بقلم / أ. الدكتورة وسام علي الخالدي / العراق
في عالم الرواية، ثمة أصواتٌ لا تتوقف عن الغناء حتى بعد أن يطبق الصمتُ على الحناجر، وصوت “الريميتي” في سرديات واسيني الأعرج ليس صدىً لماضٍ غابر، بل هو “زئيرٌ” متواصلٌ يخترق جدار التاريخ الرسمي الذي حاول بترَ لسانها وتدجينَ حريتها. إنها روايةٌ تتحول فيها الكلمة إلى معراجٍ للعبور من سجن “التابو” إلى فضاء “الأسطورة”، حيث يكتب الأعرج سيمياءً للصوت الذي رفض الخضوع لمقصلة النسيان، ليغدو بذلك صوتاً عارياً، صادقاً، ومحرضاً، يعيد للمهمشين والمنسيين حقهم في أن يكونوا أبطالاً للحكاية، وليس هوامشٍ في متونها. وفي هذا الفضاء السردي المترع بالإيقاع، لا نقرأ روايةً عن فنانة، بل نقرأ “بياناً وجودياً” يثبت أن كل قيدٍ يُوضع في معصم المبدع لا يزيد قيثارته إلا نبرةً أعلى في وجه الزمان.
في رواية “الريميتي” لواسيني الأعرج، لا يكتفي الروائي بسرد سيرة “شيخة الشيخات” ورمز “الراي” الحرة، بل يقتحم بمشرطه الأدبي منطقة الضوء والظلمة في ذاكرة الجزائر الجماعية، ليقدم نصاً لا يمثل توثيقاً لحياة فنانة بقدر ما يمثل سيمياء لصوتٍ متمرد، استطاع أن ينجو من مقصلة التاريخ الرسمي، وأن يتسلل عبر مسام الجسد الشعبي ليعلن عن وجوده. إن الأعرج يقرأ جسد ريميتي كـ “نصٍّ موازٍ”، حيث غدت كل رقصة وكل حركة على الخشبة تفتيتاً للأيديولوجيا السائدة، وتحويلاً لصوت “الشيخة” من مجرد غناء في الملاهي إلى بيان سياسي واجتماعي يقلب موازين القوى بين الهامش والمركز.
ويمثل التاريخ في الرواية مقصلةً تذبح كل ما لا يمتثل لشروطها السردية المتعالية، غير أن “الريميتي” كانت الناجية التي رفضت الانصياع، إذ استطاع صوتها أن يكتب تاريخاً “تحتياً” موازياً للتاريخ الرسمي، فبينما كانت السلطة تُدوّن انتصاراتها، كانت ريميتي تُدوّن آلام ولذات وانكسارات الإنسان البسيط. وقد اعتمد واسيني على لغة راوية تنهل من قاموس ريميتي الشعبي، حيث تصبح الكلمة “بذيئة” في نظر النخبة ولكنها “مقدسة” في نظر الحقيقة؛ فالصدق الذي لا يتجمل هو جوهر النجاة من مقصلة الزيف التاريخي.
اتسم أسلوب الأعرج في هذه الرواية بموسيقى السرد، حيث أراد للنص أن يكون امتداداً لإيقاعات “الراي” البدائية، معتمداً على تعددية الأصوات التي منحت الكلمة للمهمشين وللأرصفة التي شهدت غربتها، متخذاً من “المقصلة” رمزاً لكائن حي يلاحق بطلة الرواية ليقطع أوصال إبداعها، لكنه يعجز عن النيل من حبالها الصوتية التي لا تزال تصدح في كل حارة جزائرية لتثبت أن الفن الحقيقي أقوى من سياط التأريخ. إن ريميتي هنا ليست امرأة غنت، بل هي الذاكرة التي أبت أن تندثر حين قرر التاريخ أن ينساها، لتغدو بصوتها الذي يشبه صرير الأبواب العتيقة نذيراً لكل من يحاول تدجين الغضب أو تكبيل الهوية. لذا تبدو الرواية مرثية للفرح المتمرد ونقداً لاذعاً لمجتمعٍ يُعلي من شأن الصمت ويخاف من صدق الأصوات العالية، حيث نجح اوسيني في استنطاق هذا الصمت، وجعل من صوت ريميتي أيقونة تتجاوز حدود الزمن، لتظل شاهداً على أن الفن الذي يخرج من “القاع” هو الوحيد الذي يملك حصانة البقاء.
ولتعميق القراءة النقدية في “الريميتي” لواسيني الأعرج، لا بد من استنطاق النص عبر شواهده التي تجعل من “ريميتي” صوتاً يتحدى الصمت التاريخي. إن السرد عند واسيني يتحول إلى استعادة للجسد المقموع عبر لغةٍ تستمد قوتها من “الدارجة” الجزائرية التي كانت في نظر المؤسسة التقليدية “خروجاً عن الملة”، بينما جعلها الأعرج في روايته “لغة الحقيقة العارية”.
ويبرز هذا التحدي حين يصور واسيني لحظات الغناء بوصفها طقساً تحررياً، حيث يقول في أحد مقاطع الرواية واصفاً غناءها: “كان صوتها لا يخرج من حنجرتها، بل من جروحها التي لم تندمل، ومن قسوة الشوارع التي مشت فيها حافية”، فهذا الشاهد يربط بوضوح بين الصوت والذاكرة، حيث تصبح الحنجرة هي الوعاء الذي يختزن تاريخ المهمشين الذين سقطوا من سجلات التاريخ الرسمي. وفي موضع آخر يظهر واسيني “ريميتي” وهي تواجه نظرة المجتمع بجرأة تكسر التابوهات، حين تقول في مناجاةٍ تضمنها النص: “أنا لا أغني للجسد كما يظنون، أنا أغني للروح التي تعبت من الاختباء”، وهو شاهد مفصلي يفكك ثنائية (الجسد/الروح) التي حوكمت بها ريميتي، محولاً إياها من فنانة ملاهٍ إلى فيلسوفةٍ بسيطة، تدرك أن صراخها في أغاني “الراي” هو الطريقة الوحيدة لتفكيك سلطة “الخوف” التي فرضها التاريخ.
كما يعمد الأعرج إلى استخدام شواهد تبرز التباين الصارخ بين “المدينة/المقصلة” و”الريميتي/الناجية”، إذ يصفها في لحظات انكسارها قائلاً: “كانوا يظنون أنهم بسجنهم لها يقتلون صوتها، وما أدركوا أن كل قيدٍ زادوه في معصمها، صار وتراً إضافياً في قيثارتها”، وهذا التوظيف البلاغي يمنح الهزيمة الشخصية للريميتي طابع الانتصار التاريخي؛ فكل محاولة للنيل منها كانت تتحول ببراعة سردية إلى وقودٍ لاستمرار أسطورتها. إن لغة الأعرج هنا لا تكتفي بالسرد، بل تعيد صياغة “ريميتي” ككائن أدبي أسطوري، حيث يمزج بين واقعيتها الفجة في “الراي” وبين خيالها الذي جعل من حياتها “حكاية” ترويها الجدران قبل البشر، مستخدماً شواهد تعكس “قسوة الشوارع” و”عذوبة الروح”، ليؤكد أن التاريخ مهما حاول بتر أوصال هذه التجربة، فإنه سيظل عاجزاً أمام “سيمياء الصوت” الذي لا يموت.
ويستمر واسيني الأعرج في هذا البناء الروائي في تعميق دلالات “الصوت” بوصفه فعل مقاومة، متجاوزاً بذلك التنميط التاريخي لشيخات الراي. يبرز الأعرج في فصول الرواية تضاداً حاداً بين “الكلمة الرسمية” التي تسعى للتهذيب والضبط، و”الكلمة الحرة” التي تنطق بها ريميتي، حيث يكتب في إحدى شواهد النص: “كلماتي ليست بذيئة، بل هي عارية مثل الحقيقة التي تخجلون من رؤيتها في المرايا”، وهذا التصريح الأدبي يمثل جوهر الرؤية النقدية للأعرج، إذ يجعل من “الكلمة المبتذلة” في نظر السلطة “كلمةً كاشفة” تعري زيف المؤسسة وتفضح تسترها خلف أقنعة الطهارة الزائفة.
