مانيفيستو الخروج، قراءة في ديوان تداركت قربك
بقلم: د شفيقة وعيل/الجزائر
كلّما قرأت للبروفيسور آمنة بلّعلى قلت هي فيلسوفة تنظر إلى النصّ من منظار الــ”ميتا” (meta) بحثًا عن رؤية الوجود التي تحرّك الإبداع أو التي تحرّك المناظير النقديّة المشتغلة على الإبداع. ولم يخطر ببالي أنّ الدكتورة آمنة قد تغادر العرش العلويّ لفلسفة النقد كي تمشي في حواري النصّ وتبني بنفسها تفاصيله، فتتنزّل من النظر في الإبداع إلى ممارسة الإبداع نفسه.
عندما تواصلت معي الدكتورة آمنة لأقدّم لديوانها تداركتُ قربَك لم تقلقني مغامرة اقتحام الشعر كما يحدث معي عادةً، بل أخذتني رهبة اقتحام هيبة التنزُّل بين عالمَين مختلفين في الهويّة الأنطولوجيّة. فتملّكتني الحيرة من مقاربة طبيعة هذا التنزّل وفلسفته، وعبّرتُ لها عن رهبتي هذه، لكنّها هوّنتْها عليّ بكثير من السكينة التي اعتدناها منها. ولأنّ المقتَحم جلل، فسأكتفي بما أرفع به عن نفسي عتب القراءة الأولى لديوان الشاعرة آمنة، في محاولة غير “آمنة” جدًّا تستدعي إلى النظر روحَ الناقدة آمنة، إلى حين عودة أخرى على مُكث. سأنفذ إلى هذا التقديم إذن من منفذ قراءة المواجهة بين الناقدة القديمة والشاعرة الجديدة، وأحاول النظر إلى تحاورهما في الانتقال الأنطولوجيّ والممارساتيّ. وللاحتراز شبه المنهجيّ، فإنّ هذه التجربة المغرية لقارئة مثلي تزعم أنّ لها نسبًا إلى النقد والشعر والفلسفة، تستدعي في الحقيقة النظر إلى طابع هذا التحوّل ومقوّمات الانتقال من حيث طبيعة المجاز ومن حيث فلسفة التعامل معه. ولذلك سأقتصر في هذه القراءة على القصيدة الافتتاحيّة التي تواجه فيها الشاعرةُ آمنة الناقدةَ آمنة وتحدّثها بكلّ انفتاح عن مبرّرات وضرورة هذا الانتقال أنطولوجيًّا وفنّيًّا.
تنشر قصيدة الافتتاح “توبة إلى المجاز” ما يطويه عنوان الديوان “تداركتُ قربك”، والذي يجيء مهمومًا بفعل المراجعة المختزَل في عبارة “تداركتُ”، ومكثَّفًا في التعبير عن سعيٍ مرهِق للوصول فيما يبدو أنّه محاولة أخيرة لإنقاذ الذات. وعبّرت الشاعرة عن هذه الحركيّة الحميميّة والمحمومة بكثير من الوضوح، بما يُشعِر أنّ هذه القصيدة هي المانيفيستو الذي تعلن فيه الشاعرة للناقدة اعتناقَها لدين الشعر.
يُبرز هذا المانيفيستو علاقة خاصّة بين النقد والشعر تعكسها العلاقة بين الشاعرة والناقدة، وهي علاقة أشبه بعلاقة الابن بأبيه أو المرؤوس بالرئيس أو المريد بالشيخ. ففيما يشبه المونولوج الداخليّ تخاطب الشاعرةُ الناقدةَ بلغة عقلانيّة أقرب إلى لغة النقد منها إلى التسامي الشعريّ الذي يبرز في كثير من قصائد الديوان الأخرى، في محاولة لإقناعها بمبرّرات الانتقال. ونلحظ أنّ المانيفيستو هو استئذان بالدخول إلى حضرة الشعر أكثر من كونه مرافعة، فهو أقرب إلى الاستعطاف والإحاطة بالمبرّرات في نبرة تحتدّ أحيانًا وتخفت أخرى. ومع هذا لم يكن الحوار بين الشاعرة والناقدة هادئًا كما قد يشي به البناء المرتَّب المنطقيّ للنص والذي يستدعي نوعًا من حكمة الكلام وحكمة الإنصات، بل فيه من الاشتعال ما يكفي لنقول إنّ مشروع الانتقال واعتناق دين الشعر لم يكن قرارًا سهلًا وأنّه أخذ من الشاعرة ما أخذ من العمر والجهد لكي تقنع الناقدةَ فيها. فحتّى في غمرة الانتقال، كانت الشاعرة تعاني من سطوة الناقدة التي كان صوتها غائبًا بالكلّيّة ولم تقدّم دفاعيّاتها عن النقد، بل مارست اشتغالها المتعالي بالإيمان نفسه والسطوة ذاتها. لقد حضرت الناقدة بقوّة في سيطرتها على توجيه النصّ وبنائه وفق حمولتها المعرفيّة التي تجلّت في السرديّة الخطيّة الزمنيّة المنطقيّة عند تقسيم النصّ بين ما قبل الانتقال وما بعده، وفي إعادة بناء المشهديّات وفق الترتيب والتناظريّة في استحضار الأشياء نفسها والحديث عن تغيّراتها في الحالتَين، ولو كانت الشاعرة مسيطرة في صياغة المانيفيستو لما وجدنا هذا الاتّساق والتناظر الذي يشبه أن يكون مرافعة منطقيّة مؤسَّسة الحجاج، ذلك أنّ الشعر في جوهره ابن الفوضى والتداعي. وتظهر سطوة الناقدة أيضًا في اكتظاظ النصّ بالمصطلحات والمفاهيم وبالأخصّ الصوفيّة التي توالفت معها طويلًا في مشاريعها النقديّة، وإن كانت الشاعرة تتدخّل أحيانًا لتنقل هذه المصطلحات من مستوى “الكلام عن” (النقديّ) إلى مستوى “الكلام في” (الشعريّ).
من مظاهر ارتجاع الشاعرة آمنة إلى التصوّف قيامُ المانيفيستو على أفكار محض صوفيّة: الخطفة، ومبدأ التخلية والتحلية، وعقديّة المجاز، وشعريّة العروج. في بدء الانتقال، تحدّد الشاعرة نقطة المنطلَق “الآن” (الآن أفتح بابا آخر للكلام…)، وفي إسناد فعل الفتح إلى ذاتها نفهم أنّ الشاعرة اختارت الشعر طوعًا، لكن ليس من حيث المنطلَق بل من حيث الاستجابة، فلولا أنّه اختارها بأن ألقى بريقه في خاطرها (وحين لمعت في خاطري نجمة) ما كانت لتدخل حرم الشعر الذي هو حالة من التسامي الصوفيّ عندها، وعليه لا يُدخَل إليه إلّا بإذن. بل وحين دخلته دخلته للاستكشاف أو اللّهو/الاصطياد (“قلت أصطاد القطا”) لتجد نفسها بعد حين تعيد تشكيل الوجود في محاولة مستميتة للنجاة.
من جهة أخرى أيضًا، تبدو التجربة الشعريّة في هذا المانيفيستو محض تجربة صوفيّة من خلال مبدأ التحلية والتخلية الذي يمثّله الخروج “من” والخروج “إلى”. ففي التخلية تقدّم الشاعرةُ الخروج “من” بسوداويّة مغالية، بينما في التخلية تستحثّ نفسها على الدخول إلى حضرة الشعر المشرقة، فتسبغ عليه أوصاف الحركيّة والنور والانبعاث إلى الحياة. وبين الناقدة التي تصف وجودَ غيرها والشاعرة التي تفعّل وجودها تحتدم جدليّة التحلية والتخلية، فتبرّر الشاعرة في القسم الأوّل من القصيدة لضرورة هذا التحوّل الأنطولوجيّ من خلال رسم صورة للناقدة المحنّطة المسلوبة الكينونة والمهدّدَة الوجود، ليسود هذا الجزءَ توظيف الصفة الساكنة (لغة باردة، حاّدة كسنّ الرمح، كلماته كقشّ يابس، رخام المعنى)، وتقديم الناقدة مسلوبة الإرادة التي تقع أغلب الأفعال عليها (مغمورة بلغة باردة، محاصَرة بالنظريّة والمنهج، مُرهَقَة بأسراب المفاهيم والمصطلحات، عبء يقودني، ويغرقني في الصمت، أتعبني الوضوح). ولكن عندما تنتقل في القسم الثاني تبرز المنعكس المشرق لذاتها النقديّة المعتمة، وتبدأ باسترجاع مقام الفاعليّة وتملّك الإرادة والقدرة، فتوظّف أفعالًا مفعمة بالحيويّة والتغيُّر والانبعاث والبراءة أيضًا وهو ما يجعلها أكثر حرّيّةً: أخرج، ألهو، أشكّل، أوقد، أنفث، أشرِع، أنشر، أعيد.
لم تعبّر الشاعرة عن التصادم بين “الخروج من” و”الخروج إلى” بتقديم ذاتها في الحالَين بما هما ذاتان على ضفّتَين متغايرَتَين من الحياة ومن النور، ولكن أيضًا في وصف التجربة نفسها في النقد وفي الشعر. فالنقد سجن (سجن المجازات، تحاصرني النظريّة والمنهج، يترصّد أبواب الروح ويوصدها)، وموت (الكلمات قش يابس لا ماء فيه، لا صوت للصوت ولا للألوان لون)، وحالة من الصخب الصامت (إغراق في الصمت، لا همس فيه، لا بوح فيه)، مثقَل بالجمود (باردة ككرات الثلج، رخام المعنى) والإرهاق والقلق غير الجميل (عبء يقودني من بادية إلى أخرى//ومن قلق إلى آخر)، وهو هجين غير أصيل أنطولوجيًّا (جمعتها على قلق من شتّى اللّغات والثّقافات)، وبلا معنى (لا طعم لا رواء). وفي الانتقال إلى القسم الثاني تعلن الشاعرة فجأةً عن لحظة التحوّل “الآن” التي تفتح فيها بابًا آخر للكلام، كلام حيٍّ بلون وطعم ورائحة (الآن أفتح بابًا آخر للكلام…). وهو تركيب يوحي بأنّ القرار مفاجئ من حيث فصل الشاعرة بين ما قبل “الآن” وما بعده بقوّة وبحدّة تشي بالاندفاع والعجلة – أو الفرار -، ولكنّ ثقل السوداويّة التي غلّفت بها النقدَ في القسم السابق كفيل بتجهيز الناقدة – والقارئ بالتَّبَع – لترقُّب انفجارٍ أنطولوجيّ ضروريّ وشيك تنقذ الشاعرة فيه ذاتَها من الموت. ولذلك تظهر اللغة فيما بعد “الآن” بهيجة وحيّة، ومفعمة بالحركة، والألوان، وتبدو عالمًا من ماء تتناسل فيه كائنات اللغة مستويةً (لها أعين وشفاه، وأصابع محنّاة) وسعيدة (…وحنجرة مليئة بالأغاني)، وعندئذٍ فقط يتحقّق معنى الإنسانيّة (استوى الإنسان إنسانًا).
في هذا المانيفيستو تتمزّق شرنقة النقد لتخرج الشاعرة التي تسمّي فعلها هذا بـــ”توبة إلى المجاز.” فهل هو عقوق تجاه النقد؟ ثمّ لماذا المجاز تحديدًا؟
إنّ الناقدة حاضرة بقوّة في هذا المانيفيستو – كما رأينا – حتّى لو كان في الإعلان ما يشي بقطيعة مع النقد. ولا يمكن أن تعقّ الشاعرة النقد وأن تتبرّأ منه، لأنّه تماهى مع الشعر حتّى تمازج مع كينونته لديها، وهو ما لا يظهر عاليًا في المانيفيستو كما رأينا، لكنّه يصّاعد في باقي قصائد الديوان، ولعلّ عودةً أخرى إليه تسمح بالتفصيل في ذلك. لكنّ ما يمكن أن يُقال الآن هو أنّ الشاعرة/الناقدة وجدت في الشعر غايةً أنطولوجيّة أسمى من النقد. فالناقدة والشاعرة تعيان أنّ المجاز كينونة كلّيّة متعالية تتجلّى في النقد نداءً أنطولوجيًّا نحو التأويل والتفلسف حول النصّ، وتتجلّى في الإبداع هويّةً متجاوزة أنطولوجيًّا لا تتحقّق إلّا بالممارسة الجماليّة والتفلسف داخل النصّ. ويكاد الجزء الثاني من القصيدة يرسّخ الطبيعة المتعالية للمجاز في الحالة الشعريّة، بخلاف النقد. فوفق الشاعرة، المجاز هو السيّد المتعالي في الشعر، لكنّ السيادة في النقد للعقل (مصطلحاته ومفاهيمه ومنهجه) الذي “يسجن المجازات”. ولأنّ المجاز ابن الخيال وكلّ قيد له هو اغتيال مقصود، كان من الطبيعيّ أن يكون الشعر مصدر الحياة والتجدّد والتكوثر، لأنّه سرّ المجاز والمجاز سرّ الوجودـ
وتتعزّز صبغة التعالي في المجاز بوصفه تجلّيًا للشعر، فتقدّم الشاعرة انتقالها إليه بما يشبه أن يكون اعتناق عقيدة أنطولوجيّة جديدة تخرج “إلى” الحرّيّة واللّا-قولبة (أخرج أحرفي على الغامض المجهول)، “من” الضلال إلى اليقين (فهذي خطاي مثقلة بالضلال، وخلف كلّ قافية يقين). وتتعاكس الحمولة الأنطولوجيّة بين الخروج “من” والخروج “إلى” كما يتعاكس الموت والحياة، والظلام والنور، تمامًا مثل العقيدة. فالخروج “إلى” هو “توبةٌ إلى” (إنّي تبتُ، فتب عليّ). ولأنّ التوبة عودة، فالشاعرة في استعمال هذا اللفظ تخبر عن أصلها الأوّل قبل النقد، وهو أساس وجودها ووجود وعيها بالعالم من حولها والذي طمسه النقد. فالشاعر/ة متوقّد في نفسه ومُوقِـدٌ لغيره (أوقد نارًا في صمتي وغيابي)، يعيد إنشاء عوالمه الجديدة عن طريق تفكيك الأسئلة القديمة وإعادة بنائها لأنّ الأسئلة ليست سوى مفاتيح لإخراج وجود جديد (أعيد أسئلتي الموغلة في الخفاء)، يعيد تشكيل اللغة عصافيرَ مغرّدة (أشكّل لغتي عصافير) بعد أن كانت صمتًا صاخبًا، ثمّ ينفخ فيها الحياة فيما يشبه المعجزة (أنفث فيها من بوحي) لتصبح كائنات واعية (ها لغتي الآن بأعين وشفاه وأصابع محنّاة)، وكما الأطفال يلهو بها بكلّ حريّة ويتّخذها بعضًا من ألعابه الكونيّة (ألهو بلغتي المخبّأة في الظل//أدحرجها على أشرعة الرمال والشواطئ//أفرشها على مدارات هذا المدى// أنفث فيها من بوحي//ومن همسي// ومن عبء السنين) لتصبح لغةً سعيدة (وحنجرة مليئة بالأغاني، لغة تسير على مدارج الألوان). وقبل إعادة بناء العالم وتشكيله وتلوينه، لتعود الشاعرة إلى أصلها الأنطولوجيّ كان عليها أن تحرّر نفسها من المفاهيم والمصطلحات التي سجنها فيها النقد طويلًا: فخرجت من قيد النظريّة بدءًا من ذاتها (أنشر أسمائي وصفاتي وأحوالي)، وتخلّت عن لغة باردة حادّة غير أصيلة لا تشبهها (كنت مغمورة بلغة باردة ككرات الثلج// وحادّة كسنّ الرّمح//جمعتها على قلق من شتّى اللّغات والثّقافات)، وتبنّت لغة جميلة سعيدة بريئة من هوس النقد بالتفتيش في نوايا النصوص وسجنها في منظوره (أشكّل لغتي عصافير// وفراشات وأنغاما)، وحيّة (يفيض منها الماء وتخضرّ في أسمائها الأشياء)، ومؤمنة (وخلف كل قافية يقين)، وواعية وجميلة (لغتي الآن بأعين، وشفاه، وأصابع محنّاة).
الذي أتبنّاه من حيث المنظور الأنطولوجيّ للمجاز – وأعربت عنه في كثير من أعمالي الأكاديميّة والشعريّة – أنّ المجاز عقيدة بين المتكلّم والمعنى، لكنّ الشاعرة في توبتها هنا ترفع المجاز من كونه عقيدةً إلى كونه المعتَقَد والمعتقَد فيه وفعل الاعتقاد، وتختلف المرتبة الأنطولوجيّة بين الكينونات من حيث إنّ المجاز عندها ليس علاقة مع التعالي بل هو العلاقة والمتعالي والسلوك إليه. فعلى مدى القصيدة كان صوت الشاعرة واضحًا في تقديس المجاز، وفي وصفه في سياق معراجيّ ينتقل من المدنَّس إلى المقدَّس، ولذلك تناديه بألقاب تتفاوت من حيث مقامات العروج، فتحيل إلى مصدره الغيبيّ حتّى لو كانت تجلّياته محايِثة: فمن تجلّيات الشهوة المحايِثة (يا مجازي الشهيّ)، إلى الصدّيقيّة الطاهرة (يا صديقي المجاز)، إلى العلاقة مع المقدَّس (أيّها النبيّ، يا سليل النبوّات، يا ابن الكرامات)، إلى قداسة اللا-تناهي خارج الزمان والمكان (يا بهيًّا شبيه المدى، يا عريس الأبد)، إلى قداسة التعالي (يا سيّد اللغة، يا مجازي العظيم). فيتحوّل اللهو باللغة من مجرّد “شهوة” طفوليّة إلى مقامات متعالية العروج.
في هذا الانتقال اكتشفت الناقدة التي سُجِنت في حيّز الزمان والمكان والفكرة والمنهج والمصطلح أنّ الحديقة التي كانت تنظر إليها من أعلى أجمل بكثير عندما تمشي على ترابها وتلهو مع فراشاتها. فبعد “عقدَين ويزيد” من النقد اكتشفت أنّ “ستّين” التجربة الإنسانيّة أجمل وأشفّ وأقرب إلى الشعريّة، واكتشفت أنّه لا “مِــيتَــا” إلّا المجاز ولا أقصى في المجاز إلّا الشعر، وأنّ فكرة الهيمنة على الإبداع هي مجرّد وهم يستعين به الناقد لإرضاء غروره الواعي جدًّا أنّه لا يملك من السلطة على الإبداع سوى ما يمنحه إيّاه المجاز طواعيّةً. واكتشفت الناقدة أنّها لم تعرف حقيقة الشعر بالنقد لكن عرفتها بالشعر، ففي النقد لم تختبر لونًا ولا طعمًا ولم تشعر بالحريّة والحياة، بل تقولبت في رؤية مسخٍ غير أصيل جمعتها من شتات الثقافات واللغات.
والآن وقد أعادت تشكيل اللغة وتلوين الأشياء وترتيب العلاقات في عالهما الجديد، ها هي استرجعت أصالتها وأصليّتها الأنطولوجيّ، فكيف بعد كلّ ما تجلّى لها تُسلِم للنقد ثانيةً؟
أظنّ أنّ الدكتورة آمنة لم تختر الناقدة في شخصي للتقديم لديوانها، وربّما أيضًا لم تختر الشاعرة، بل اختارت التجربة الأنطولوجيّة التي قد تكون أقدر على استيعاب تجربتها… وأعني تحديدًا تجربة الانتقال بين التجريب النقديّ والتجربة الشعريّة، وإن كان انتقالًا في اتّجاه معاكس لديّ! صحيحٌ أنّه انتقالٌ بمعطيات مختلفة وملامح مختلفة ليست بالضرورة معاكسة ولا موافقة، لكنّ فعل الانتقال بحدّ ذاته مشترَك من حيث رسوخه الأنطولوجيّ في عقيدة المجاز… أو هكذا أراه!
دخلتُ النار حتّى لا يقول الجمرُ كذّابهْ
فلا شيءٌ يصدّقني لأرويَ سيرة الغابهْ
سوى فأسٍ يقدّم لافتداء الشعر أسبابَهْ
ففي الأشجار أحلامٌ وفي التأويل حطّابهْ
وفي تسليمةِ النيران بردٌ صان أحبابَهْ
نزوى 22 سبتمبر 2024
