فقاعة (هواء ودم) لعبد الرزاق فاضلي. تفوق الإنشائية وتفكك السردية

فقاعة (هواء ودم) لعبد الرزاق فاضلي. تفوق الإنشائية وتفكك السردية
1
(1)

د محمد الأمين بحري/ الجزائر

التجنيس والبناء:
بما أن النص يتجه لا يتجه بالإساس إلى كتابة رواية من حيث البناء (على الرغم من أن كلمة رواية مكتوبة على الغلاف)، فإن انتماءه الأجناسي يبقى مرهوناً ضمن أنواع الخطابات المعتمدة فيه، وإن استخرجنا هذه الخطابات فسنجد أن أكثرها عبارة عن إنشائيات [اقتباسات من مقولات شهيرة- أقوال مأثورة من حكم والأحكام على معطيات النص].
وهذه المعطيات هي عبارة عن قصة قصيرة غير متواصلة، إي هي عبارة عن شتات قصص، ورحلات في الحياة لعدة شخصيات مفككة الروابط، ومتقطعة الحبال والعلاقات السردية. ولعل قراءتها كمجوعة قصصية متغايرة المغامرات يكون أسهل على القارئ في استيعابها، أكثر من اعتبارها رواية، لأنه سيشقى في البحث عن تطور البنيات والخيوط السردية أو هدف أو حبكة او تعقيد وكلها عناصر رواية يفتقدها النص افتقاداً جذرياً. بسبب الاختراقات غير المبررة للإنشائيات وخطابات الاقتباس للمتن القصصي لأي قيمة وردت في النص. ولعل الكاتب يريد بذلك من القارئ ان يفعل ما لم يفعله هو من متطلبات السرد، وعموماً فإن هذا النص ينشطر إلى مكونين أساسيين يبني عليهما خطابيته. وهوما:
1- المكون الإنشائي: ويتضمن: مجموعة هائلة من الاقتباسات (الخارجية أو المجلوبة والداخلية، أو الذاتية الإنشاء).
2- المكون القصصي: ويتضمن: قصة قصيرة، بل قصيرة جداً، عن الحياة المضطربة للسيد ياسر بين عالمين: عالمه الداخلي المتوتر نفسياً، وعالمه الخارجي الذي يحياه كأب فاشل في حياته العاطفية والاجتماعية.
#المكون الإنشائي:
ويمثل هذا المكون: الجزء الأكبر من المدى النصي، وتتكون من خطابين كبيرين
1- خطاب الاقتباسات الخارجية أو المجلوبة، حيث جب الكاتب إلى نصح كماً هائلاً من الاقتباسات لفلاسفة ومفكرين وأدباء. نذكر منهم على سبيل المثلا لا الحصر [شوبنهاور- جورج ساتور- دوستويفسكي- نيتشه- إريك إريكسون- وليام شكسبير- جان جينيه]، كما جلب عدة أساطير يونانية: مثل أسطورة أهل الكهف لأفلاطون، أسطورة بروكوست،وأسطورة أفروديت وأدونيس، وأسطورة السيد جوان غزو الصينية (وقد أوردها الكاتب بالخطأ: باسم السيد زوانغ).
و نظريات علمية كفرضية الوعي الكمي. وتجربة الشق المزدوج، الخ.
2- خطاب الاقتباسات الداخلية (الذاتية الإنشاء)، وتتكون هذه الاقتباسات الذاتية التي يقترحها علينا الكاتب من نوعين من الخطابات:
– الأولى خطابات في شكل حكم أخلاقية يسديها لنا حول تجرية الحياة والوجود والدنيا والعلاقات مع الناس، وهذه الأخيرة في أغلبها أحكام مسبقة من وجهة نظر حالة نفسية مرضية واحدة، يبتغي تعميمها على الوجود والحياة.
– والثانية: خطابات تيار الوعي، والحوار الباطني والمناجاة الذاتية (حديث النفس) وهي خطابات طويلة جداً التهمت السواد الأعظم من صفحات النص، وهي أيضاً لا تخلو من هالة الوعظ والإرشاد سيقت بأسلوب الحكيم.
والملاحظ عن النوع الثاني من الخطابات الإنشائية، أنها عبارة عن أحكام مسبقة على العالم، وفق نظرة لا تقبل النقاش تقولب الوجود والإنسان في إطار ضيق وتحكم عليه حكماً نهائياً لا أعتقد أنه يوافق رأي سوى من كتبه.
والنص مليء بالعبارات الأخلاقية ذات الصيغة الشبيهة بلافتات التنمية البشرية المطروحة بأسلوب الحكيم، مثل ما نجده في الصفحة (27) حين يقول البطل فراس: [حين تتلطخ الجدران بالدماء، أول ما نجيد فعله هو البحث عن شخص للومه، فعيب البشرية المطلق، أنها لا تجيد لوم أو إصلاح نفسها].
غير أن العيب الفني لهذا النص الذي يتحدث بجزم ويقين عن عيب البشرية المطلق، هو الحكم المسبق واليقيني على مسألة (العيب البشري المطلق) لا يمكن حسمها والبت فيها بيقين متعال.. وكأنه قد أغلق الباب دونه حين أصدر هذا الحكم الذي نسبه وعممه على البشر، ووصفه بأنه مطلق لا نقاش فيه.
لكنه لم ينتبه إلى أن موضوعاً كهذا لا يمكن أن يمثل حالة عامة للبشر، ولا مطلقة، ببساطة لأنه موضوع أخلاقي بالدرجة الأولى، وثقافي بالدرجة الثانية ومرتبط بعلاقات البشرية المتعددة الانتماءات بدرجة ثالثة، ولا يوجد أي فيلسوف يحترم نفسه حسم نهائيا مسألة الخير والشر وعمما على كافة البشر وبحكم مطلق. لكن الكاتب يحكم ويجزم ويحسم بيقين كل قضية أخلاقية واردة في نصه، وبأسلوب الحكيم الذي أغلق العالم دون البحث والتأمل والاستقراء.
وفي الصفحة نفسها يزج بنا الكاتب في فسحات إنشائية مطولة. لا تنتهي إلى غرض معين: [عجيب حال الإنسان في الانتقال من العدمية والاكتئاب إلى التفاؤل والنشاط. الصحة الجسدية تلعب دوراً رئيسياً في تحسين الصحة النفسية] (ص27).
ولا يدري القارئ ما فائدة هذا التأكيد على أن صحة البدن لها فضل على صحة النفس، وكأنه مسألة تستحق الإثبات؟؟ ويقولها بتأكيد واثق وبحكم نهائي، لكن البديهي الذي يعيشه كل الناس ويشيع بن الرياضيين والأبطال منهم في كل مكان بأن الاكتئاب الذي يحرصون على التشافي منه يسكن في صالات الرياضة وتثقيف الأجسام، وهذه أمور لا تستحق البت فيها أو حتى نقاشها، لكونها من البديهيات. التي لا تزال قيد العلاج والتطوير النفسي والعلاجي والابتكار اليومي في مجالها. فما حاجة الكاتب إلى إغلاقها وحسمها. بهكذا حكم لا النص ولا الموضوع ولا حتى السياق يقتضي الخوض فيه، لأنه ببساطة يخرج الحدث عن مساقه ويقطع الخيط السردي عن سياقه.
ثم يتلو هذا الحكم بنصيحة أخلاقية: [عندما تصاب بنوبة اكتئاب، وانهيار حاول تجاوزها بينك وبين نفسك دون التأثير على الجو العام لأنه لا أحد يمكنه إدراك مشاكلك من الداخل] (ص 28)، هنا يتحول النص إلى بيانات أخلاقية للتنمية البشرية، ويختم هذه النصيحة الأخلاقية بحكم نهائي يقول فيه: [ومهما قابلت من حالات مشابهة، تبقى الفردانية هي الأصل] (28).
إن حكما كهذا سيقود أول قارئ اجتماعي مخالف لطرح الفردانية والفكر الفرداني إلى تكذيبه ونفيه والوقوف في وجهه، ولا أدري كيف لكاتب يطرح رأياً إيديولوجياً بهذه الطريقة المباشرة ويعلن لقرائه بأن هذه الفكرة أو تلك هي الأصل. ما يعني أنه غيرها خاطئ وباطل وليس بأصل؟؟ ليأتي هو ويحسمها بحكم نهائي كأنما يوجههم لتبي ما يراه هو الأصل، وكأنه لا يعلم بانه يعيش في عالم من الاختلافات التي لا يمكن أن تلتقي أو تقاطع أو تتوقف عند حد معين كي يأتي هو ويغلق دائرة التفكير ويرشدهم إلى أن الفردانية هي الأصل دون غيرها؟؟ ويضع نفسه في حرج الحكم البطل والمواجهة المباشرة مع اختلافات آراء القراء المتفتحين على العالم المتعدد الأطراف.
يمتلئ النص لهذه اليقينيات المجانية تماماً والتي أثقلت سيرورة السرد بل ألغت السرد ذاته وحلت محلة كتلا إنشائية، وأحكاماً أخلاقية لا حاجة للقارئ بها: لأنها مسائل خلافية، من شأن البت فيها أن يضع الكاتب في مواجهة واختلاف مع قراء لا يقاسمونه نفس الرأي ولا يشاطرونه الحكم.
حتى لتشعر أن الكاتب هنا جاء ليلقنك دروساً في التنمية البشرية والأخلاقية، وطرق السلوك والتعامل فيأمرك أن تفعل كذا ويغلق أمامك ذلك الباب ويوجهك نحو الآخر لأنه يراه هو الأصل. بحكم حاسم وخطاب صارم. مثل ما يعظك هنا في فهم الدنيا في الصفحة الموالية: [إن أصعب شعور في هذه الدنيا، وأكثر إحساس معاق يمكن للمرء أن يشعر به هو النوستالجيا] (ص 29). والنوستالجيا هنا هي الحنين طبعاً.
فحينما وصلت إلى هذه العبارة التي حسم فيها الكاتب الموضوع، وأقر بأن الحنين هو أصعب شعور في هذه الدنيا يمكن للمرء أن يشعر به.. وجدت نفسي أخالفه وأنفي رأيه ببساطة، وأقرر أنني لا أقاسمه هذا الشعور ولا الإحساس. ولا أعتقد أن ذلك هو أقسى شعور للإنسان في الحياة بكل الحالات.
وهكذا يضع الكاتب نفسه وعباراته وأحكامه الملطقة والجاهزة غير المبررةسردياً، في مواجهة دائمة مع القارئ الذي لا يشاطره حكمه لمطلق على الأخلاقيات والسلوكيات والأحاسيس الفردية التي لا يمكن أن يتقاسمها شخصان يعيشان في بيئتين مختلفتين، فكيف نعممها بهذا الشكل الاعتباطي، ونقول للقراء بأن هذا هو أقسى شعور للمرء، وحين نبحث عنه نجد أن الشعور المقصود هو النوستالجيا أو الحنين، الذي قد يعتبره البعض الآخر (في المقابل) عاطفة رقيقة تنتاب الإنسان في لحظات الغربة والوحشة وتشده إلى من يحب من أناس وأزمنة ولحظات حميمة.
هنا يخرج الكاتب بنصه من السرد القصصي تماماً ويدخل في محاكمات مجانية للأحاسيس والأخلاق والسلوكات. ويضع نصه ونفسه وأحكامه المطلقة الجاهزة على حياة البشر الذين يتملك باسمهم عهن الحياة. بيقين مطلق. في مواجهة مباشرة مع من كل يخالفه الرأي. والجزم واليقين.
فتتحول مقاطع واسعة من النص إلى مقالات رأي ومصادرات تغلق الكثير من القضايا الإنسانية التي لم يبت فيها أي مفكر أو فيلسوف من قبل نظراً لطابعها النسبي المفتوح، ومواقف معلنة ومباشرة تعاكس ما بني عليه السرد من تخييل وانفتاح وحوارية.
وهنا تتلاشى، بل تنعدم سردية السرد، بتدخل إنشائية المحاكمة الشخصية للحياة والواقع والأحاسيس ويلغي قيمة الحوار والحوارية في نصه، وذلك من زاوية ضيقة جداً، هي التي يرى يطرح بها الكاتب وجهة نظره بشكل معلن ومباشر يعرضه لمواجهة مع قراءه في الرأي والحكم واليقين.
تستشعر في نهاية هذه الأحكام المطلقة والإنشائية والخارجة عن مدار اشتغال السرد، حيث يمكن أن يضعها في كتاب تنمية بشرية يقول فيه ما يشاء، ويعبر فيه هن رؤيته الخاصة. وهناك يمكنه أن يثبت الحالات اليقينية ويطلق الأحكام ويحاجج من يختلف معه ويقنعهم بطريقته، لأنه وضعها بهذا الشكل الإنشائي المتعارض مع الخطاب الروائي لا يمكن أن يقنع قارئ منفتح على تعدد القراءات، لسب بسيط هو أن الفضاء السردي بحكم انفتاحه على حوارية أفكار تجسدها شخصيات ومواقف ورؤى من العالم، يتعارض مع الإنشائيات والأحكام الجاهزة والمسبقة والتصريح المباشر بالانتماء والمواقف.
أمام هذا الركام غير المتجانس لا مع نفسه ولا مع جنس الروية ونسقها، من الأحكام الجاهزة واليقينيات غير المبررة سردياً، والتي تتعارض مع منطق التعدد والاختلاف والحوارية، وتضع الكاتب في مواجهة مع من يختلف معه، ما لم يكن في الحالة النفسية المشابهة له. يظهر للعيان بأن الكاتب قد خرج عن السرديات تماماً وانجر خلف الاقتباسات والحكم والمواعظ والمحاكمات الأخلاقية، وتبين أنه من هنا ل يعرف حدود هذا الجنس الذي يعتقد بأنه يكتب فيه (الرواية)، وأعتقد أنه لو قرأ كما كافياً من الروايات لعرف حدود وبنيات واكتسب أدوات هذا الجنس السردي، ولما تاه عنه بعيداً وأغرق نصه في الإنشائيات والأحكام الجاهزة المجانية. على قضايا أخلاقية كبرى مازال الفلاسفة يعتركون حولها، خارج الرواية طبعاً.
قبل أن يجمع تلك الاقتباسات الخارجية والداخلية المختلفة المشارب ويضعها في نص يكتب على غلافه رواية. بينما كل ما كتبه هنا يتعارض معها ويطرح خارج مجالها.

#المكون القصصي:
وسط ذلك الكم الهائل والمتراكم من الاقتباسات والحكم والأحكام الأخلاقية والمواعظ والمقولات الإنشائية، تتسلل القصة التي يرويها النص ضئيلة وقصيرة، بل قصيرة جداً، وغير مكتملة.
إذ تحكي عن بطلها السيد: فراس أستاذ ثانوية في الجزائر مطلق وله ولد اسمه آدم أندبه من طليقته التي اسمها أفروديت.
تقابلنا الرواية بفراس تائهاً بلا وجهة، كل من يقابله يدخل معه في نقاش فلسفي وقضايا وجودية، وكأن الجميع بمستواه.
تعتبر هذه القصة هي خلفية كل ما يحدث في النص.
في الجزء الثاني من النص
ننجد أن فراس انتقل إلى لندن، بعد هجرة غير شرعية انقلب فيها القارب على شواطيء مدينة إيبيزا الإسبانية، وكان طبعاً هو الناجي الوحيد.
أما انتقاله من إيبيزا إلى لندن فلم يرد في الرواية (أهمله الكاتب أو نسيه) نظراً لكثرة الفسحات التأملية والمقولات الإنشائية التي تفصل وتفكك أوصال القصة التي نحاول جمعها.
في لندن نجد نسخة أخرى من فراس وهو نوح، أو هو طبعة ثانية منه كما صرحت بذلك زوجته أفروديت التي سنجد بأنه شملهما قد اجتمع دون أن يذكر لنا الكاتب كيف تم ذلك. والمتغير الوحدي هنا هو اسم اسم البطل فراس الذي أصبح نوحاً دون أن تتغير أسماء الشخصيات من حوله. ولم يبرر الكاتب ذلك أيضاً. ويبقى آدم يعيش ويعيد أحداث حياة فراس الذي كانه في الجزائر. بتقنية ال [déjà vu] في نهاية الرواية (ودائما في لندن) يستعيد البطل اسمعه فراس، ويشتغل هذه المرة مدرساً في الفيزياء في إحدى الثانويات الخاصة. ليلتقي زميلة له تدعي إليزابيث، وتسأله إن كان هو نوح أم لا.. لتكون هذه آخر كلمة في النص الذي لا يحمل إية حبكة تحكم منطق أحداثه غير المترابطة.

ملاحظات:
– إن أكبر غائب في هذه الرواية هو الحبكة. التي تبرر وت,ضح الخط السردي الذي يؤطر الأحداث ويربطها ويصنع منطقها السردي ويركب مشاهدها بأسلوب معين. وهذا أول أسباب التفكك النصي.
