سيميائية الدمعة إيمان خليف

سيميائية الدمعة إيمان خليف
3.3
(12)

بقلم سمير عباس

سيميائية الدمعة… إيمان خليف
يمر علينا صيف 2024 في الجزائر و في كل بلاد العالم الشريفة حزينا متعبا، حكاية سبارتاكوس تعيد نفسها بأشكال كثيرة متعبة هذا العام، سبارتاكوس يقف وحيدا في الحلبة ليدافع عن كل القيم الإنسانية الفاضلة التي تنزف بشدة، و الحكاية في نسختها الجزائرية تجد حلبتها في العاصمة الفرنسية باريس التي نظمت الألعاب الأولمبية على ضفاف نهر السين الذي يعرفه الجزائريون جيدا منذ أيام ثورة التحرير المباركة، في هذه الحلبة التي يحيط بها جنون الغرب القاسي وقفت الشابة الجزائرية أصيلة ولاية تيارت الجزائرية إيمان خليف، تيارت التي كانت تسمى قديما تيهرت كانت واحدة من أهم العواصم الجزائرية القديمة و يكفي في هذا الحين أن نتذكر مكتبتها العامرة.
إيمان خليف شابة جزائرية من عائلة بسيطة كغالبية عائلات المجتمع الجزائري، لكنها شابة استثنائية جدا، قبل سنوات أي ملاك حارس أقنع الطفلة إيمان أن تبيع الخبز على قارعة
الطريق حتى تسدد مستحقات رياضة الملاكمة، الرياضة عند الفتاة الجزائرية بشكل عام لا تحظى بالإقبال، فما بالك برياضة الملاكمة التي هي عادة رياضة رجالية، أحيانا يجد بعض من الأباء متعة في مرافقة بناتهم في عمر مبكر جدا لتعلم رياضة قتالية، لكنهم سرعان ما يفقدون الحماس، لكن إيمان فيما يبدو أحبت هذه الرياضة في قرارة نفسها، فبنات العائلات البسيطة لا يملكن عادة ترف ممارسة هواية، الأمر أكبر من مجرد هواية لدى إيمان الطفلة، لعله شغف مبكر بخفة و رشاقة حركة الملاكم في الحلبة و اقتناصه للفوز بذكاء نادر، لكن هل كانت تلك الطفلة الفقيرة تحلم بفوز كبير؟
ربما كانت هذه المقدمة كافية لتفسير وصول إيمان خليف إلى أولمبياد باريس ممثلة لوطنها في وزن أقل من 66 كلغ.
في منازلتها الأولى مع الملاكمة الإيطالية حدثت المفاجأة الغريبة، بعد ستة و أربعين ثانية انسحبت الإيطالية من المنازلة لتدلي باكية بتصريح عن كون لكمات خليف قوية بشكل غير عادي بالنسبة لامرأة، و سرعان ما تناقلت جهات غربية كثيرة على كل المستويات هذه الكلمات لتشن حملة مسعورة ضد خليف بتهمة كونها رجلا بيولوجيا يتوجب طرده من المنافسات الأنثوية، كانت الحملة مسعورة و مكثفة بشكل قاس حقا، لهذا و بعد الفوز الموالي لخليف على الملاكمة المجرية تغلبت الدمعة على صمود إيمان الأسطوري و سقطت على الحلبة أمام كاميرات العالم، كانت دمعة حزينة ملؤها الأسى و الشعور المر بالخذلان.
تجاهلت خليف هذه الحملة الجهنمية المسعورة ضدها حتى نالت الميدالية الذهبية بكل جدارة و استحقاق.
لكن ما نفهمه نحن الجزائريون و ربما يجهله غيرنا في بقية بلاد العالم، هو شفرة ثقافية معرفية، المرأة الجزائرية الأنثى الأصيلة لا تعبر عن الأسى و الخذلان بالصراخ و العويل مثل المرأة الغربية، الأنثى الجزائرية الأصيلة تتماسك في أحلك الظروف، لكنها حين تنهار لا يتجلى انهيارها إلا عبر دموع ساخنة تحاول إخفاءها عن الآخرين، الأنثى الجزائرية لا تعبر عن أساها و ألمها و خذلانها إلا بالدموع التي تتمكن من التغلب عليها، و من منظور السيميائيات فإن الشفرة الثقافية هي سلوك الناس في مجتمع معين لتفسير مدلول علامة معينة بشكل يتفقون فيه على المدلول ذاته، و كون هذه الشفرة الثقافية معرفية أيضا هو ارتباطها بسلوك عرق بشري معين في بيئة معينة.
و بالعودة لموضوع الشفرة الثقافية يجب أن يتذكر الغرب قصة الأديب الفرنسي بلزاك و التي تتحدث عن ثقافة توظيف المخصيين في الغناء في الأوبيرا الإيطالية بوصفهم إناثا بعد تدريب في عمر مبكر جدا، و قد درس هذه القصة السيميائي الفرنسي رولان بارت، فالجزائر لم تكن لها عبر التاريخ تقاليد مع المتحولين جنسيا.
و بالعودة مجددا للشفرة code الثقافية فإن إيمان خليف تعاملت مع هذه الحملة المسعورة بتماسك يكاد يكون أسطوريا، و حافظت على الحلبة و في تصريحاتها الصحفية على أخلاق الأنثى الجزائرية الأصيلة، فهي لم تتفوه بما لا يليق و لم تتصرف بما لا يليق خلال هذه الأيام الطويلة القاسية، و حتى نتكلم بلغة العلم أتساءل إن كان الرجال البيولوجيون يمتازون بمثل هذا الانسجام الانفعالي الأنثوي، أجيب أن ذلك مستبعد تماما.
في الختام أحب أن أقول أن إيمان خليف قد مثلت الأنثى الجزائرية أحسن تمثيل في هذه المناسبة الرياضية الدولية، كما أنها أعطت أجمل الصور عن الأخلاق الرياضية الأولمبية خاصة من خلال تعاملها الودي مع نظيراتها الملاكمات الأسيويات.
بقلم سمير عباس من الجزائر مع جزيل الشكر للمبدع الجزائري عبد الحميد إيزة الذي نبهني لضرورة الكتابة عن الأيقونة الجزائرية المتألقة إيمان خليف

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 3.3 / 5. عداد التقييمات: 12

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *