عرض صفار لمسرح الأغواط، قراءة في أسلوبية العرض الطقوسي الشامل
بقلم: محمد الامين بحري/الجزائر
أولاً- البطاقة التقنية:
مسرحية صفار- إنتاج مسرح الأغواط الجهوي- 2023، إخراج هارون الكيلاني، بمساعدة وليد بن سعدة،
تأليف موسيقي: عيسى مولاي- تنفيذ: إبراهيم بن سليمان – تصميم الإضاءة – قاسم عبد الرحمن – مدير الإنتاج: قدور زعفون.
ثانياً- الممثلون والأدوار:
– طاهر بن صفي الدين في دور (مهيمن)
– رواحي عبد القادر في دور (كيشروا)
– صلاح الدين غويني في دور (جغارا)
– صلاح الدين عبد العالي في دور (شعاد)
– عطاء الله لحرش في دور (موستني)
– تنو خيلولي= في دور (باكين)
– بسمة داسين دعماش في دور (زولا)
– فاتن قصار في دور (داماسكي)
ثالثاً- النوع والموضوع
المسرحية من النوع الطقوسي، بأسلوب تغلب عليه القسوة في الأداء، أما الثيمة فتندرج ضمن مسرح القضية، وتحديداً مسرح المقاومة. لا يخلص العرض إلى أسلوب محدد، فإن بحثنا سنجد فيه كل من بيتر بروك من حيث إبراز الطقوسية المعتمدة على الفضاء الفارغ، والسينوغرافيا الجريئة المعتمدة على المؤثرات البصرية، والمسرح المقدس، وأنطونين أرطو، في النزوع نحو القسوة بكل أشكالها، من الجسدي إلى الصوتي إلى التخيلي، وستانسلافسكي، في تمميز المسافة بين الممثل والشخصية، مركزاً على هذه الأخيرة، من أجل تحقيق الفكرة المراد إبلاغها للجمهور، وهو الأمر الذي استدعى السمة الملحمية، سواء من حيث الشكل الدرامي، أو من حيث البعد الفلسفي لعرض الذي يبدو فيه تفوق الفكرة غرضاً بارزاً على كل عناصر العرض، وتصير كل العناصر وسائل لتبليغ الفكرة إلى الجمهور ليتحقق الثالوث المتوازن لدى بيتر بروك (المخرج- الممثل – الجمهور)
تطرح المسرحية من حيث الفكرة، قضية مصير الجبابرة في التاريخ البشري الحديث والمعاصر، وهم نتاج العولمة التي فرضت الهيمنة والاستبداد المقنع على الشعوب، وراحت تستبيح قيم الإنسانية، بتكتلات إرهابية استباحت الأرض والدماء، إلى أن حانت لحظة القصاص المتخيلة في المسرحية، حيث أعادت ملاعين التاريخ إلى متاهتهم التي لعنوا بها في مبتدأ الخلق، وذكرت قتلة الأنبياء وزناة التاريخ بأنهم ما يزالون في شتاتهم الأول، باحثين عن موطن قضت جميع الديانات يطردهم الأبدي منهم، فاتخذ المخرج من مدين صفار الجزائرية، باعتبارها فجوة في الزمن الكوني، تمثل إحدى بوابات المتاهات في العالم، لتجرف هؤلاء الطغاة إلى جوفها، وتعيدهم إلى تيههم الأول في صحرائها، وتلاقيهم بضحاياهم في محكمتها، وتقبض عليهم قبضة شذاذ الآفاق لتحاكمهم أمام ضحاياهم في العالم، وتنتهي المحاكمة في آخر فصول الرواية بقصاص ختامي لصناع الهيمنة ومرتكبي المجازر بأساطير دينية وأخرى عولمية. ليعدموا في ساحة صفار الخالدة، من بلد كان على مر التاريخ مصرعا للطغاة.
رابعاً- تقطيع العرض ومختصر المشاهد:
– المشهد الافتتاحي
منظر ليلي.. قمر شاحب، مع ضهور خافت لأشباح وأخيلة على الركح، مرفوقة بصوت الرياح والغربان
– المشهد الثاني:
حوار بين أربعة سجناء وقوف على الركح.. (مهيمن.. موستني .. وجغارا.. وشعاد)
خرجوا جميعهم من السجن الذي جمعهم. ودخلوا في حوار.. حول الكون والفساد في الارض.
وحول حروب الأفكار التي هيمنت على العالم وثوراته منذ فكرة تسطيح الأرض وكرويتها
ليكشفوا عن غايتهم يعد السجن ومن هذه الرحلة وهي: البحث عن الطريق.. والبحث عن مخرج وانتظار القطار. الذي لم يأت. والبحث عن زولا الإفريقية.
يتيه الجميع في أرض سفار.. التي لا أحد يتحكم أو يتواصل معها سوى العجوز المسكونة (باكين) أم زولا.. التي تتقن التواصل مع سكان صفار من الجن والرسومات.. والتي تقودها ابنتها زولا مقيدة بحبل كحيوان أسير.
– المشهد الثالث
تتهم زولا مجموعة الفتيان الخارجين من السجن بقتل أناس من قبيلتي. كيشروا وداماسكي. الآتيان للقصاص منهم.
– الفصل الرابع
يكتشف موستني بأن مهيمن لم يكن سجينا معهم بل كان عدواً متنكراً في ثياب سجين ، وهو من يكيد لهم ويقيد حركتهم
وكلما ابتعدوا عنه استعادوا ذاكرتهم التي عطلها وجوده الخبيث بينهم. وهكذا يلقى القبض على مهيمن. بتهمة الخيانة للمجموعة.. والكفر. حينما اكتشفوا أنه من ملاعين اليهود ومرجومي التاريخ الذين حكمت عليهم آلهة كل الأديان بالشتات والتيه، لكن حتى في بالوعة المتاهة، لا تزال طباع الغدر والخيانة سارية فيه، وسمومه لا تنقضي. فاستحق منهم التقييد والطرح في العراء. في ساحة مذبح المتاهة في الصحراء.
– المشهد.. الخامس…
قدوم كيشروا وحبيبته داماسكي. ويعثران على مهيمن اليهودي مقيداً..
المشهد السادس:
يتيه السجناء في صحراء صفار.. ويجدون أنفسهم يدورون في المكان نفسه. فيدركون ويدرك الجمهور اللعنة التي حاقت بهم، وهي لعنة التيه الذي يبتلع في جوفه كل مجرمي التاريخ.
– المشهد السابع:
يحل كيشروا ودماسكي.. بأرض سفار. ويأخذان بتعذيب اليهودي مهيمن.. وجلده.. ثم تركه طريح الأرض تحت لعنة الطبيعة والكون من أمطار وعواصف .. وتحت هجوم الغربان والهوام تنهش لحمه.. وتسومه سوء العذاب. كأحد ملاعين والنجاسات على الأرض.
– المشهد الثامن:
نشوب صراع، ثأري بين بين كيشروا ودماسكي العربيين.. وبين السجناء.. الكتابيون
فيكون النصر هنا حليف كيشروا وداماسكي.
– المشهد التاسع:
تحرر باكين المسكونة من وثاق ابنتها اليهودية.. زولا.
وحين يكامل يتحرر جسدها تبدأ إيفا في الرقص الإفريقي لتحرر الجسد.
تأمر باكين المسكونة كيشيروا بتعذيب السجناء اليهود التائهين حتى الموت
فيقيدهم وسط الركح وتسلط عليهم الغربان وتعصف بهم الرياح، وتستأنف متاهة سيفار كتابة فصول اللعنة التي سلطتها كل آلهة الكون على هذه السلالة الخبيثة التي يمثلها السجناء التائهون الأربعة، وعلى رأسهم مهيمن الذي يمثل الهيمنة الصه يو أمر يكية،
خامساً- دلالات الشخصيات وأنساقها الثقافية:
يعج عرض صفار الطقوسي بالأنساق الثقافية العالمية المنتمية لمختلف الحضارات، وقد تم حمل هذه الأنساق على رمزية الشخصيات، فمرت بنا الثقافة الشرقية عبادة الإله راماوكريشنا.. وفشنو في الديانات الهندية القديمة، الثقافة السامية، وأعراقها، والثقافة الوثنية والسحر والتنجيم والخيمياء، وإيحائات مستقبلية بثقافة الأوربيين الحديثة، ومحطاتها الفضائية العابرة للفضاء.
وقد كانت لأدوار الشخصيات دلالات إثنية وعقدية وحتى جغرافية، حيث كان كل شخصية تمثل أمة من الأمم،
فمثلاً جغارا، كان يمثل الثقافات الشرقية الممتدة من بلاد فارس على الهند والصين، بأديانها وطقوسها وفكرها والمواقفها التاريخية.
أما شخصية كيشروا فيمثل البعد الإفريقي والانتماء الزنجي، وبالتحديد قبائل الهاوسا، بأجسادها العارية، وأقدامها الحافية ورقصاتها الطقوسية، وتمائمها ومقدساتها، وهيئتها الشرسة المحاربة.
أما موستني، (الرجل الدب بالروسية) فهو ممثل الجنس السلافي، والجهة القطبية في شرق أوربا التي تشمل روسيا وأوكرانيا. ورومانيا وبولونيا.
بينما تمثل شعاد، منتسبي ومرتكبي العنف الديني المتطرف بكل أشكاله، وهي عبارة عن قلب لكلمة (دا عش).
أما شخصية مهيمن فهو ممثل أقطاب التجبر والامبريالية العالمية التي أنتجتها العولمة والهيمنة على العالم والدول المستعمر بالقوة، بداية من أمريكا وصولاً إلى إسس را ئيل، ومروراً بأوربا الغربية.
أما ماكين: هي المرأة الأثيوبية المستعبدة، التي تمثل سلالة العبيد المدجنين،
و زولا تجسد القبح واللاإنسانية اليهودي، وكلمة زولا تعني بالعبرية المرأة القبيحة.
أما داماسكي فهي ممثلة لمنطقة الشام (دمشق) وصولاً الجزيرة العربية
وقد كانت عبة الدلالات الاسمية المتدرجة من الرمزية إلى الواقعية، تجاري ذلك التدرج في الأحداث الدرامية التي عرفها العرض، من بدايته الطقوسية، إلى وسطه الملحمي إلى نهايته ذات الإسقاط الواقعي، الذي حوكم فيه كل جناة العالم وزناة التاريخ على أيدي ضحاياهم، وتم ذلك على أرض صفار الجزائرية.
سادساً- الصراع:
ينطلق الصراع في المسرحية ملحمياً بحتاً، باعتباره صراع وجود، ومطاردة وثأر، لجريمة سامية قديمة، ارتكبتها ولازالت ترتكبها الوحوش الإمبريالية العالمية، وزعماء الهيمنة الذي عرفهم التاريخ الماضي في الأديان، ملعونين ومطاردين ومشتتين، وعرفهم العصر الحالي محتلون ودمويون وخارجون عن القانون، يقت لون الأطفااا ل ، ويقتاتون على المستضعفين من الأمم، وهم لا يزالون في حالة هروب من السجن الأبدي.
لكن في وسط المسرحية يصل الصراع إلى أشده، حين يلتقي أصحاب الثأر (كيشروا وداماسكي)، بملعون الدين والتاريخ مهيمن، الفار من العدالة، وهو قاتل قبائل إفريقياً التي ينحدر منها كيشروا، ومرتكب مجازر الشام وفلس طين التي تمثلها داماسكي، وحين يلقيان عليه القبض مقيداً في الصحراء، يقيمان عليه الحجة، ويعرضانه للجلد، ثم في آخر المسرحية، يجتمع إليه حلفاءه ورفاق دربه من المجرمين، ليقوا القصاص على أيدي أهل الحق القديم الذي لم يؤخذ بعد.
لتنتهي المسرحية مغلقة، على حل ينهي مأساة إنسانية أزلية، ويحسم قضايا عالمية كبرى من وجهة نظر إخراجية, تصورت النهاية بهذه القضايا قبل النهاية.
ولم نشهد في المسرحية صراعات نفسية بل إن الحوارات الذاتية نفسها كانت عبارة عن أحاديث جانبية موجهة للجمهور لسرد المحكيات وتفسير الأفعال، أكثر من توجهها للذوات، نظراً لكون الحكم على الشخصيات كان محسوماً قبلياً، مما ساعد على معرفة مصائرها.
وكانت أغلب المقاطع الحوارية تابعة للصراع وتذكيته، أي ذات بعد تحريضي، أكثر من كونها حوارات فكرية، ودرامية باحثة عن معنى تصل إليه الشخصيات بشكل متدرج.
سابعاً- التأثيث السينوغرافي.
في التعبير عن البعد الطقوسي للعرض، اعتمد المخرج على الفضاء الفارغ، أو لنقل معظم الفضاء كان فارغاً ماعدا ثلاث مجسمات جبلية في خلفية الركح، تمثل الأعمدة الصخرية، لمدينة سيفار المفروش معظمه برمال على الركح، فيما يرتفع قمر بصورة ضوئية تبرز فيها تضاريسه، وتسمح المؤثرات الضوئية بمشاهدة تحولاته الزمنية بين البدر والهلال، أو تحولاته الشكلية في حالتي الانكشاف والخسوف، للتعبير عن المضامين الطقوسية والموسمية المعبر عنها.
وقد كان للبعد الهندسي لتموضع التأثيث على الركح، والبعد الطقوسي في أزياء وإكسسوارات الممثلين، الأثر الأبرز في بلوغ التوازن السينوغرافي للعرض، وكلا البعدين كانا متعلقين أشد التعلق بالمنظومة الإضائية في التشكيل السينوغرافي، حيث اعتمدت الإضاءة على تقانة المؤثرات الضوئية التي تتفاعل زمنياً مع حالات القمر، وانعكاساتها على التطور الدرامي، وانعكاساتها النفسية والروحية على الشخصيات أثناء جريان الأحداث ودوران الصراع. وقد كانت المنظومة الإضائية، من أبرز العناصر الفاعلة في تبليغ فكرة العرض. وقد تم فيها اشتغال كبير نظراً لاستراتيجيتها في صناعة وتنفيذ الحالات الدرامية من المنطلقات إلى المصائر.
كما شهدنا تفاعلاً لا يمكن تجاوزه خاصة في مشاهد القسوة، بين التأثيث الركحي، وحركة الممثل، والإضاءة، والمنظومة الصوتية الصاخبة، سواء في التآليف الموسيقية المعتمدة على الدوي والطرقات العنيفة، الأصوات المسجلة لحيوانات (غربان ذئاب- بوم)، وتآليف أغاني بلغات إفريقية غامضة. دوي طبول تقرع بقوة في حفلات الجن، أو في الأصوات الطبيعية الصادرة عن الممثلين، لنجد بأن المنظومة الصوتية للعرض كانت من أبرز الحوامل الفنية لمنظومتي الإضاءة والتأثيث الركحيين.
ثامناً- ملاحظات
– لقد حاول العرض قول كل شيء عن تاريخ التجبر والاستبداد، وتمثيل شخصياته وأفعاله مصائره، مما جعل تنوع العرض يسير بامتداد أفقي، ليعبر كل تلك المحطات التي كان أغلبها عابرة ورمزية. وقد اعتمد المخرج على الرمزية في التناول أكثر من تعميقه لفكرة واحدة واضحة.
– تبدأ المسرحية بقضايا وشخصيات محسومة المصائر، ملعونة سابقاً ومدانة تاريخياً، مما يجعل العقدة محلولة قبل أن تبدأ، ولا ينتظر المشاهد من أطوار العرض سوى لحظة المحاكمة، وعرض مشاهدها، ولوحاتها الرمزية.
– – لقد استعمل العرض عدة منظومات سينمائية، تمثلت في المؤثرات الضوئية المتحركة، التوازي المشهدي، القطع السينمائي، الاختزال المكثف للمشاهد العابرة للعصور، حيث كنا نشاهد إسقاطات ومشاهد تمثل أكثر من عصر وأكثر من امة متباعدة الأزمنة في مشهد واحد، وهي قمة الاختزال المشهدي، وقد كانت اكثرها مفهومة لمن يملك ثقافة ذلك الإيحاء الرمزي، ما يعني أن المسرحية كانت تتجاوز المتلقي البسيط، فهما وثقافة وأنساقاً فكرية، ذات بعد أسطوري وسياسي واستراتيجي,
– لقد فضل المخرج أن يختم عرضه مغلقاً، ويقدم محاكمته لمذنبي التاريخ والطغاة، يطريقته وتصوره، أي ان يقدم الحلول لأزمات عالمية وكونية ووقائع نشهد اليوم تأججها وعنفوانها، ولم تنته بعد، لك الرؤية الإخراجية، أتت بالجميع إلى أرض صفار باعتبارها أرض التيه، والعقاب لكل مذنبي وملاعين التاريخ، وجعلت من صحراء الجزائر منصة محاكمة وقصاص لهم. فجلد الظالم على يد المظلوم الذي انتصر في النهاية.
– وهذا ما جعل النهاية تتسم بالواقعية وليس بالملحمية كما بدأ العرض، بل كانت نهاية أخلاقية وليست فنية مرتبطة بالافتتاحية والوسط الملحميين.
– تكمن قوة العرض في جهازه السينوغرافي، التعبيري بلوحاته الانطباعية والرمزية، ومنظوماته الإضائية والصوتية المتداخلة، والتي صنعت خطاباً، متآلفاً مع أداء الممثلين، وهيئاتهم المعبرة عن حدود ثقافاتهم التي كانت تسم حواراتهم وأفعالهم.
– ومع ذلك فقد شهد العرض بعض التداخلات المشهدية، تارة وعدم ترابط المشاهد تارة أخرى. مثل مشاهد السجناء الدذين يتركون مهيمن مقيداً ثم يدخلون عليه ويسألونه من فعل بك هذا، وكذا مشاهدة شخصية ماكين (أم زولا) هي التي تجري وراء ابنتها وليست زولا هي من تجرها بالحبل كما يفترض. كأنهما صديقتين تجريان معاً.
– ورغم هذا التفاصيل والفجوات التمثيلية التي قد تنجم عن التآلف في لعب العرض لمدة كافية، إلا أن الجمهور شاهد عرضاً غير مألوف، سواء في تقنيات المشهدة الحديثة، أو في الأساليب التعبيرية الرمزية، أو في نوعية تقديم العرض الطقوسي، بوسائل تقنية مغايرة ومحدثة. لكن المميز في كل ذلك هو الرؤية الإخراجية، التي ضمت مدارس وأساليب عدة لكن تجاوزتها جميعاً لتقدم من توليفتها أسلوباً لم يكن معهوداً حتى لدى المخرج نفسه الذي يبدو أنه يجدد أساليبه ووسائله وعدته الفنية مع كل عرض.