ويتجلى بُعد “النجاة من المقصلة” في تصوير الأعرج لعلاقة ريميتي مع التاريخ، حيث يضعها في مواجهة مباشرة مع النسيان الذي حاولت القوى الاجتماعية فرضه عليها، إذ يقول في لحظة مكاشفة سردية: “حين يقررون نسيانك، تغني أكثر، وحين يمنعون صوتك، يتحول جسدك كله إلى نوتة موسيقية لا يملك أحد القدرة على كتمها”، وهذا الشاهد يبلور فلسفة الرواية في الانتصار على “الموت الرمزي” الذي يمارسه التاريخ الرسمي. إن الأعرج لا يصور ريميتي كضحية، بل كقوة فاعلة أعادت تعريف معنى “الوجود” في مجتمع يضيق بالآخر وبالاختلاف، حيث يورد النص: “لقد كنت أحمل الجزائر في حنجرتي، وكلما نادوني بال ع اه رة، رددت عليهم بأغنية تذكرهم بمن يكونون هم في الحقيقة”، وهو شاهدٌ يقلب الطاولة على المتلقي، محولاً ريميتي من مُتَّهَمَةٍ إلى قاضٍ يكشف تناقضات المحيطين بها.
لا يغفل الأعرج أيضاً البعد البلاغي للمكان في الرواية، فالأمكنة التي سكنتها ريميتي كانت شواهد حية على قسوة الحياة وصمودها، حيث يصف الأعرج غرفتها الضيقة قائلاً: “كانت الغرفة تحسُّ بغربتي، وتضيق حين يضيقون عليَّ، وتتسع حين أغني للحرية التي لا سقف لها”، وهذا التماثل بين الحالة النفسية للبطلة ومكان وجودها يمنح النص بُعداً شعرياً يجعل من الجدران شريكة في السيرة وشهيدة على نضال الصوت. إن توظيف هذه الشواهد يعكس براعة الأعرج في تحويل سيرة “الشيخة ريميتي” من مجرد قصة فنانة شعبية إلى نصٍّ فلسفي وأدبي رفيع، يطرح أسئلة وجودية حول السلطة، والجسد، والهوية، والقدرة على البقاء في مواجهة محاولات المسح والإقصاء التاريخي.
ويستكمل واسيني الأعرج في “الريميتي” صياغة أسطورة “الصوت” عبر تقنية “الميتا-سرد” أو السرد الذي يعي ذاته، حيث يتحول الراوي إلى صدىً لصوت الشيخة، متجاوزاً حدود الزمن والمكان. يبرز هذا في الشاهد الذي يصف فيه الأعرج لحظة التماهي التام بين الفنانة وفنها، حين يقول: “لم تكن ريميتي تغني لتطرب، بل لتطرد الشياطين التي سكنت ذاكرة هذا الوطن، كان كل ‘آه’ في صوتها مسماراً يُدق في نعش الرقابة التي أرادت تحويلنا إلى صمتٍ ممتد”. هذا الشاهد يضع المتلقي أمام وظيفة غنائية تتجاوز الترفيه لتصل إلى حدود “التطهير الأرسطي”، حيث يصبح الغناء فعل استحضار وتفريغ للذاكرة الجمعية المكبوتة.
وفي لحظةٍ أدبية رفيعة، يلتقط الأعرج التوتر القائم بين “الشيخة” و”النخبة المثقفة” التي كانت ترى في صوتها خروجاً، فيكتب بأسلوبٍ تحليليٍّ لاذع: “حين كانت نخبنا تتجادل في صالوناتهم المغلقة حول ‘الأدب النظيف’، كانت ريميتي في ساحاتنا تكنس بأغانيها غبار الزيف عن عيون الفقراء، فهي التي علمتنا أن الحقيقة لا تُكتب دائماً بحبر المطابع، بل بصرخةٍ خارجة من رحم المعاناة”. هنا، يُعيد الأعرج صياغة المفهوم البلاغي لـ “الصدق الفني”؛ فليس الصدق في تهذيب الكلمات، بل في قدرتها على ملامسة عصب الواقع مهما كانت خشونةُ هذه الملامسة.