– والسبب الثاني لتفكك النص هو أنه جانبه السردي أقل بكثير من جانبه الإنشائي المتمثل في المقولات المقتبسة الخارجية وأخرى المنشأة ذاتياً والتي حولت النص إلى حشد من الإنشائيات المليئة بالمواعظ الأخلاقية والأحكام الجاهزة التي أخرجت النص عن سرديته، وألقت به في خطابية التنمية البشرية وأسلوب الحكيم. وهذا ما غطى على القصة القصيرة جداً التي يحتويها والتي بدت ضئيلة ومفككة وغارقة في مقاولات إنشائية لا علاقة لها بها. والتي اعتبرها الكاتب رواية.
– والسبب الثالث في تفكيك سردية النص أن الكاتب عمد إلى جمع كمٍ هائلٍ من الاقتباسات الخارجية، وأنشأ هو بنفسه بعض المقولات والأحكام الأخلاقية والمواعظ .. التي نشرها في النص، فكان النص هو الذي يتبع تلك المقولات وليست المقولات هي التي تتبع النص ومساره، وهذا ما جعل الكاتب ينسى الحبكة وينشغل بنسج الأحداث بحسب الكم الهائل من المقولات التي جمعها ورصفها في نصه. وكانت نتيجة ذلك غياب الحبكة وغياب الهدف السردي وضياع الخيط السردي ومنطق الأحداث، فظهرت لنا القصة قصيرة جداً ومغيبة وغارقة في لجج الإنشائيات. والاقتباسات.
– لذلك فإن غياب روائية النص راجع بالأساس إلى انعدام بنيات السرد الروائي، وأولها الحبكة، والمنطق الداخلي للأحداث، والهدف الذي يرسم مسار وحركة البطل، ويحدد الصراع، وبفقدان الحبكة ومنطق الحدث والخيط السردي وهدف البطل الذي يجعل منه بطلاً انعدم الصراع في النص، واكتتفي الكاتب بدل البناء السردي بحوارات باطنية وخارجية كلها ذات طابع تأملي. لنخلص في النها إلى خطابين
– الأول إنشائي أخلاقي
– والثاني سردي غير مكتمل (مبتور النهاية).
ونشير أخيراً إلى أن اللغة الإنشائية والاقتباسات، والأحكام الأخلاقية والمواعظ، هي خطابات مغلقة. بعكس الخطابات السردي التي هي خطابات مفتوحة حوارية لا نهائية تتنافي مع أي حكم جاهز أو مقولة يقينية كما ورد في هذا النص، لنستنتج بأن النص قد جلب إليه خطاباً مضاداً للسرد فكك متنه وأخرجه من الجنس الذي ظن الكاتب أنه يندرج ضمنه.
– لقد بدا جلياً من خلال الرصد الكمي لمختلف أنواع خطابات النص (التي أشرنا إليها آنفاً)، تترجم الرغبة والغاية في هذا النوع من الكتابة، وهي تقديم أكبر قدر من الاقتباسات الخارجية والذاتية الإنشاء، والتي تغلبت بشكل ظاهر على غائية كتابة قصة محبوكة وذات منطق سردي متنامٍ، وهذا ما يفسر كثرة الاقتباسات الإنشائية على حساب القدرة على ربطها منطقياُ، ما يعني أن غاية جمع الاقتباسات قد تغلبت على غاية نسج سردي يدور حول قصة منسجمة، مما جعل تناثر تلك المقبوسات في النص، غير مبرر ولا منسجم في غالبية الأحيان، كأنما تم جمعها، أولاً ثم محاولة إيجاد تناسق وانسجام بينها، وهذا ما صعب واستحال على الكاتب. فكان النص عبارة على إنشائيات غير مترابطة السياق والمسار السردي، عكسه غياب الحبكة والبناء السرديين.
ويبقى الطريق الأقصر للكتابة في أي جنس أدبي، هو ببساطة أن نقرأه بشكل كاف، أفضل من أن نجني عليه بما ليس منه لا في المبنى ولا في الخطاب. ثم ننسبه إليه قهراً واعتباطاً.
—————————-
عبد الرزاق فاضلي: فقاعة- هواء ودم، (عدد الصفحات 124)- دار أدليس- الجزائر- ط1- 2024-

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 1 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *