إنجازات رشيد بن مالك في مجال الدراسات السيميائية

إنجازات رشيد بن مالك في مجال الدراسات السيميائية
0
(0)
بقلم الدكتور عبد الحميد بورايو
المقال نشر بإذن صاحبه وقد كان في إطار أنشطة المكتبة العمومية بتلمسان لتكريم الأستاذ رشيد بن مالك
يسعدني أن أكون بينكم اليوم؛ لأحدّثكم عن مسار علميّ دام مايزيد على الأربعين سنة، لشخصيّة أكاديميّة جزائريّة ساهمت في بناء صرح الجامعة الجزائريّة منذ منتصف الثمانينيّات من القرن الماضي. بدأت علاقتي برشيد بن مالك في النصف الثاني من سنة ألف وتسعمائة وثمانين، لمّا كان في سنته الأخيرة في مرحلة حصوله على الليسانس. وكان ضمن طلبة الدفعة الأولى لمعهد اللغة العربيّة وآدابها بالمركز الجامعي بتلمسان. كنتُ حينئذ بصدد أداء خدمتي الوطنيّة (العسكريّة)، حيث عُيّنتُ للتدريس في ثانوية المشور العسكريّة، وكنتُ أقدّم محاضرة في المركز الجامعيّ المذكور، بمعهد اللغة العربيّة وآدابها مقرّرة على هذه الدفعة في مادّة الأدب الجزائريّ. في نفس هذه الفترة حاولنا بمعية بعض طلبة وطالبات الدفعة أن نساهم في النشاطات الثقافية بالمركز الجامعي وفي بعض المنابر الثقافية في تلمسان، حيث اشتركنا في تنظيم عدد من الندوات واللقاءات الأدبيّة.
ارتبطنا فيما بعد بعلاقة صداقة وزمالة في نطاق التدريس والبحث العلمي؛ فأسّسنا بمعيّة بعض الزملاء مخبر عادات وأشكال التعبير الشعبي بالجزائر، الذي أصدر مجلّة بحوث سيميائيّة التي مازالت تصدر إلى يومنا هذا، فترأس إدارتها وشغلتُ منصب مدير التحرير لمدّة حوالي عشرة سنوات، وقد خلفني الأستاذ الدكتور عبدالعالي البشير الذي يترأس هيأة تحريرها اليوم. جمعت بيننا العناية بالمنهج السيميائي، ومناقشة المذكرات والأطروحات المتعلّقة خاصّة بهذا المنهج في جامعات تلمسان وتيزي وزو والجزائر العاصمة منذ سنة 1992 إلى اليوم، وكذلك المساهمة في النشاطات الثقافيّة، من أهمّها تنظيم ملتقى عبدالحميد بن هدوقة للرواية وتأطيره بمساعدة مديرية الثقافة بولاية برج بوعريريج، لمدّة خمس عشرة سنة بعد وفاة الأديب الراحل مباشرة، كنتُ رئيسا للجنة العلميّة للملتقى وكان عضوا فاعلا فيها. كما جمع بيننا النشاط العلمي لمركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربيّة لمدة ثماني سنوات.
إلى جانب هذه العلاقة ذات الطبيعة المؤسّساتيّة، جمعتنا صداقة حميمة ومتابعة كلّ منّا للآخر لِمَا يُنجِز، ولِمَا يضعه من مشاريع بحثية وترجميّة، وكنّا كثيرا ما نتحاور حول المصطلحات، وتقييم الإنجازات العربيّة في مجال البحث السيميائيّ.
الإنجازات العلميّة للدكتور رشيد بن مالك وأبعادها وانعكاساتُها الأكاديميّة :
يمكن توزيع إنجازات رشيد بن مالك العلميّة إلى صنفين؛ مُنجز نظريّ ومنجز تطبيقيّ. تعلّق المنجز الأوّل بالتعريف بالمنهج السيميائي وأسسه النظريّة وتاريخ تطوّره ومدارسه وتيّاراته، وتعلّق المنجز الثاني بالتحليلات التطبيقيّة التي تناولت نصوصا أدبيّة، منها ما هو نثري ومنها ماهو شعريّ، مطبِّقا عليها آليات المنهج السيميائي. صاحب ذلك عناية خاصّة بالمصطلح وترجمته الترجمة الحصيفة والمناسِبة.
إنّ جميع أعمال الأستاذ رشيد بن مالك خلال ما يزيد على الثلاثين سنة تمثّل ورشة مفتوحة للبحث النظريّ والتطبيقي في ميدان السيميائيات، وقد تطورت هذه الورشة عبر عقود من الزمن من العناية بالمداخل والمفاتيح الأولى لولوج العمل الأدبي، إلى التعمّق في النظريّة والاضطلاع بالمصطلحية الخاصة بهذا الميدان، من خلال الإسهام في الترجمة ووضع المعاجم، ومراجعة ترجمات أقرانه من السيميائيين العرب من أمثال محمد البكري وسعيد بن كراد والعجيمي وغيرهم، والعودة لأعضاء مدرسة باريس البارزين والاتصال المباشر بهم ومناقشتهم في المفاهيم وتاريخ الحركة السيميائية، من أمثال إين إينو وبواتيي وغيرهما، وقد تمّ تتويج جميع هذه الخطوات بقراءة فاحصة في الأصول اللسانيّة للسيميائيات، وفحص شامل لمختلف أعمال كَريماس وأعضاء مدرسة باريس.
يمثّل كتاب “الخلفيّات النظريّة للسيميائيّات؛ دراسة متبوعة بترجمة مجموعة من البحوث السيميائيّة والسيميولوجيّة والفنومينولوجيّة” نموذجا للصنف الأول (النظريّ) فهو عبارة عن قراءة واعية ومتفحّصة للنقد السيميائيّ كما تجلّى عند غريماص في دراسته لموباسان.
تنتمي هذه الدراسة بجدارة إلى ما يُطلق عليه النقاد مصطلح “نقد النقد”؛ وهو لغة واصفة من الدرجة الثانية، فهو يعالج لغة واصفة أخرى من الدرجة الأولى. تمثل هذه الأخيرة متنا نقديا ينتمي لمدرسة السيميائيات، المدعوة مدرسة باريس ، وضعه “أ.ج. كَريماس” مؤسس هذه المدرسة الشهيرة. وتتميّز هذه المعالجة بكثير من العمق والجدية والجدّة بالنسبة للدراسات السيميائيّة العربيّة بالنظر لكونها تختطّ طريقا غير مسبوق في التحرّي والاشتغال على المتن النقدي بمراعاة مجموعة من القواعد العلمية التي تهدف إلى الكشف العلمي عن الخلفية المعرفيّة التي تؤطّر النص التحليلي الذي وضعه كَريماس في دراسته لقصة قصيرة لأحد أعلام القصة البارزين، وهو غي دوموباسان. ولاشكّ أنّ الأستاذ رشيد بن مالك مؤهّل بكل جدارة لمثل هذه المغامرة العلمية التي تبحث في الأسس المعرفية المعتمدة في البحث السيميائي التحليلي الأدبي عند كَريماس، فهو من بين القلة النادرة –إن لم يكن الوحيد- فيما أعلم ممن اختصوا في الدرس السيميائي القريماسي وتعمّقوا في معرفته وتطبيقه، وقد بدأ مشروعه في اكتشاف السيميائيات الكَريماسيّة منذ أن كان يحضر حلقات كَريماس والمحيطين به من أعضاء جماعة مدرسة باريس، ويهيّئ أبحاثه الأكاديميّة استنادا إلى منطلقاتها، وظلّ وفيّا لها يسعى لاستكشافها ويدرّسها ويساهم في بناء صرح الدرس السيميائي في الجامعة الجزائريّة وفي مراكز البحث ومخابره، وفي مداخلاته الكثيرة في الندوات العلمية والملتقيات منتجا لعدد هامّ من الدراسات التي تناولت النصوص القصصيّة والروائيّة العربيّة الأدبية الحديثة انطلاقا من مبادئ هذه السيميائيات، وبمراعاة خطتها في فحص النص الأدبي السردي بصفة خاصة.
لم تكتفِ هذه الدراسة بالعودة إلى السيميائيات السرديّة بل استكملت المعالجة السرديّة فتتبّعت السرديات البنوية عند جيرار جينات وتزفيتان طودوروف ورولان بارث وغيرهم، وأخضعت كلّ ذلك للمقارنة والاستنتاج. وذلك بانظر لطبيعة الموضوع المعالج والمتعلق بالوصف في الخطاب السردي.
تؤكّد هذه الدراسة على مدى أهمية البعد النظريّ الذي يؤطر مختلف المفاهيم، والذي لا يمكن استكناهه إلا من خلال الرجوع للسياق العام ولوجهات النظر المتعددة والمتعايشة في ساحة النقد الأدبيّ، إلى جانب أهمية الكشف عن التفاعل ما بين العديد من الاختصاصات والرؤى العلمية في استيعاب المفاهيم السيميائية التي مثلت منطلق دراسة كَريماس لقصة موباسان.
لقد اتّبعت هذه الدراسة خطّة منهجية ترسم سبيلا علميا دقيقا للترجمة، إنها بدون منازع درس نموذجيّ لما يجب أن يقوم به أي مترجم لأثر ما، خاصة إذا ما كان المترجَم له من العلماء المتضلِّعين، والذين أسهموا في تطوير البحث الأدبي ونقله من طور إلى طور آخر، بالاستناد إلى حمولة نظرية علمية وإنجازات تطبيقية، من أمثال أ.ج. كَريماس. وهو أمر لم يتيسّر للأستاذ رشيد بن مالك إلاّ من خلال عمل دؤوب وتفرّغ للبحث والتمحيص وكفاءة نادرة في قراءة الفكر اللساني الحديث وإدراك للتيارات العلمية المسيطرة على تحليل النصوص الأدبيّة منذ منتصف القرن الماضي.
أمّا أعماله التطبيقيّة فقد عالجت خاصّة النصّ الروائيّ، فاهتمّت بالتحليل السيميائي لعدد هامّ من الروايات الجزائرية والعربيّة، ومن النصوص السرديّة التراثيّة، كما لم تهمل النص الشعري.
تميّزت المعالجات التطبيقيّة بتناول مختلف المستويات في النصّ بشيء من الشموليّة والاستقصاء المراعي لطبيعة النص وخصوصيّته.

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *