عن الحداثة، وعالمية الأدب – رواية “بيت الجاز” للكاتبة نورا ناجي نموذجًا.
محمود سعيد
أتممتُ منذ أيام قراءة رواية \\\\\\\”بيت الجاز\\\\\\\” للكاتبة اللامعة الأستاذة نورا ناجي، الصادرة قبل أسابيع قليلة عن دار الشروق بمعرض القاهرة الدولي للكتاب.
نالت الرواية إعجابي؛ فهي رواية شائقة، مكثّفة، لا تترك لك فرصة تركها دون إتمامها، حتى أني قرأتها في جلسة واحدة أو جلستين.
كما أن تقنية السرد عبر شخصيات مختلفة، تتصاعد الأحداث من خلال سردهن، أعجبتني للغاية، لأنها تجعل من القارئ شريكًا في نسج الحكاية.
أعجبتني النهاية الذكية وغير المتوقعة كذلك.
وجدتُ الرواية مناسبة تمامًا لتكون نموذجًا للعديد من الأفكار الأدبية التي طالما وددتُ أن أتحدث عنها، كالحداثة، وعالمية الأدب.
١. الحداثة:
رواية \\\\\\\”بيت الجاز\\\\\\\” هي رواية حداثية ومعاصرة بإمتياز، أذكر هنا من معالم تلك الحداثة:
* حداثة الموضوع:
موضوع الرواية هو موضوع حداثي ومعاصر ومتجدد بإمتياز؛ إذ يبقى دومًا موضوع حقوق المرأة/الإنسان مطروحًا للنقاش ومثيرًا للإهتمام.
* التكثيف:
يبقى التكثيف واحدًا من أهم سمات الكتابة الحديثة؛ التكثيف هو تضمين أكبر عدد من المشاعر والأفكار في أقل عدد من الكلمات دون الإخلال بالمعنى أو جمال العبارة.
يمتد التكثيف كذلك حتى يصير معلمًا من معالم الحداثة في صنوف أخرى من الإبداع كالفن التشكيلي مثلًا حيث تسيطر فكرة التكثيف وال minimalism على أغلب أشكال الفن التشكيلي الحديث؛ حيث يحمل الخط الواحد معانٍ عديدة، ويصير الفراغ في اللوحة هو أهم العناصر.
رواية بيت الجاز هي رواية مكثّفة بإمتياز، تبدأ فورًا بصلب الموضوع، بمشهد ملحمي رئيسي، يتبعه مشهد ملحمي رئيسي آخر، مما يضع القارئ في قلب الحدث دون مقدمات.
استمر السرد مكثفّا بإمتياز طوال الرواية كذلك، حتى يمكننا القول بأن رواية بيت الجاز هي رواية دون كلمة واحدة زائدة عن الحاجة أو مكتوبة لمجرد تسويد الصفحات وتعظيم حجم كعب الرواية المطبوعة.
٢. عالمية الأدب:
كي تصبح أديبًا عالميًا، عليك أن تكتب أدبًا عالميًا، هذا بديهي. ومن وجهة نظري الشخصية جدًا، فلا يصيرُ الكاتب كاتبًا عظيمًا إن لم يناقش في كتاباته مواضيعًا إنسانية تهم الإنسان بوجه عام. إن لم يلتحم مع مسائل الحياة اليومية، كالانتماء، والموت، والحياة بكل ما تتصف به من هشاشة، بكل حدة ورهافة بحثًا عن إجابات قد ترشد الإنسان بوجه عام، وتمثل له إلهامًا.
هذا لا يعني أن تنكر الأدب القومي والمحلي وما يناقشه من مواضيع، وإنما أن تناقش المواضيع – ولو كانت شديدة القومية والمحلية – من منظور إنساني؛ منظور يخاطب الإنسان ويمس مشاعره بغض النظر عن جنسيته أو بيئته.
كمثال، فرغم أن أحداث رواية \\\\\\\”بيت الجاز\\\\\\\” تدور بالكامل بإحدى المدن المصرية الإقليمية؛ إلا أن الموضوع نفسه، وحبكة الرواية تهم الإنسان بوجه عام، وتمس مشاعره، مما يجعل من الرواية عملًا عالميًا بإمتياز، يمكنه أن يجد لنفسه مكانًا أثيرًا من نفس الإنسان بوجه عام أيًا كان موقعه من العالم.
كذلك فتناول الرواية لفكرة \\\\\\\”هشاشة الحياة\\\\\\\” تلك التي صارت تسيطر بدرجة عظمى على الأدب والفكر العالمي في الآونة الأخيرة؛ حتى أنها صارت تُذكر في حيثيات فوز العديد من الكُتّاب بالجوائز العالمية، يجعل من الرواية عملًا عالميًا دون شك.
أهنئ الكاتبة اللامعة الأستاذة نورا ناجي على هذا العمل البديع.
