمل في قلبه روحا حمراء، ورداء من نار، ورؤيا مبهمة، أو واضحة، لا يهم…
حاولت اختصار الألوان في لغة، وقد تكون لغة سلبت روح اللوحة، لكنها تختصر لون الدباغة، ولون وجنتيْ أمي، ولون فوران الدم في وجه أبي..
كنت محاطة بالأحمر، والثورة، وشكلت وردة للوطن في روح طفلتي، ولما ترجلت لغتي من سرج التردد، خرجت لتحكي بعض ألوانها..
هل حقا لونتُ المعنى؟
(اللوحة للفنان الجزائري ابن مدينة سوق اهراس صالح جمل)