كما تتجلى براعة الأعرج في تصوير “زمن ريميتي” ليس كفترة تاريخية ماضية، بل كحالة وجودية مستمرة، حيث يورد النص: “لقد غادرتْ ريميتي جسدها، لكن صوتها ظل يسكن الشوارع، يراقبنا من نوافذ المقاهي، ويحفر عميقاً في الجدران التي أبت أن تنسى صاحبة الحنجرة التي لا تروض”. هذا الشاهد يختم به الأعرج رؤيته للخلود؛ فالصوت الناجي من مقصلة التاريخ هو الصوت الذي تحول إلى “طاقةٍ وجودية” تسكن الفراغ الذي تركه الغياب. وبهذا، ينجح الأعرج في جعل “الريميتي” نصاً مفتوحاً على التأويل، لا يكتفي بالحديث عن فنانة، بل يؤرخ لصيرورة الروح الجزائرية التي ترفض الموت، وتستمد بقاءها من ذات العناصر التي أراد التاريخ التخلص منها: الفقر، المهمشين، والكلمة التي تأبى الصمت.
إن هذا الانتقال من السيرة الذاتية إلى “الأنطولوجيا السردية” يعزز من مكانة الرواية كأحد أهم النصوص التي أطلقت سراح الشخصيات المهمشة من قبضة التاريخ الرسمي
إنَّ استكمال المشهد السردي في “الريميتي” يقودنا إلى ذروة التلاحم بين “البلاغة الشعبية” و”الرؤية الحداثية”؛ حيث يبرع واسيني الأعرج في جعل “ريميتي” ليست مجرد شخصيةٍ تتحرك في الفضاء الروائي، بل تصبح هي “الفضاء نفسه” الذي تنعكس عليه كل تناقضات الجزائر. يكتب الأعرج في هذا السياق: “كان كلّما ضاق القيد، اتسع الصوت، وكأن حنجرتها كانت ثقباً في جدار الكون، ينفذ منه هواء الحرية المسروق من رئاتنا جميعاً”. هذا الشاهد يكثف فلسفة الأعرج في اعتبار “الصوت” أداةً لاختراق المكان، فريميتي لا تغني في مساحة فيزيائية، بل تغني في مساحة وجودية تحرر المستمع من ثقل الواقع المطبق.
وفي معرض دفاعه البلاغي عن “لغة ريميتي”، يضع الأعرج يده على جرح التلقي، حين يقول: “كانوا يطالبونها بالصمت لكي تستقيم صورتها أمام التاريخ، لكنها أدركت أن التاريخ لا يكتبه إلا أولئك الذين يملكون جرأة الصراخ في وجه الريح”. إن هذا الاستشهاد يمثل حجر الزاوية في بناء “سيمياء الصوت”؛ إذ يقرر الكاتب أن الخلود التاريخي ليس حكراً على أصحاب المنابر، بل هو حقٌّ أصيلٌ لمن امتلكوا شجاعة أن يكونوا “أنفسهم” في عالمٍ يطالب الجميع بالتشابه. بهذا، يعيد الأعرج الاعتبار للبلاغة التي لا تنفصل عن الحياة اليومية، جاعلاً من “الكلمة العامية” التي تغنيها ريميتي بمثابة “قصيدة عمودية” موجهة مباشرة إلى ضمير القارئ.
وينتهي الأعرج إلى تصوير ريميتي كـ “ذاكرةٍ متجولة”، حيث يورد في نصه: “حين تسأل عن ريميتي في شوارع وهران، لا يشيرون لك إلى قبر، بل يشيرون إلى الريح، إلى الموج، وإلى كل حنجرةٍ ترفض أن تغني ما يطلبه الجلاد”. إنَّ هذا التوظيف البلاغي ينهي حالة “التشييء” التي حاولت المؤسسات فرضها على حياة الفنانة، محولاً إياها إلى قوة طبيعية لا تُحاصَر. إنَّ هذه النهاية المفتوحة التي يصيغها الأعرج تعكس رؤيته للأدب بوصفه “مقاومةً مستمرة”؛ فإذا كانت المقصلة قد نجحت في إنهاء الوجود المادي لريميتي، فإن الرواية نجحت في تحويل هذا الغياب إلى حضورٍ أبدي، مستندةً في ذلك إلى سيمياء الصوت الذي غدا، بفضل براعة واسيني، وثيقةً لا تُطالها يد النسيان.
إن هذا التناول الأدبي لا يضع القارئ أمام سيرة حياة، بل أمام “ميثاقٍ أدبي” يعيد الاعتبار لكل الأصوات التي حاولت المقصلة التاريخية تغييبها.
ويصل واسيني الأعرج في هذا المنجز السردي إلى تفكيك العلاقة المعقدة بين “الشفاهي” المندثر و”الكتابي” الموثق، محولاً غناء ريميتي من أداء عابر في الزمن إلى بنية نصية دائمة تعيد تشكيل الوعي. إن الرواية لا تكتفي بنقل الصوت، بل تقوم بـ “أنسنة” الإيقاع الشعبي، حيث نقرأ في ثنايا النص مقاربة عميقة لهذا التحول: “لم تكن موسيقاها تعزف على الآلات، بل كانت تعزف على أوتار القهر اليومي، فكل طبقة صوتية كانت طبقة من تاريخ لم يُكتب”. هذا الشاهد يحيلنا إلى قدرة الروائي على تطويع البلاغة لتخدم البنية السردية، جاعلاً من المتلقي شريكاً في إنتاج الدلالة، وهو ما يحفز “المؤثر القرائي” الذي يجد نفسه أمام نص حي يرفض الاستكانة للقوالب الجاهزة التي تفرضها المؤسسة النقدية التقليدية.
ولا يقف الاستثمار الجمالي عند حدود التشكيل الصوتي، بل يمتد إلى بناء لوحة بصرية متكاملة داخل المعمار الروائي. فالأعرج يعمد إلى رسم مشاهد درامية تتداخل فيها الألوان القاتمة للمنفى والتهميش مع إشراقات التمرد الفردي، واصفاً إحدى حالات التماهي المطلق بين الشيخة وفنها: “كانت ترسم بصوتها ملامح نساءٍ سُرق منهن الفرح، وتلوّن بأغانيها جدران الصمت التي أحاطت بهن”. إن هذا التشكيل اللغوي البليغ يحول الكلمة إلى ريشة، والجسد المتعب إلى فضاء تعبيري يتحدى التضييق؛ لتبدو ريميتي وكأنها تنحت وجودها في قلب الفراغ، رافضة أن تكون طيفا يعبر في ذاكرة الأمكنة دون أثر، بل هي تجسيد لحضور المرأة بكل كثافته الوجودية والطبيعية.
ختاماً، إن سيمياء الصوت الناجي من مقصلة التاريخ في “الريميتي” ليست مجرد استعارة بلاغية عابرة، بل هي البنية العميقة والميكانيزم الهيكلي الذي قامت عليه الرواية بأكملها. لقد استطاع الأعرج أن يقدم أطروحة نقدية بالغة التعقيد داخل عباءة روائية سلسة، مفادها أن التاريخ الرسمي قد يملك سلطة الإلغاء المؤقت، لكنه يقف عاجزاً ومجرداً من أدواته أمام “السردية الشعبية” حين تتحول إلى هوية راسخة. لقد غدت الرواية نفسها، بأسلوبها المتفرد ولغتها الكاشفة لانزياحات السلطة والمجتمع، وثيقة براءة تاريخية لریميتي، وحكماً أدبياً بالإدانة على كل مقصلة حاولت اغتيال الروح في أوج انطلاقها نحو الحرية.