مواربة الذات وتأجج الصراع ومحاولات التأقلم دراسة نقدية لرواية الطيب صالح ( موسم الهجرة إلى الشمال)

مواربة الذات وتأجج الصراع ومحاولات التأقلم دراسة نقدية لرواية الطيب صالح ( موسم الهجرة إلى الشمال)
1.5
(2)

بقلم الدكتور إيهاب بديوي / مصر

النقال مقتطف من كتاب بناء السرد  الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب

تتشابه الظروف، وتتعدد التأويلات، وتتداخل الصراعات، ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر التغيير الذي أصاب كل مناحي الحياة في العالم العربي منذ نشرت الرواية للمرة الأولى عام 1966 في مجلة حوار اللبنانية لصاحبها الشاعر الفلسطيني توفيق الصايغ صديق الكاتب ، ثم ألقى الضوء عليها الناقد الكبير رجاء النقاش بعد أن قرأها وانبهر بها في مقاله الرائع بمجلة المصور المصرية في نفس العام قبل أن تجد الرواية ناشرا يهتم بها، كان الطيب صالح في السابعة والثلاثين من عمره، ولنا أن نتخيل حال الرواية لو لم يكن قد قرأها مثل ذلك الناقد الكبير، لنا أن نتخيل معاناة كاتب بحجم وقيمة الطيب صالح في نشر أعماله في وسط مثقف يزيد فيه عدد الكتاب الكبار من نوعية نجيب محفوظ ويحيى حقي الذي يعشقه الطيب صالح، تغير كل شيئ في العالم العربي إلا نفس البيئة الثقافية شديدة الصعوبة التي يمارس فيها الكاتب العربي إبداعه ومعاناته الكبرى في رحلة النشر ثم كارثته الملازمة له طوال الوقت في عدم وجود مؤسسات تمويلية تتبناه لدرجة أنه لا يتكسب ماديا من أعماله ويعيش على فتات الوزارات وأحلام التوزيع التي تلتهمها جهات كثيرة ولا يصل إليه ما يقيم أود قلمه ويعفه عن السؤال. حتى الطيب صالح نفسه ذكر كثيرا أنه لم يتكسب من هذه الرواية التي صنفت من أفضل مائة عمل روائي في القرن العشرين، فماذا يفعل بقية الكتاب؟ نعود إلى رجاء النقاش ومقارنته البديعة بين أدب المهاجرين العائدين من صدمة الغرب والفروق الحضارية التي اتضحت في القرن العشرين وزادت ومازالت الهوة تتسع حتى اليوم، قارن بثقافة الناقد الملم بأدواته بين (عصفور الشرق) لتوفيق الحكيم و(قنديل ام هاشم) ليحيى حقي و(الحي اللاتيني) لسهيل إدريس، ولعلي أضيف لها كتاب رفاعة الطهطاوي (تلخيص الإبريز) الذي لم يرق إلى مستوى الرواية وكذلك السيرة الذاتية لطه حسين التي أوضح فيها بعبقرية رغم ذهاب بصره مشاعره التي صورت الفروق الكبيرة بين الشمال والجنوب.
وقد ذكر أستاذنا الكاتب الكبير مصطفى نصر في مقال نشر في جريدة القاهرة ومجلة الكلمة التي تصدر في لندن عن الشخصيات الحقيقية في بعض الروايات العربية أنه التقى شخصيا بالسيد ( علي أبوسن ) وكان سفيرا للسودان في لندن وقد أخبره أنه البطل في رواية الطيب صالح حيث أنه كان زميل دراسة له في لندن ويفتخر بذلك، ولعل هذا الأمر يحيلنا إلى سبب لجوء الكاتب للتعبير بالقلم عن حوادث محددة في حياته، وقد كنت قريبا من تناول هذا العمل من زاوية السيرة الذاتية، حيث أن البيئة لتي شهدت نشوء وتطور وأهم أحداث حياة الكاتب واضحة تماما في الوصف المكاني، كما أن الثقافة الداخلية والحميمية في العبارات والدفئ في الشخصيات لا يتأتى إلا من خلال قرب شديد من أصحابها وممارسة الحياة معهم بشتى صورها وأحداثها، لكن هذه المعلومة جعلتني أتراجع عن ذلك وأدخل عالم الطيب صالح الرحب وأعيش الزمان والمكان المصاحب للأحداث وأقف على حافة الصورة أراقب وأتخيل وأسجل وأحلل بهدوء المتأمل وبعشق الباحث عن الحقيقة.
يقول الناقد الجزائري الدكتور عبدالحق بلعابد في مقدمة كتابه ( عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص) أخبار الدار على باب الدار”، يقول المثل المغربي، ولا يمكن للباب أن يكون بدون عتبة، تسلمنا العتبة في البيت، لأنه بدون اجتيازها لا يمكننا دخول البيت. لكن الأبواب مختلفة وأحياناً عديدة مخاتلة، ولا يمكنها، في كل الأحوال، أن تعطينا فكرة دقيقة عن “أخبار” الدار. قد تكون الدار فخمة واسعة، دالة على الترف والجاه، لكن الباب متواضع وعتبته بسيطة لا تختلف عن باقي الأبواب والعتبات في الزنقة.إن “صناعة العتبة” الخارجية، وفق تقليد مغربي قديم، تقتضي المشابهة مع عتبات الجيران لإخفاء التميز الداخلي وستره، واعتباراً للمثل القائل “دير ما دار جارك أو ارحل من حذاه”. المماثلة إذن سمة لبعض العتبات أو للأبواب الخارجية، وهنا مصدر “المخاتلة”، العتبة لا تبين دائماً بما توحي إليه. لكننا لا نجد في الدار باباً واحداً، وبالتالي عتبة واحدة. إننا عندما نعبر الباب والعتبة الخارجيين، نلفي أنفسنا أمام أبواب وعتبات تتعدد بتعدد المرافق والفضاءات. ما أكثر العتبات، وما أصعب اقتحام أي فضاء دون اجتياز العتبة، العتبة فضاء. لم تكن العتبات تثير الإهتمام قبل توسع مفهوم النص، ولم يتوسع مفهوم النص إلا بعد أن تم الوعي والتقدم في التعرف على مختلف جزئياته وتفاصيله. ولقد أدى هذا إلى تبلور مفهوم التفاعل النصي وتحقق الإمساك بمجمل العلاقات التي تصل النصوص بعضها البعض، والتي صارت تحتل حيزاً هاماً في الفكر النقدي المعاصر.
والعتبة الأساسية في الرواية هنا هو العنوان الدال المحيل إلى عمق الفكرة الرئيسية التي يخرج بها القارئ بعد أن ينتهي من القراءة للمرة الأولى، موسم لغويا تعني ( اسم مكان من وسَمَ، اسم زمان من وسَمَ، المَوْسِمُ : حَفْل ، مجمع كثير من النّاس، موسمُ الشيء : وقتُ ظهوره فيه ، أَو اجتماعُ الناس له كموسم العنب ، أَو القطن ، أوالحجِّ ، أو الصَّيْد ، أو الاصَطياف، المَوْسِمُ : معرض ، سوق موسميَّة ، وقت ظهور الشَّيء أو اجتماع النّاس له،
ما أكثر تنوع الشطر الأول من العنوان، مجموعة مركبة من المعاني تشير كلها إلى ثراء فكري وموضوعي تحيل القارئ إلى خيالات وتوقعات حولى فحوى الرواية.
الهجرة: انتقال الأَفراد من مكان إِلى آخرَ سعيًا وراءَ الرزق، أو الأمان، معنى آخر يحيل الفكر إلى ذلك الخطر أو الدافع الذي يجعل شخصا أو مجموعة تقرر ترك مكانها وزمانها إلى مكان آخر قد يكون مجهولا هربا من شيئ ما.
الشمال: اجتماعيا اصطلح على أن الشمال يشير مباشرة إلى المكان الأكثر ثراءا واستقرارا، ويقابله الجنوب الذي يشير أيضا إلى عكس الشمال أي المكان الأكثر فقرا واضطرابا، وهو ما يعني صراع أيديولوجي وأنثروبولوجي منتظر في الرواية.
وبهذا تجتمع عتبة النص الأساسية إلى مجموعة من الدلائل والإشارات التي تؤكد أننا مقبلون على دخول عالم مليئ بالتناقض والضغوط والصراعات والأحداث المتتالية التي ستحبس الأنفاس.
شخصيات الرواية/ الرواي: يدخل مباشرة في الحدث، ويختار أسلوب الحكاء الذي يريد أن يصف حدثا ما لمجموعة من المستمعين، والإختلاف الذي يمكن تحديده بين السرد والوصف، يكمن فقط في محتوى كل منهما وعلاقته بالزمن؛ فاتصال السرد بالأفعال والأحداث يجعله أكثر ارتباطاً بالمقولة الزمنية، في حين أن الوصف نظراً لخصوصيته اللازمنية ـ في القصة ـ يمكنه أن يتغلب على العنصر الزمني من خلال تواقت عرضه للأشياء والشخصيات. وهكذا فإننا نحصل على خطابين متمايزين ومتكاملين أحدهما عملي (السرد)، والثاني تأملي (الوصف). ولا يعني تنوعهما تعارضهما في البناء السردي، بل هما صيغتان لبناء القصة.‏
من أهم الإنجازات التي قدمها الشكلانيون الروس للنظرية البنيوية في ميدان السرد، هو التمييز الذي أقاموه بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، والذي حدده توماشفسكي في أن المتن هو مجموعة الأحداث المتصلة فيما بينها، والتي يقع إخبارنا بها من خلال النص.‏
ومن هذا المنطلق نبدأ مع الراوي الولوج إلى الأحداث مباشرة، وقد ذكر توماس إليوت عام 1919 في تحليله لرواية هاملت لشكسبير أن المعادل الموضوعي قال إليوت :
(إن الطريقة الوحيدة للتعبير عن عاطفة ما في الفن أو بالفن هي العثور على ” معادل موضوعي ” أي على مجموعة من الأشياء المنتظمة أو على موقف أو على سلسلة من الأحداث التي يصير أي واحد منها هو (الصياغة) الفنية لتلك العاطفة بالذات بحيث تستثار تلك العاطفة على الفور حينما تقدم تلك الحقائق الخارجية، وهي التي ينتهي دورها بمجرد تلقيها أو بمجرد ممارستها ممارسة حسية).
استطيع القول بأن المعادل الموضوعي طريقة أو موضوعٌ أو ثيمة أو رمزٌ يصب الكاتب فيها فلسفته العميقة أو معاناته التي يحسها ويعيش في محيطها لأنه لم يستطع التعبير المباشر عنها لسبب من الأسباب، وقد يكون في حالة نفسية يعي معها ذلك الأسلوب في التعبير عبر المعادل الموضوعي وقد لا يعي ذلك.
وتحمل جملة في مطلع الرواية معادلا موضوعيا مختصرا عن الحالة التي كان عليها الراوي وكل ما مر به خلال سبع سنوات من الغربة في بلاد الشمال (ذاك دفئ الحياة في العشيرة، فقدته زمانا في بلاد تموت من البرد حيتانها).. ما أكثر الدلالات التي تحملها هذه الجملة، تلخص الحالة النفسية والإجتماعية والنفسية التي مرت على الراوي طوال تلك السنوات، ورغم هذه البرودة الواضحة التي تصل إلى درجة التجمد وفقد الإحساس بالحياة، سيقابلنا مباشرة نموذج البطل الموازي الثاني أو الرئيسي من وجهة نظر الراوي وهو مصطفى سعيد الذي ستكشف الأحداث أنه بلا شك عاش سنوات صاخبة ساخنة إلى درجة الغليان في نفس المكان لكن في زمان مختلف.
إذا كان الكاتب إنسانا بشريا من لحم ودم، فإن السارد أو الراوي هو كائن ورقي تخييلي، وإذا كان الكاتب أو المؤلف كائنا خارجيا، فإن السارد هو كائن داخلي يتولي مهمة السرد داخل المتن الحكائي. وبالتالي ، يتخذ الراوي أو السارد عدة صور، فقد يكون راويا موضوعيا محايدا يقوم بوظيفة الإخبار (سرد موضوعي)، أو يكون الراوي شخصية مشاركة داخل السرد (سرد ذاتي داخلي)، أو يكون الرواي ساردا خارجيا يخبر من قبل شخصيات القصة، وقد يكون السارد شاهدا أو مستمعا أو مشاركا في الفعل، وقد لايكون له أي دور في السرد…
وعلى الرغم من ذلك، فهناك نمطان من السرد: سرد موضوعي وسرد ذاتي. فالسرد الأول يعمد فيه الراوي إلى نقل مجموعة من المعارف حول الشخصية داخليا وخارجيا، يعجز المتلقي عن معرفتها دون السارد، كأن هذا الراوي أشبه بخالق مختف، حيث يملك معرفة مطلقة، تشمل الداخل والخارج معا، ويستعمل ضمير الغياب. في حين، تكون معرفة الراوي الداخلي معرفة داخلية متساوية مع الشخصية، وتكون الرؤية بعيني الراوي الداخلي.” ويمكن للنظامين، أيضا، أن يختلطا. ففي السرد الموضوعي، يتتبع الراوي، عادة، مصير شخصية معينة، فنعرف، بطريقة متتابعة، ما فعلته أو عرفته هذه الشخصية. فيما بعد، ينتقل انتباهنا من هذه الشخصية إلى أخرى، ومن جديد نطلع، بطريقة متتابعة، على ما فعلته أو سمعته هذه الشخصية.هكذا، يكون البطل هو الخيط المرشد للسرد. بمعنى أنه يكون أيضا راويه؛ أما الكاتب، متكلما باسم الراوي، فيحرص، في الوقت نفسه، على ألا يخبرنا بالأشياء التي لايستطيع الراوي الإخبار بها. في بعض الأحيان، تكون وضعية الراوي، كخيط مرشد للسرد، كافية لتحديد بناء العمل بكامله. ومع بقاء مادة البناء الحكائي على حالها، فإن البطل يمكن أن يتعرض لبعض التغييرات، إذا ما تابع الكاتب شخصية أخرى.”
ويتضح المزج بين هذه العناصر السردية مع تتبع الرواية، فقد برع الكاتب في إبداع يصل إلى حد التفرد بين السرد الموضوعي حين نقل معارفه وشخوصه وتجاربه في سلاسة مبهرة إلى القارئ، ثم ينتقل في مراحل تالية وسابقة إلى السرد الذاتي ويتداخل بشخصه في الأحداث ليكون ظلا للبطل الرئيسي أو الحدث الحاكم الذي يرويه في عملي الأدبي.
ويقول الدكتور جميل حمداوي الناقد المغربي المعروف في عرضه لتوماشفسكي:
منهجية توماشفسكي في تحليل النصوص السردية:
تعتمد المنهجية البنيوية السردية والشكلانية، عند بوريس توماشفسكي، على مجموعة من الخطوات الإجرائية على النحو التالي:
قراءة النص السردي قراءة عميقة بغية فهم الغرض العام أو الدلالة المحورية التي ينبني عليها النص.
تقسيم النص إلى مقاطع وفقرات ومتواليات مذيلة بعناوين غرضية أو تيمات جزئية.
التمييز بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي أو بين القصة والخطاب.
دراسة عناصر الحبكة السردية، واستجلاء وضعياتها (وضعية الافتتاح، ووضعية الاضطراب، ووضعية الصراع، ووضعية الحل، ووضعية النهاية)، ثم تصنيف الحوافز والتمييز بينها( الحوافز الأساسية، والحوافز الثانوية، والحوافز الديناميكية والحوافز القارة، وحوافز الوضعيات والحوافز الممهدة)، ثم دراسة أنماط التحفيز ( التحفيز التأليفي، والتحفيز الواقعي، والتحفيز الجمالي)، ثم تبيان نوع الترتيب الحدثي (سببي أو زمني).
دراسة الشخصيات الديناميكية والثابتة، وتبيان مواصفاتها ومحدداتها الجسدية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية ، والتوقف عند أسمائها العلمية ووظائفها داخل المسار السردي، وتحديد وضعياتها الثابتة والنامية، ثم التركيز على البطل ، بتبيان مواصفاته الكمية والكيفية، ثم مقارنته بالشخصيات الأخرى في القصة أو الرواية.
تحليل الفضاء السردي، من خلال التمييز بين الأمكنة الثابتة وأمكنة الانتقال، ثم دراسة زمن القصة وزمن السرد، باستجلاء مختلف المؤشرات الزمنية الصريحة والضمنية، ثم دراسة المدة والسرعة بطءا (الوقفة والمشهد) وسرعة (حذفا وتلخيصا)، فضلا عن دراسة الانحرافات الزمنية (الاسترجاع والاستشراف).
تبيان علاقة السرد بالسارد، من خلال التمييز بين الكاتب والراوي، وتحديد وظائف الراوي ومنظوراته ووجهات نظره وأصنافه وأشكاله داخل السرد.
دراسة الوصف ضمن المبنى الحكائي ، من خلال التوقف عند وصف الشخصيات، ورصد الحوافز الثابتة القارة والمؤشرات الوصفية التي تساهم في تأزيم الأحداث وتعضيدها متنا ومبنى.
استجلاء مكونات النسق السردي داخل النص، من خلال التوقف عند مكوناته الثابتة وسماته الثانوية، وتبيان طبيعة النسق: هل هو خاضع للقاعدة أم هو انتهاك للقاعدة؟وهذا له علاقة بالتقليد والتجديد الأدبي.
استخلاص مكونات التجنيس الثابتة والثانوية داخل النص السردي، وتصنيف أنساقه ضمن جنس أو نوع أو نمط أدبي معين.وهنا، لابد من الاحتكام إلى معايير نظرية الأدب، من خلال التحليل النصي البنيوي والشكلاني للنصوص.
وبهذا، يكون توماشفسكي من السباقين إلى طرح المنظور أو الرؤية السردية في مجال علم السرد، لتجد تصوراته القيمة آذانا صاغية عند الكثير من علماء السرد لتعميقها ، خاصة عند جيرار جنيت في كتابه (صور 3).
أما المبنى الحكائي فهو الطريقة والنظام الذي تقدم به هذه الأحداث في العمل، مع ما يتبعها من معلومات وإشارات بعينها. وهذا التمييز ـ الذي تمت استعادته من تودوروف ، وجينيت بتنويعات ـ تبين مدى الأهمية التي تكتسبها التحديدات المنهجية للخطاب السردي. وتتمثل هذه الأهمية في التمييز الذي أقامه بين السرد (أو الحكاية) والخطاب، وهذا في سياق التمييز الذي أقامه بين أزمنة الفعل في اللغة الفرنسية، حيث فرق بين مستويين هما: زمن الحكاية وزمن الخطاب وعرف الخطاب على أنه ملحوظ موجه من مرسل إلى ملتقى، يسعى فيه المرسل للتأثير في المتلقي بشكل من الأشكال.‏
ويحدد بنفنيست تمييزه لأزمنة الأفعال، مع ظروف الزمان إلى فئتين: إحداهما يتمثلها الخطاب، والأخرى تختص بالقصة؛ حيث جعل الضمائر أنا وأنت ، وظروف الزمان مثل اليوم، البارحة، الآن، غدا، والصيغة الزمنية لأفعال الحاضر والمستقبل، مخصصة للخطاب.‏ دراسة آلية التخاطب مرتبطة في اللسانيات الفرنسية باسم إميل بينفينيست الذي استطاع أن يجمع بين معطيات لسانية متفرقة وبين مفاهيم لغوية متفرِّقة ليبلور نظريته في هذا المضمار. فهو يرى أن اللغة، بوصفها نظامًا مجردًا أو طاقة مخزونة في ذهن الإنسان، لا تتحول إلى كلام حقيقي أو إلى نص أو خطاب إلا بواسطة عملية القول. وهذه العملية هي فريدة وفردية في كل الظروف والحالات. وهي ليست فقط جوهرية في صيغة النص ودلالته، بل إنها أيضًا وراء بنية وحدات لغوية تعبر عن مفاهيم إنسانية أساسية كمفهوم الشخص والزمان والمكان.
وكانت نقطة انطلاق إميل بينفينيست لهذه النظرية المنظور العربي لبنية الضمائر وتمييز النحويين العرب بين المتكلم والمخاطب والغائب. فمن خلال هذه التسميات العلمية التي نقلها بينفينيست إلى اللسانيات المعاصرة، أدرك أن عملية القول والتصاقها الحميم بصاحبها يحددان كل إحالة كلامية، وإن لم يستعمل حرفيًا العبارة أو يبسط منظوره هذا تحت عنوان ” الإحالة “ ما نفعل نحن هنا. فلقد أظهر أن بنية الضمائر أو وحدات الشخوص، وكما تعكسها التسميات العربية، مبنية على التقابل بين الحاضر والغائب، حضور المرجع أو غيابه: فالضمير ” أنا “ يحيل وجوبا إلى من يقول ” أنا “. وقوله ” أنا “ يفرض حتمًا حضور آخر يوجّه إليه خطابه ويشار إليه ﺒ ” أنت “. وهذه العلاقة الوثيقة التي تربط المتكلم بالمخاطب وتفرض حضورهما الضروري والمشترك في عملية القول أو التخاطب تبرز جليًّا من إطلاق تسمية ” الغائب “ على كل من ليس حضوره ضروريا.
أما بالنسبة للقصة فإنها تختص بالضمير “هو” ، وفي المستوى الزمني تختص القصة بالماضي المطلق. ومهما كانت التنويعات الممكنة والحاصلة، فإن النتيجة التي نصل إليها هي أن الصيغ اللسانية تجعل القصة تتسم بالموضوعية، على عكس ذاتية الخطاب.‏
ومستوى آخر يميز القصة عن الخطاب، نستنتجه من الطرح السابق؛ هو أن الخطاب بحكم طابعه الخصوصي، بإمكانه أن يتضمن المقاطع السردية؛ على عكس السرد الذي يتميز بخصوصية القص، فالقصة لا تعتمد صيغة الزمن الحاضر وضمير المتكلم‏
غير أن صعوبة الفصل في الحدود البينية تبقى قائمة، لأن الكاتب يتعامل مع صيغة السرد بأساليب شتى؛ قد تكون عن طريق تكليف شخصية رئيسية تتكلم وتقوم بوظيفة السرد والتعليق على الأحداث، مثل ما هي عليه القصص الشطارية، أو قد تكون عبر توزيع أدوار السرد على عدة شخصيات في العمل الروائي (إليوز الجديدة، العلاقات الخطيرة)، وقد تكون بصيغة أكثر مرونة من خلال الحديث النفسي للشخصيات الرئيسية للقصة، وهذه الحالة هي الوحيدة التي يحدث فيها توازن بين الخطاب والسرد.‏
وقد قامت أشكال سردية معاصرة على إلغاء دور الخطاب عبر متتالية من الجمل القصيرة، وهذا النقاء السردي نجده عند همنغواي، وآلان روب غربية، أو ألبير كامي في رواية الغريب. وإذا كانت هذه هي التحديدات التي يقدمها جينيت في بداية مساره النقدي، فإنه ـيعمل باستمرار على الاشتغال بالتحديد المنهجي لمختلف الأسئلة التي يطرحها تحليل الخطاب السردي من منظور الشعرية البنيوية، ولذلك نجده في مقالته “خطاب القصة” المنشور ضمن مقالات كتابه “أشكال III”، يراجع مصطلحاته حول السردية، ويقدم جملة أفكار يستفيد فيها بالخصوص من مقولات تودوروف 1966 حول الزمن والصيغة والخطاب.‏
وقبل صياغة المراحل الإجرائية لمعالجة النصوص السردية، يقدم جينيت ثلاثة أنواع للسرد والحكاية أو لنقل ثلاثة معاني:‏
ـ المعنى و/أو النوع الأول: القصة الحكاية وهو الملفوظ السردي منقولاً عبر الخطاب الشفوي أو المكتوب، والذي يضمن العلاقة بين مجموعة من الأحداث، وهذا المعنى هو الأكثر شيوعاً، وهو ما دعاه القصة ‏.
ـ المعنى و/أو النوع الثاني: وهو أقل انتشاراً، يستخدم عند المحللين ومنظري المضامين السردية، وتعني فيه لفظة “حكاية تتالى مجموعة من الأحداث الواقعية أو المتخيلة وفق علاقات متعددة، كالتتالي أو التعارض أو التكرار؛ ومن ثم فإن تحليل الحكاية، يعني دراسة مجموع الأحداث والحالات دون اعتبار للوسيط اللساني، وهذا ما دعاه حكاية.‏
ـ المعنى و/أو النوع الثالث: فهو ذو بعد توصيفي لفعل الحكي، أي إنه يشير إلى وضعية يقوم فيها شخص بفعل القص، ويدعو هذا النوع السرد.
وللناقد ميخائيل باختين دورٌ بارز في مجال البحوث السوسيونصية، حيث صاغ نظرية نقدية تربط بين السمات الفنية الأدبية والعناصر الإيديولوجية في الرواية، فتلغي القطيعة الموجودة بين ثنائية الشكل والمضمون.
لم يغض باختين الطرف عن الأبعاد التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة بالرواية، وإنما أقر بأنها التي شكلت حوارية الرواية وحققت تعدد الأصوات وتباين الإيديولوجيات إلى حد تصارعها، ثم إنه اتخذ من اللغة ركيزة في قراءة تاريخ الرواية وإعادة تأويله، وركيزة أيضا في بناء تصور الحوارية لديه.
درس ميخائيل باختين روايات دوتسويفسكي، واعتبرها نموذجا في إيراد الإيديولوجيات داخل الرواية، حيث قال: «دوستويفسكي هو خالق الرواية المتعددة الأصوات (البوليفونية) لقد أوجد صنفاً روائياً جديداً بصورة جوهرية». و”تعدد الأصوات” مفهوم يشير إلى تعدد الإيديولوجيات في الرواية، يضاهيه مفهوم آخر عند باختين هو “الحوارية ، إذ يخلق “رواية متعددة الأصوات” هي نفسها “الرواية الحوارية/ الديالوجية”. أما النقيض من ذلك والذي ترفضه نظرية باختين، هو مفهوم “أحادية الصوت”، الذي يشير إلى إيديولوجيا واحدة سائدة في الرواية، ويماثله مفهوم “المناجاتية ، حيث يخلق “رواية أحادية الصوت”، هي نفسها “الرواية المناجاتية/ المونولوجية.
إن الرواية الحوارية هي المثلى لدى باختين، لكونها تمنح كل الأفكار الحق في التعبير والتمثل في هذا الملفوظ، كما تحقق صراعا إيديولوجيا عميقا، وتعددا للآراء، ورؤية أكثر شمولا للواقع، مما يكسبها كمّا من القراء الذين يجدون بها أفكارهم ورؤاهم المختلفة. وتفعل الرواية ذلك عن طريق الطرح الإيديولوجي الذي تجسده الشخصيات بالتكافؤ، دون انحياز من الكاتب لواحدة على حساب الأخرى، وإنما إعطاء كل الشخصيات القدر الواحد من الاهتمام، والمساواة بينها من حيث إبراز جوانبها الحسنة والسيئة، فيسعى الكاتب بذلك لتحقيق حياد مطلق، وترك القارئ حرا في الاختيار بين هذا الزخم الإيديولوجي. وعليه، تعد الشخصية المتكلم البارز في الرواية، فهي الصوت الإيديولوجي المعبر عن مختلف الأفكار بمختلف التقنيات الفنية.
أشار باختين إلى مسألة “حياد الكاتب”، واعتبرها أساسية في تحقق الحوارية: «مؤلف الرواية المتعددة الأصوات مطالب لا في أن يتنازل عن نفسه وعن وعيه، وإنما في أن يتوسع إلى أقصى حد أيضا في إعادة تركيب هذا الوعي وذلك من أجل أن يصبح قادرا على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق، إذ أن المراد من الكاتب أن يحتفظ بموقفه وألا يدافع عنه في الرواية، وأن يطرح بالمقابل أشكال الوعي الأخرى التي تناقض موقفه.
خلافا لدور المتكلم، يتحقق المبدأ الحواري أكثر عن طريق “تعدد اللغات”، حيث أن باختين اعتبر الرواية جزءا من ثقافة المجتمع، والثقافة مكوَّنة من خطابات تَعيها الذاكرة الجماعية، وعلى كل واحد في المجتمع أن يحدد موقفه من تلك الخطابات. ولم يقصد باختين باللغة الاجتماعية مختلف الصيغ التركيبية والنحوية، وإنما الخلفيات السوسيوتاريخية، والطبقية للأفراد، فلا تُدرس اللغة لسانيا، باعتبار أن لغتها متعددة بتعدد شخصياتها وإيديولوجياتها، مما يتطلب من الأديب -حسب رأي باختين- التأليف بين هذه اللغات المختلفة، وصياغتها بنائيا وفق ما ينسجم مع فنيات الرواية، فيمكّن الشخصية من المحافظة على لغتها الاجتماعية، ونبرتها المميزة وأسلوبها الخاص، وكذلك إيديولوجيتها الخاصة، وكلما تعددت اللغات تعددت الإيديولوجيات والأصوات؛ فلم يعتبر باختين اللغة كدلائل فارغة من أي محتوى إيديولوجي، بل الوجه المجسِّد للصراعات الإيديولوجية في الواقع، كما أن الروائي لا يعرف لغة واحدة ووحيدة، بل إنه يتلقى اللغة مصنفة ومقسمة إلى لغات متنوعة؛ فالروائي يُدخل نوايا الآخرين، والمنظورات والعوالم عن طريق استخدام اللغة، وهذا ما يبرر “تعدد اللغات” في نظرية باختين.
وقد استلهم باختين توجهه هذا من تعددية الأصوات والألحان العديدة في الموسيقى.
وسنرى في رواية الطيب صالح تطبيقا عمليا لكل ما سبق من اتجاهات نقدية، ويظهر المحرك الأساسي المسيطر على عقل وفكر وضمير الكاتب في هذه الرواية والذي يوجهه لا إراديا ناحية الحكم على الإنحرافات بالقوانين الطبيعية للبعد الأخلاقي بتركيباته المعقدة والتي تنشأ من لحظات الوعي الأولى.
المدخل الأخلاقي للرواية:
يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كتابه النقدي الفلسفي الأخلاقي ( نقد العقل العملي ) :
لكن مبدأ الأخلاقية هذا، نظرا لكلية التشريع بالذات التي تجعله المبدأ الصوري الأعلى للإرادة، بغض النظر عن كل التباينات الذاتية، هو الذي يعلن العقل عنه أنه في نفس الوقت قانون لكل الكائنات العاقلة بوصفها تملك إرادة بعامة، أي قدرة على تعيين عليتها بواسطة تمثل لقواعد، ومن هنا من حيث هي قادرة على القيام بالأفعال وفقا لمبادئ، وبالتالي وفقا لمبادئ عملية قبليا أيضا ( لأنها هذه هي الوحيدة التي لها تلك الضرورة التي يتطلبها العقل للمبدأ). ومن هنا نرى أنه ليس مقصورا على البشر وحدهم، وإنما ينطبق على كل الكائنات الفانية التي لها عقل وإرادة، ويشمل حتى الكائن اللا متناهي بوصفه العقل الأسمى، ولكن في الحالة الأولى، يأخذ القانون صيغة أمر لأنه فيما يخصها ككائنات عاقلة، نستطيع أن نفترض مسبقا إرادة محضا، ولكن كونها كائنات عرضة للتأثر بحاجات ودوافع حسية، ليست إرادة مقدسة، أي كونها إرادة تكون غير قادرة على تقبل مسلمات تناقض القانون الأخلاقي، إذا القانون الأخلاقي بالنسبة للكائنات العاقلة هو أمر يأمر قطعيا، لأن القانون غير مشروط، والعلاقة به إرادة كهذه وهذا القانون هي التبعية تحت اسم الإلزام الذي يعني إكراها، ولوأنه بالعقل وبقانون هو القانون الأخلاقي موضوعي فقط، على القيام بفعل يسمى واجبا، لأن تحكما متأثرا مرضيا ( مع أنه ليس معينا بذلك وبالتالي هو أيضا حر دائما ) يأتي معه برغبة ناجمة عن أسباب ذاتية، الاستقلال الذاتي للإرادة هو المبدأ الوحيد لكل القوانين الأخلاقية وللواجبات المطابقة لها…
ننطلق من كانط لنحلل في المجمل شخصيات الطيب صالح وحكمه عليها في النهاية، مصطفى سعيد كان يجب أن يموت لأنه كسر النمط الأخلاقي وتجاوز حدوده عدة مرات انتهت بارتكابه جريمة أخلاقية أكبر وهي القتل، وبالتالي في ضمير الكاتب المتصارع مع واقعه مثل هذه الشخصية يجب أن يهاجمها رمز الطهارة والحياة في مجتمعه وهو النيل وينتصر للأخلاق بجرفه وسحقه وإخفائه تماما من مشهد القرية التي يغلب عليها التدين ويسيطر عليها النمط الأخلاقي المحافظ.
في بداية الفصل الأول من دراسته حول فن ليوناردو دافنشي وحياته (دراسة في السيكولوجية الجنسية)، يقول لنا سيغموند فرويد : “حينما يتناول منهج التحليل النفسي – الذي يكتفي عادة بالمادة الإنسانية الضعيفة – الشخصيات العظيمة في تاريخ البشرية، فإنه في الحقيقة لا يكون مدفوعاً إلى ذلك بفعل الدوافع التي اعتاد عوام الناس أن ينسبوها اليه. فهو أبداً لا يعمل على “تدنيس ما هو نقي، أو إلى جر ما هو سامٍ إلى الوحول”، ذلك لأن منهج التحليل النفسي لا يجد اشباعاً له في هدم المسافة بين كمال العظماء وتفاهة الأشياء العادية. لكنه، في المقابل، لا يجد مندوحة من اكتشاف أي شيء يستحق الفهم يكون قابلاً للإدراك بين تلك النماذج، كما أنه يؤمن كذلك بأن ما من أحد هو من العظمة حيث يخجله أن يكون موضوعاً للقوانين التي تحكم الأفعال السوية والأفعال المعتلة بالدقة نفسها…” وما يقوله فرويد هنا عن دافنشي، ينطبق في الحقيقة على دوستويفسكي، الكاتب الروائي الروسي العظيم، الذي طالما أغرى الباحثين والنقاد بألا يدرسوا أدبه، لا سيما رواياته الكبرى، على ضوء حياته. ففي الواقع يمكن لنا دائماً أن نكتشف أن حياة دوستويفسكي وكتاباته، كانت من الإتصال في ما بينها الى درجة مذهلة.
تعتبر مسرحية هاملت لشكسبير، والتي أصبحت عنوانا للتحليل الفرويدي. مرجع رئيسي للتحليل النفسي في الأدب ومن هذا المنطلق، النقد الفرويدي يستند إلى:
1- العلاقة بين الوعي واللاوعي.
2- محاولة لكشف دافع اللاوعي في شخصيات العمل الروائي.
في هاملت، أحد أبرز أعمال شكسبير. قام عم هاملت بقتل أخيه أي والد هاملت. بعد ذلك تزوج من أم هاملت!، اصبح هاملت يرى شبح والده يظهر يطلب منه أن ينتقم له ويقتل عمّه. لكن تأخر هاملت وتقديم إعتذاره كان لأسباب ودوافع، لماذا؟ هذا الثيمة بالتحديد، أخذت جدلا واسعا بين النقاد والمهتمين بالأدب. لكن التحليل النفسي وفرويد تحديداً قدم تفسيرا بسيطاً لما حدث: أن سبب تردد هاملت وتأخير هذا الإنتقام، أن هاملت لديه بما يسمى عقدة أوديب، أي أنه كان يرغب بقتل والده ولو لم يقم عمّه بذلك لربما قتل والده بنفسه. هاملت كان لديه ( كبت جنسي حول رغبته في أن يمارس الجنس مع أمه) ويتضح لنا بأن عم هاملت قام بكل ما يرغبه هاملت. لذلك، لن يثأر لوالده. كيف توصل فرويد لهذا التحليل؟ أستند فرويد على أحد المشاهد التي يتخيل فيها هاملت جنسياً أمه في غرفة النوم. ومن جهة أخرى، كتب شكسبير هاملت بعد وفاة والده مباشرة، وكان لشكسبير أيضاً أبن أسمه هامنت توفى وهو في سن صغيرة. يبدو أن الأمر أكثر تعقيداً، وخصوصاً في التحليلي النفسي، عن ماهي الحلول التي سوف يقدمها، ولكن يركز التحليل النفسي على شخصيات الرواية والراوي معاً.
عالم الرواية
من هذا المنطلق الفرويدي نغوص في عالم مصطفى سعيد، كيف أثرت علاقته الحادة غير الواضحة بأمه في تكوينه النفسي والسلوكي، نبدأ من وصفه هو لها وهو يحكي للراوي عنها ( شفتاها الرقيقتان تنطبقان في حزم ) هل بدأت علاقته الخاصة بأمه تأخذ منحى مختلفا بعد أن كبر فوجد نفسه الرجل الوحيد في حياتها بعد وفاة والده؟ ولماذا تكونت هذه العلاقة الحادة غير الطبيعية رغم أن الطبيعي أن الطفل الوحيد يحظى بحب غامر ومختلف من الأم وخاصة لو تيتم صغيرا، يكمل وصفه لأمه ( على وجهها شيئ مثل القناع..لا أدري، قناع كثيف، كأن وجهها صفحة بحر. هل تفهم؟) السؤال الأخير كاشف حقيقي لما يدور في عقل مصطفى الباطن وهو في هذا العمر المتقدم وبعد كل ما مر به من تجارب، ( ليس له لون واحد، بل ألوان متعددة). كيف يرى أمه؟ كيف ترسخت في عقله الباطن في هذا العمر الصغير؟ ( لعلني كنت مخلوقا غريبا، أو لعل أمي كانت غريبة).. ( أقصد أنني لست كبقية الأطفال في سني، لا أبكي إذا ضربت، لا أتأثر بشيئ) .. مفتاح شخصية مصطفى سعيد المحرك في اللاوعي لكل أحداث حياته فيما بعد وخاصة علاقاته النسائية. ويتبلور هذا التوجه النسائي في وصفه للقائه الأول بالسيدة روبنسن في القاهرة وتقبيلها له ببراءة، المرة الأولى التي يعبر فيها عن مشاعره الجنسية ورغباته المكتومة تحت جدر حامية أولها الحرام رغم عمره الصغير الذي لا يتجاوز الثانية عشرة، وخلال هذا الوصف يقفز الكاتب بالقارئ فوق الزمن ليضيف حدثا مثيرا سيأتي في مستقبل سرد مصطفى لحكايته وجعل القاسم بين الزمنين وجود السيدة روبنسن فيهما، فهي قد استقبلته في أحضانها غضا بكرا من الأفعال، ثم استقبلته في أحضانها وحشا مشوها معبرا عن ثورته الجنسية وعقدته المتأصلة في ذاته الصغيرة المنطوية مرة أخرى حين تم الحكم عليه بالسجن سبع سنوات بعد إدانته بالقتل، وشتان الفارق بين حاليه.
نعود إلى فرويد مرة أخرى وكتابه العبقري ( تفسير الأحلام ) الذي انطلق من خلاله لتفسير وتحليل سلوك البطل في هاملت، الحلم كان المحرك الرئيسي للمأساة، لكن لماذا تأخر الإنتقام؟ لأن حياة الكاتب انعكست على بطل مسرحيته، وهنا نقارن بين (هاملت) شكسبير و(مصطفى سعيد) الطيب صالح، لماذا تأخر الكاتب في الإنتقام من مصطفى سعيد وأجل موته إلى مرحلة متأخرة من رواية؟ حياة الطيب في لندن وأسرار لا نعرفها عنه؟ شعور داخلي ما بأنه يماثله في خوائه ووحدته جمود مشاعره كما وصفته جميع بطلاته وكما كان قناع أمه متعدد الألوان؟
يدخل مصطفى في وصف عالمه العبثي الذي يدور كله حول الفتيات، النساء، عقدة حياته الأبدية المحركة للاوعي عنده، يصف المشهد في لندن بدقة وبراعة بعد نهاية العهد الفيكتوري وما يجوب به الشارع من مخاض عسير، يدور على الحانات ويسخر عقله الحاد لإيصال الفتيات إلى فراشه، ينالها ثم يرميها بلا رحمة، ويستدل دائما يمقولة مسز روبنسن حبه الغامض الثاني أنه بلا مرح، كائن متجمد، أصبحت جين موريس تحد جديد لذاته الغاضبة، وصفته بالبشاعة وألقت عليه تعويذة حركت صدره الجامد لأول مرة، لكنه استيقظ هذه المرة وآن همند إلى جواره، فتاة بريئة في العشرين، يصف من خلالها غرفة نومه التي شبهها بالمستشفى وهذا إسقاط آخر على حالة المرض التي يمر بها منذ عرف أمه، ثم ينهي حديثه عنها بمشهد انتحارها تاركة ورقة تلعنه فيها، لقد عبث في براءتها ودمر قناعاتها واقتحم صدرها منتزعا كل علاقة فيه بالحياة فكانت النتيجة المنطقية أنها لم تحتمل هذا الخواء فانتحرت، ما الذي يعطيه قدرة على مقاومة الإنتحار؟ لم يتحدث عنه من قبل، يدلف بعد ذلك مباشرة إلى مشهد المحاكمة، ويصف المدعي العام البارع، ثم نكتشف حقيقة مروعة أخرى خلال المحاكمة، هناك فتاتان أخرتان انتحرتا بسببه، شيلا غرينود وإيزابيلا سيمور، ثم المفاجأة الأكبر، لقد قام بقتل جين موريس التي لا تزال غامضة، ويعترف مباشرة بالقتل العمد وهو مدرك بحكم دراسته للقانون في أكسفورد أن ذلك يعني الإعدام، لكنه يتحدث عن شخص آخر، يعترف على شخص آخر، وصلت به الحال إلى الفصام الكامل وهو واع مدرك لما يفعل، العقدة مستمرة والصراع يتأجج في عالم بلا روح، ثم يدخل إلى عالمه الخاص ليصف علاقاته بالمنتحرات وكيف أوقعهن في شباكه، من هي أكبر منه ومن هي أصغر، يعامل كل واحدة منهم بشخصية مختلفة، حتى جين موريس تزوجته لتتخلص من مطاردته لها، ورغم أنها الوحيدة التي صدته ومحاولاته المستميتة لاقتحامها جنسيا إلا أن ابتسامتها الباردة كانت تقتله وتزيد شد وتر القوس وتنفخ في الكور المضغوطة أكثر وأكثر، ارتدى قناع أمه، محبوبته الوحيدة، اقتحم كل النساء فيها، بحث عن لمستها في كل جسد سيطر عليه حتى دمره، ثم كانت هي جين بنفسها حين لم تستجب له أبدا، لم يستطع السيطرة عليها، فكان نصيبها الموت، ولا أقل منه، ويمتلئ الوصف بالثقافة والإسقاطات المتتالية، تمتزج شخصية مصطفى مع شخصية الراوي مع حقيقة الكاتب، هذا العالم عاشوا فيه جميعا، مارسوا طقوسهم بطرق مختلفة، كل منهم له تجربة متباينة فيه، وحتى علاقته بإيزابيلا لم تخلو من الإسقاط السياسي، هو يضاجع الأندلس قبل أن تفقد إلى الأبد، يسيطر على لحظة زمنية نادرة ويعيشها بفكره وقلبه ومشاعرة، ثم يلقيها في قمامة تاريخه بلا رحمة.
نعود من وسط هذه الأحداث المتلاحقة على صورة جديدة للفيضان، عاد بنا الراوي بأمر الكاتب إلى الواقع وأصدر قراره الفوري بموت مصطفى سعيد، لم ينتظر نهاية محاكمته ولا إكمال حكايته، مثل هذا النموذج لابد أن يموت، لا تحتمله ثقافاتنا ولا أخلاقنا ولا أقل قدر من التدين نعيش عليه، اختفى مصطفى في النيل فجأة دون شاهد أو لحظة وداع قد تكون منحقه بعد أن تاب وهدأ وابتعد عن الشمال واسقر في الجنوب بحثا عن روحه الضائعه، والنيل تحديدا هو من يجب أن يطهر الزمان والمكان من هذا الدنس المقدس الذي يكاد أن يغير لون البراءة في المجتمع الهادئ.. هل كان مصطفى يستحق بعض الشفقة من الرواي أو الكاتب الذي حكم عليه بالموت؟
يظهر في المشهد ود الريس، يصاحبه وصف عفوي لمنزله بالوطيئ، وفي نفس المشهد تظهر علاقة الراوي اللاحقة ورؤية الكاتب الحاكمة لشخوصه في صراخ زوجته باللذة، بعد لقاء صعب مع مصطفى يظهر واقع أصعب مع مشهد جنسي عفوي داخل بيت مغلق، الضمير الحي الغالب على الراوي يتضح من جديد، هذا الضمير الذي حول حياته إلى قالب بارد في بلد تحولت فيه حياة مصطفى إلى حدث صاخب مركب متلاحق تكاد الحرارة فيه تذيب القلوب كلها.
يتدخل الكاتب هنا ليوضح صورة مصطفى من منظور أكبر، يحوله إلى أسطورة من نوع غريب، حلقة الوصل بين الشمال والجنوب، الأسطورة التي امتهنت نساء الشمال وابتلعتها طهارة الجنوب، ووسط الحوار الوصفي يتدخل الكاتب برؤيته لكل ما يحدث في الشرق الأوسط، كل شيئ ضبابي كاذب لا وجود له إلا في خيال الشعراء وأوهام المخلصين، يختفي مصطفى جزئيا من المشهد الرئيسي، ويظهر الراوي المسيطر على قمة الأحداث، يصف كل ما حوله، يبرع في وصف البيوت والنيل والأشخاص والأحداث ويتبرأ من سيطرة مصطفى سعيد عليه حتى يصل إلى ود الريس وبنت المجذوب في حضرة جده وصديقه بكري، يعود الجنس ليسيطر على الحدث في حضور رموزه في القرية، ويطل فرويد بتحليلاته للدوافع المتأخرة أنها كلها مبنية على الكبت الجنسي المولد للصراع الذاتي الأبدي، ود الريس السبعيني الذي يفتخر دوما بمغامراته النسائية، وبنت المجذوب العجوز المسترجلة التي تتميز بحديثها الصريح ووصفها للجنس والتي أورثت بناتها من زيجاتها الثمانية صفاتها الجريئة، وربما كانت هذه الإطلالة المتناقضة على عالم خفي خلف باب خشبي كبير هي المفتاح للحلقة الثانية من الصراع الذي سيستمر داخل قرية الراوي محملا بالعادات والتقاليد التي تسيطر على الجنوب وتتحكم فيه وتميزه، ويصل الصراع إلى قمته عند حدود حسنة بنت محمود ورغبة ود الريس في الزواج منها والصراع الخفي داخل نفس الراوي بين تقاليد عائلته المستقرة على زوجة واحدة وبين إعجابه الصامت بتفاصيل حسنة، ووسط هذا الصراع يعود مشهد المحاكمة التي يبرز الكاتب من خلالها طبيعة العلاقة الحادة بين الشمال والجنوب ممثلا في عقل الجنوبي ووسامته وتهوره وفراغه الداخلي وبين عنصرية الشمال ونظرتهم الدونية ورغبتهم في التمكن من التحكم طوال الوقت، مشهد المحامي الدكتور اليساري الذي يدافع عن مصطفى باستماتة ويهاجم المجتمع بضراوة رغم كراهيته له واحتقاره للجنوب يؤكد احترام الكاتب لتلك الحضارة وإنصافها أحيانا العدل أيا كان من يطلبه رغم رغبة مصطفى نفسه في التخلص من عبئ هذا الجسد الخاوي الذي ارتكب الخطايا الكبرى.
يتوج الصراع خبر قتل حسنة لود الريس، هجوم ضار من الكاتب على المجتمع الجنوبي الرجولي الظالم الذي يجبر سيدة اعتزلت الحياة لتربية ولديها على الزواج من كهل مزواج بلا أخلاق يتفنن في فضح حريمه وتنتشر حكاياته النسائية في كل بيت في القرية، نغوص مرة أخرى في أعماق البعد الأخلاقي للكاتب، ود الريس المزواج الزاني يستحق القتل ولو في أرذل العمر، حسنة نموذج أنثوي مختلف لكنه لا يخلو من التناقض، ولأنها ارتبطت بشخصية غير سوية كان لابد أن ينالها بعض من أذاه، ووسط كل هذه الأحداث، يتسلل الكاتب إلى زوايا الواقع السياسي في حوار الراوي مع محجوب الفلاح المتعلم تعليما بسيطا والذي يمثل التطلع السياسي والتنظيم السلطوي والنقد الدائم للحكومة، وفي جملة من أبدع ما قرأت في الرواية يسقط الكاتب رأيه المثقف التحليلي الواقعي على مجتمعه الذي يمثل صورة للعالم العربي والأفريقي ككل، عالم الجنوب بكل أبعاده (إننا إذا لم نجتث هذا الداء من جذوره تكونت عندنا طبقة برجوازية لا تمت إلى واقع حياتنا بصلة، وهي أشد خطرا على مستقبل أفريقيا من الاستعمار نفسه).. ما أبدع هذه الجملة وما أكثر عبقريتها وقدرتها على استشراف المستقبل، فلننظر الآن بعد أربعين عاما من صدور الرواية على الواقع في أفريقيا، جنوب الشمال الغني، أم جنوب الجنوب الأكثر فقرا؟ لقد تكونت طبقات برجوازية استأثرت بالسلطة والثروة وحولت حياة الشعوب إلى جحيم مستمر وانفصلت تماما عن الواقع المرير، أية عبقرية هذه؟
يدخل الراوي أخيرا غرفة مصطفى التي لم تفتح منذ توفي أو انتحر لا أحد يعرف، ثم بعد انتحار حسنة زوجها بعدما قتلت ود الريس شر قتلة بعد تمنعها عليه أسبوعين إثر إجبارها على زواجه وهجومه الشرس عليها في ليلة أصبحت عارا على القرية كلها فداوت عارهما بدفنهما دون عزاء أو إبلاغ للسلطات كي لا يتحول العار إلى فضيحة، كاد الراوي أن يحرق الغرفة السرية الفاخرة لولا فضوله ليعرف كل ما فيها، كل ما قاله مصطفى صحيح إذاً، مسز روبنسن وعشقها له كابن لها لم تلده، الفتيات الثلاث وقصصهن التي انتهت بانتحارهن، علاقته الحادة بجين موريس التي ذكرت حسنة من قبل أنه كان أحيانا يهذي وهو نائم باسمها، هي علاقة غريبة شاذة، قرب وبعد وحب وكره، تجاذب وتنافر وعشق حتى الموت، حين وقفت أمامه عارية للمرة الأولى بعد أن طردت آن همند من فراشه طلبت منه أن يعطيها ما تريد قبل أن ينالها، ولأن عقله غاب وسيطرت عليه الرغبة الشهوانية في الإنتقام والإخضاع لبى لها طلباتها الرمزية الثلاث، الهدوء والجمال الذي ترمز له الزهرية هشمته وتمادت في سحقه، تاريخه النادر كله وتاريخ أسلافه لاكته في فمها من خلال تلك البردية النادرة التي قطعتها وألقتها عند قدميه، علاقته وحبه لمسز روبنسن وما تبقى من تدينه سلمه لها لتحرقه في الموقد المشتعل من خلال حرق تلك المصلاة الحريرية، قدم لها كل شيئ ووقف أمامها ينتظر إذنها باقتحامها، ينتظر الجنوب دائما الإذن من الشمال، رغم قوته وقدرته على الإقتحام، لكنه ضعيف ذليل مستسلم يضحي بكل شيئ من أجل رضائه، ولكنها لا ترضخ أبدا، ضربته في منبع شهوته بين قدميه بركبتها فغاب فورا عن الوعي، ولما أفاق كانت قد رحلت، طاردها ثلاث سنوات كمن يطارد قدره حتى تعبت ورضخت وتزوجته، ثم بدأت في تعذيبه من جديد فتمنعت عليه لشهرين كاملين، وقف فوق رأسها بالسكين يهددها، وعندها تظهر الجملة العبقرية التي توضح سبب هوسه بإذلال النساء (وقفتُ فوقها ذات ليلة والسكين في يدي. قلت لها: سأقتلك. نظرت إلى السكين نظرة بدت لي كأن فيها لهفة، وقالت: ها هو صدري مكشوف أمامك اغرس السكين في صدري. نظرتُ إلى جسمها العاري في متناول يدي ولا أناله. جلست على حافة السرير ونكست رأسي بذلة. وضعت يدها على خدي وقالت بلهجة لم تخلُ من رقة: أنت يا حلوي لست من طينة الرجال الذين يقتلون. أحسست بالذلة والوحدة والضياع، وفجأة تذكرتُ أمي. رأيتُ وجهها واضحاً في مخيلتي وسمعتها تقول لي: إنها حياتك وأنت حر فيها. وتذكرتُ نبأ وفاة أمي حين وصلني قبل تسعة أشهر، وجدوني سكران في أحضان امرأة. لا أذكر الآن أية امرأة كانت. ولكنني تذكرتُ بوضوح أنني لم أشعر بأي حزن، كأن الأمر لا يعنيني في كثير ولا قليل. تذكرتُ هذا وبكيتُ من أعماق قلبي. بكيتُ حتى ظننتُ أنني لن أكف عن البكاء أبداً. وأحسستُ بجين تطوقني بذراعيها وتقول كلاماً لم أميز. ولكن صوتها وقع على أذني وقعاً منفراً اقشعر له بدني. دفعتها عني بعنف وصرختُ فيها: أنا أكرهك. أقسم أنني سأقتلك يوماً ما. وفي غمرة حزني لم يغب عني التعبير في عينيها. تألقت عيناها ونظرت إلي نظرة غريبة. هل هي دهشة؟ هل هي خوف؟ هل هي رغبة؟ ثم قالت بصوت فيه مناغات مصطنعة: أنا أيضاً أكرهكَ حتى الموت).
هذا المقطع يمثل قمة الصراع في الرواية، ومفتاح فهم شخصية مصطفى سعيد، لم يبك عندما ماتت أمه، لم يبك عندما تركها ورحل صغيرا ولم يراها أبدا، كان يستمتع بإذلالها في كل النساء، كان يراها راكعة أمامه مع كل امرأة يطؤها، حتى جاءت من هي أقوى منه وأقدر على التحكم والسيطرة، بكاها للمرة الأولى، لأن ضعفه الحقيقي وذله ظهر من جديد، لهذا كان يجب أن تموت تلك المرأة، كما تمنى أن يذل أمه ويقتلها، يعشقها بلا شك، لكنه يريد أن يذبحها ليتخلص من عار التفكير فيها، كذلك هي العلاقات بين الوطن والغربة، بين التقاليد والتعاليم الدينية والعادات الحاكمة، وبين الحرية المطلقة والإنفتاح والعربدة، بين الجهل والخوف والظلم الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والحرمان العاطفي المستمر، وبين العلم والأمان والعدل في كل شيئ، نموذج دموي حاد للصراع الذاتي المسيطر على صدر خاو من المشاعر لكنه ممتلئ بالغضب، كان لابد أن يقتلها ليتخلص من شبحهها الذي يطارده في كل مكان، وكان مشهد الختام هو الفيصل للكاتب على لسان الراوي، في نهر النيل الخالد، عاريا، يتخلص من دنس مصطفى سعيد وسيطرته عليه، ويصارع الشمال والجنوب معا، لمن يسلم نفسه، وكيف يتحقق التوازن المفقود، في خضم صراعه الداخلي كانت نقاط الضوء عنده أكثر من نقاط الظلام، فاندفع بقوة الرغبة في ممارسة حياته صارخا لينجده أحد.
بقيت نقطة أخلاقية أخيرة أحب أن أشير إليهاـ الخمر الذي يتناوله الجميع دون إشارة أو تحذير أو إنذار إلى أنه حرام، جميع الشخصيات بلا استثناء في الشمال والجنوب تتناوله، هل هو جزء من عادات وتقاليد ذلك المكان؟ هل هي إشارة دلالية على غياب العقل الإختياري والمتعة المحرمة تحرر العقول والقلوب من الخوف والتبعية؟
في نهاية هذا العرض للرواية الرائعة، أحب أن ألقي الضوء على المرأة في عالم الطيب صالح الروائي، وربما أتخذ من المدرسة الشكلانية في النقد ملاذا بعد أن استغرقتني البنيوية والتفكيكية طوال استعراضي الأخير لأحداثها اللاهثة المتلاحقة المتداخلة زمانا ومكانا المتسعة الرحبة في فضاء الأنفس الراقية وفي ضيق العادات والتقاليد البالية.
في هذه الرواية تبرز شخصية حسنة القوية المتمردة في ما لا يخرج عن عن تقاليد القرية، بينما تبرز بنت المحجوب بشخصيتها الرجولية ولسانها الحاد الذي يمثل الوجه النادر المنبوذ للمرأة، ولعمرها دلالات واضحة على أنها لا يمكن أن تكون طبيعية أو صغيرة لتتمتع بحرية الرجال في هذا المجتمع المنغلق.
– قدّم الطيب صالح (نعمة بنت حاج إبراهيم) بطلة روايته الأولى “عرس الزين” فتاتا قادرة على إختيار مستبقلها وحياتها حسب إرادتها وليس وفق إرادة الكبار التي تعارض إرادتها وتمنيها. يرسمها الروائي مختلفة من بنات أخرى في البلد. يصوّرها الطيب صالح امرأة جديرة بالتقدير والاعتبار. وهي نموذج الأنثى الجميلة الإفريقية والسودانية الواعية الحازمة. ترفض سيطرة الرجال في المجتمع السوداني مع أنّها لم تحصل على التعليم الحديث أو أنها فعلت هكذا بدون أيّ تأثير من الآخر
– “فاطمة بنت جبر الدار” في رواية “بندر شاه”. وهي من أقوى شخصيّات المرأة التي أبدعها الروائي الطيب صالح. كانت فاطمة أيضا جريئة وحاسمة منذ طفولتها. تعلّمت مع الأولاد وحفظت القرآن. وهي رمز للفتيات التي ترجو عن التغيّرات في المجتمع السوداني الذي يتمسك بقواعدها ونظمها.
– “مريم” هي شخصية قدّم الروائي صورتها في رواية “ضو البيت” بشكل صغير وفي رواية “مريود” بشكل كبير خلال ذكريات الراوي عنها. مريم، هي أخت محجوب صديق الراوي محيميد وهي أمّ الطريفي الذي أصبح قائد المجتمع. يصوّرها الروائي رمزا لشابة سودانية تفكر عن تطوّر الدولة السودانية تطوّرا شاملا يشمل قرى بلدها حتى يتسع نطاقها إلى كلّ مناطق البلد. وخلال هذه الشخصيّة تقدّم الروائي أحلامه وأفكاره عن المرأة السودانية خاصة والمرأة العربية عامة في نطاق واسع. وهو الذي كان يفكّر عن المرأة أن تتقدم إلى الأمام مع الرجال في كلّ الأمور وأن لا تخضع أمام القواعد الاجتماعية الصالحة لتقدّم الرجال فقط. وكان يريد منها أن تثور على سيطرة الرجال وقوانينهم التي تسد الطريق أمام تحقيق آمال المرأة وأمنياتها وأحلامها.
هذه نماذج من شخصيات المرأة في عالم الطيب صالح الروائي، الأب لثلاثة بنات، تنم عن قناعة تامة بأهمية المرأة وتطلعه إلى ثورتها على الظروف الإجتماعية التي تكبلها ويوضح في نفس الوقت ما يمكنها أن تفعله لو حصلت على حريتها والطاقة الهائلة الكامنة فيها..

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 1.5 / 5. عداد التقييمات: 2

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *