جينيالوجيا التصوّف
الكاتب حسين الكندي/ العراق
شكلت ظاهرة التصوف بُعداً روحياً للتصورات الإنسانية الخاصة بمعاني الوجود والفناء . ومنذ أن بدأ الإنسان بترجمة تلك التصورات واقعاً حياتياً والتزاماً عقائدياً . ووفقاً لهذا التصور لا يعود بمقدورنا حصر معنى التصوف في دين أو حضارة معينة . لأن ذلك سيجعلنا في مقام النكران لكل المظاهر العبادية التي يكون فيها الوجدان الإنساني فاعلاً حيوياً في ترجمة الأحاسيس والانفعالات الروحية في قبال العوالم ذات البعد المعنوي . والإنسان بذلك يمارس دورا مهما وواعيا في طريقه لكشف الحقائق والأسرار التكوينية . والتي لاتنحصر في مجرد إخبارات الأديان السماوية . بل تشترك معها في هذا الكشف أغلب الأديان والنظريات الوضعية التي تعتمد على الأسس المنطقية في تفسير مظاهر الوجود .
وهذا الكتاب يبحث في الأصول الأولى لظاهرة التصوف باعتبارها نزعة إنسانية نحو المعنى قبل أن تكون ضرورة وجودية أو طريقة عبادية . وكان من المنطقي أن نبدأ في بيان هذا الاتجاه عند الأقوام القديمة التي أسست اللبنات الأولى للوعي الإنساني بالأبعاد الوجدانية . والتي ساهمت في نقل الإنسانية من الأطوار البدئية الأولى إلى مدارك الوعي بالوجود وأهمية الأدوار المعنوية في بناء الحضارة الإنسانية . وقد كانت حضارة بلاد مابين النهرين بأدوارها الممتدة لخمسة آلاف سنة قبل الميلاد تمثل ذروة التحدي الإنساني للسير نحو تقديم النموذج الأمثل لوجوده سواء كان ذلك النموذج مادياً أو معنوياً . ولأن التصوف نزعة إنسانية نحو المعنى المجرد . وطريق لفهم طبيعة العلاقة بين الإنسان والإله . فقد كان حاضرا وبقوة في ديانات بلاد الرافدين . وكان يتخذ أشكالا ومظاهر متعددة إلا أنها تنتمي لتشكل واضح في جميع الممارسات الطقسية التي تمارس في بلاد الرافدين . والتي يُعتبر السومريون هم المؤسس الحقيقي والجذر الطبيعي الذي تعود إلى ممارساتها الطقسية جميع الطرق الصوفيه في الأديان العراقية القديمة . والتي نَضُجت فيما بعد وتبلورت في صيغ أكثر رصانة في العصر الأكدي الذي يمثل في جميع ممارساته وأنظمته التكوين الواعي لمفردات الحياة السومرية بصيغها المختلفة والمتعددة بتعدد الاهتمامات الإنسانية .
