حياة أخرى

حياة أخرى
0
(0)
هادي المياح/ العراق
ذاتُ يوم، أسَرّ لي أبي بأنّ زوجته تتحّول إلى فأرة. رغم أنها لا تحمل من صفات الفئران، غير عينيها الصغيرتين وشعرها الأملس. قال أيضًا بأن هذا غالبًا ما يحصل لها بشكل مفاجئ، تعود بعده لحالتها الطبيعية.خبرٌ كهذا لم تألفه أذناي من قبل، وفتاةٌ يافعةٌ مثلي، لا يمكنها أن تحتمله. لشدّة الصدْمة، فقدت توازني وصرتُ كمن وقع من مكان عالٍ.
في اليوم نفسه، ليلاً، حلمتُ أنني فراشة تحوم على محيط دائرة يتوسطها بيتنا. ولم ألبث على ذلك سوى دقائق، حتى شعرت بعدها باختفاءِ جناحيّ.. وقعتُ مباشرة على بيتنا.. في الركن المواجه لغرفة نوم أبي. حيث إنّ البابَ نصف مفتوح، زحفتُ إليها وأنا بهيئةِ يرقة. عند العتبة استيقظتُ، فكنتُ أنا.
كان لوقع الخبر وأحداث الحلم، ما أشعرني بالذهول. لم يخطر لي يومًا أن امرأة ما، يمكن أن تتحول إلى فأرة، إلا إذا كانت مخلوقةً من طينةٍ اصطناعية لم تَمُسّها نفخةٌ من روح. ولولا أن أبي هو من قال ذلك، لما صدّقتُ حرفًا واحدًا من الخبر.
انتظرته حتى عاد من عمله وقلت له: أنا لا أفهم حتى الآن يا أبي ما حدث لي في ذلك الحلم. وما ضايقني أكثر، أن زوجتك التي لم يسبق لي أن رأيتُ وجهها، أراه اليوم يحمل من التعابير الساخرة ما لم يحمله من قبل.
-هكذا هي الأحلام يا ابنتي “قال أبي” أنا أيضًا كنت أطير في الحلم بلا جناحين، وأرى الناس في الأسفل صغارًا. فأضحك في الفضاء وأهمس: كم هي غامضة حياة الكائنات على الأرض؟
يعمل أبي في تصليح السفن في أحد المرافئ، وفي أيامه الأخيرة، عانى من التعب والإرهاق حتى فقد شهرته وتميزه، وربما بسبب تفكيره العميق في حالة زوجته الغامضة، ومصير العائلة المجهول؛ لم يفصح لي عن حقيقة ما بداخله. كان يلوذ بالتهرب من أسئلتي، مما زاد حماسي في الرد عليه:
“لكنني يا أبي أرى ظهورها الغريب أحيانًا مصدر رعب لي، خاصة أنها نهرتني، وتصرفت بشكل غريب قبل وصولك!”
اكفهر وجه أبي، وانطلق فورًا نحو حجرتها. تبعْتهُ حتى الباب استرق السمع. في البداية، كان هناك عتاب- “كم مرة قلت لكِ انها ابنتي الوحيدة! انتبهي لحالك، يأتي يوم تجدين نفسك بأمس الحاجة لها!”، ثم حلَّ صمت، تناهى بعده صوت مثل صرير باب يُفتح. نقر وتقافز أشبه بعراك محتدم بين فأرين. شعرتُ بالخوف، وشملتني رجفة، فهربتُ راكضة إلى غرفتي.
في الصباح، عند الفطور، فكّرت أن أصارح أبي، وأُحيطهُ بما يشغل فكري في هذه الفترة. وأرجوه أن يفسر لي ما يحدث. خاصة ما جرى بينهما ليلة البارحة. لذلك بادرت:
-ماذا عن زوجتك يا أبي؟
لم يُجبني أبي. ولم يصدر عنه غير تنهيدة طويلة أخذتني بعيدًا. إلى الأماكن التي ترودها ولم أنتبه لها آنذاك. رأيتها واقفة عند باب المطبخ، شابة جميلة ينفلت صوتها ناعمًا، وعندما كانت تتحرك داخل المطبخ أو خارجه، تنساب بسرعة خاطفة. قد لا تدرك أنت وجودها من عدمه، حتى وأن كنت قريبًا منها.
وعند باب الاستقبال، في صورة أخرى خطفتْ بذهني. كانت غريبة بعض الشيء، فقد أدهشني ظهورها واختفائها المفاجئ. رحت أتابع أثرها بصعوبة. لأول وهلة، تنبأت موقعها في الصالة، لكنها باغتتني قادمة من الغرفة البعيدة. كنت أراها تتقافز في الممر؛ فتثير أمامي غشاوة تخفي الكثير من التفاصيل.
وقت المغرب، كنت أراها تقف قرب الحديقة، تنظر باتجاه ما. عند نهاية خط النظر، هناك حفرة عميقة ذات فتحة ضيقة. ركّزت فيها، رأيت رؤوس كائناتٍ صغيرةٍ تنطّ من فوهتها وتعود.. ظلّ المشهد يتكرر أمامي كثيرًا. لكن رغم ذلك، لم أستطع تمييز تلك الكائنات مهما حاولتْ.
على ضوء ما بدا لي، وجدت الأمر أكبر مما يحتمل، ولا بد أن أقف بنفسي على ما وصلتْ عليه الحال. تركتُ أبي وحده وقمتُ متجهة نحو غرفتها، وكنت أتوجس خيفة من أي حركة قد تباغتني بها. حيث كان الظلام يعمّ الغرفة..ألقيت نظرة على سريرها فوجدته خاليًا.. دققت كل أبواب خزانة الملابس، لم أجد ما يوحي أنها في الداخل.. ركزت على أشياء أخرى أصغر حجمًا، أيضًا لم أجدها.. تحركت بارتباك نحو الباب، ثم توقفت.. إذ سمعتُ حسحسة خطوات خلفي. بقيتُ واجمة في مكاني. شعرتُ خلالها بيدٍ تلامس كتفي من الخلف.. قفزت فورًا نحو الباب، لأراها قد سبقتني إليه، وبدت لي كأنها ليست هي.
ازداد شعوري بالإحباط، وأصبح تضامني مع أبي ضرورة قصوى، أكثر من أي وقت آخر. خاصة وقد أدهشني صمته، فأخذتُ ألحّ عليه بهدف الإحاطة بالسرّ. على الغداء، استفدتُ من عدم وجودها، وسألته ما إذا كان هناك حلٌ بذهنه، فقال: لا يوجد أي حل، ماذا عساي أن أفعل؟
-ألم تفكر باستشارة أحد الوجهاء أو الأدعياء؟
-أبدًا
– ولكن يا أبي، ماذا لو تحوّلتْ ولم ترجعْ لسابقِ عهدها؟
-علينا ألا نضخّم الأمور، من يدري ما الذي يحصل لنا نحن، وكيف ستكون حياتنا في المستقبل!
كلّما تحدثّتُ مع أبي، أدخلني بمتاهة جديدة كأنه يستذكر جذور الأشياء ومستقبلها. سمعته يقول مرة، إن زوجته ماتت لتبدأ حياةً اخرى، فأوحى لي ذلك بالتعاطف معها، وتمنيت لو أنها حاضرة بيننا لطلبت منها العفو حالا. فقد شكوتها أكثر من مرة. وإن لم يتحقق ذلك، وهو لن يتحقق على الأرجح، فربما أراها في حياتي الثانية، حينما أكون فأرة.
قلت لأبي:
-هل تتوقع أن نكون فئرانًا في المستقبل؟ ضحك أبي وقال:
-ما الفرق بيننا وبين الفئران الآن؟
لم أعرف كيف أردّ عليه، وهناك الكثير مما يؤكد قوله. كان هذا آخر حوار جمعني مع أبي الموظف، فقد ترك بعده الوظيفة في السفن. بينما انزويت أنا وحدي أستذكر حلمي يوم كنت فراشة انقلبت على نفسها، وعادت يرقة.
بعد شهر على موت زوجة أبي. رأيتها جالسة في الحديقة على فوهة تلك الحفرة، في هيئة دمية صغيرة تشبهُ فأرة. وكان الغروب قد حلّ.
نشرت على صفحات مجلة الآداب والفنون.في عددها ٥٣ لسنة٢٠٢٢،

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *