إيزلوان والبوح النسوي في التراث المزابي
بقلم: يوسف قاسم لعساكر
المقدمة:
يعتبر التراث الشفهي جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية للمجتمعات، ومن بين أبرز أشكاله التعبيرية الأهازيج الشعبية. تؤدي المرأة المزابية دورًا محوريًا في حفظ هذا التراث ونقله عبر الأجيال، حيث تعبّر من خلاله عن همومها، أفراحها، وأحزانها، مما يجعله وثيقة حية تعكس واقع المجتمع وثقافته. يهدف هذا البحث إلى دراسة فن \”إيزلوان\” بوصفه أحد أهم أشكال البوح النسوي في وادي مزاب، من خلال تحليل دلالاته اللغوية، وظيفته الاجتماعية، وأساليبه التعبيرية.
أولًا: مفهوم \”إيزلوان\” وأصوله اللغوية:
لفظة \”إيزلوان\” أو \”إزلان\” هي جمع \”إيزلي\”، ومؤنثها \”تيزليت\”، وقد تجمع أيضًا على \”تيزلاتين\”. تحمل هذه المفردات دلالة صوتية قريبة من كلمة \”ؤزل\” التي تعني \”الخلخال\”، ومن \”ؤزّال\” التي تعني \”الحديد\”، مما يوحي بأن الرابط بينها هو الإيقاع الموسيقي الصادر عن الأصوات المتناغمة. في اللغة العربية، تعادلها كلمة \”الأهازيج\”، التي اشتُقت من \”هزج\”، أي الصوت الذي يحمل ترنّمًا وطربًا خفيفًا. يتميز فن الأهازيج بتداوله الشفهي وانتشاره السريع، حيث يصعب تحديد كاتبه بسبب قدمه واعتماده على الأداء الجماعي.
ثانيًا: الفضاءات التعبيرية للمرأة المزابية:
ظلت المرأة المزابية حافظةً أمينةً للتراث الشفوي، حيث وجدت في فضاءات متنوعة فرصًا للتعبير عن ذاتها. من أبرز هذه الفضاءات:
الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية: كحفلات الختان، الزواج، والمواليد الجدد، حيث تتناقل النساء الأهازيج للتعبير عن مشاعر الفرح والاعتزاز، كما في أهزوجة \”اكرض امزور\” التي تُردد أثناء ختان الصبيان:
اممّي ٱ يور ٱ تيفاوت نـ ييضان
ربّ اشيدج تّلويت نِـ موضان
امدّن إنيت امعاي ربّ ادسمل وسّان
جلسات السمر والتواصل: سواء داخل العائلة أو بين الصديقات، حيث تتبادل النساء الأهازيج لتخفيف عناء الحياة اليومية ومشاركة مشاعرهنّ وتجاربهنّ كحلقة ألاون التي تعتبر جلسة فأل وحظ بينهن.
أثناء العمل اليومي: مثل غزل الصوف، تخزين التمور، وإعداد الطعام، حيث يرافق الغناء هذه الأنشطة الجماعية، مما يضفي عليها بعدًا إيقاعيًا ويكسر رتابتها.
ثالثًا: إيزلوان والبوح النسوي
التعبير عن مشاعر الأمومة والاعتزاز بالابن.
تعكس بعض الأهازيج مشاعر الأمومة والاعتزاز بالأبناء، كما في هذا النشيد الذي تنشده الأم تعبيرًا عن أملها في إنجاب ابن يحمل إرث العائلة: الّيغ تمانّيغ، طلبغ ربّي /تمانيغ دي العرف ن النوار ازوقاغ/ ايمي يجمض العرفيك، اسحمدغ إي باباك.
وتظهر هذه الأهازيج دفاع المرأة عن ابنها ضد أي انتقاص، كما في هذا المقطع الذي يردّ على كل صفة قد يُوصَف بها ابنها بطريقة إيجابية: انّان داملاّلانّيغاس د الباب ن ومال/ انّان دابرشان/ انّيغاسن د باب اومتشان
- التعبير عن الحزن والاغتراب
لم يكن التعبير في إيزلوان مقتصرًا على الفرح، بل كان أيضًا وسيلة لبثّ الأحزان والتعبير عن الغربة والحرمان، خاصة عند غياب الزوج أو وفاة شخص عزيز. في مثل هذه الحالات، كانت المرأة تجد عزاءها في محاورة الجمادات، كالرحى وأدوات النسيج، حيث تعكس معاناتها ووحدتها.
رابعًا: دور الأهازيج في الحفاظ على اللغة والثقافة المزابية:
لم تكن الأهازيج مجرد وسيلة للتعبير، بل كانت أيضًا أداة للحفاظ على اللغة والثقافة الميزابية. فقد ساهمت في:
-نقل العادات والمعتقدات عبر الأجيال، من خلال تكرارها في المناسبات المختلفة.
-تعزيز الهوية اللغوية، حيث ظلت تُردد بالأمازيغية رغم المؤثرات الخارجية.
-تأريخ التجارب الحياتية والاجتماعية، من خلال تصويرها لمراحل الحياة المختلفة.
خامسًا: إيزلوان بين الماضي والحاضر:
رغم مرور الزمن، لا تزال الأهازيج تحتفظ بجوهرها، وإن كانت بعض الألحان قد تغيرت. ويؤكد الباحثون أن فن إيزلوان أقدم مما يمكن تحديده زمنيًا، حيث أنه متجذر في العصور القديمة.
وفي الوقت الذي تقلص فيه دور الأهازيج في بعض المناطق نتيجة التطور التكنولوجي، لا تزال بعض النساء يحرصن على تناقلها كجزء من التراث الحي، كما أشار الشاعر عبد الوهاب حمو فخار:
\”ثقافة صناعة الصوف في مزاب من الحرف التي أسدت لنا خدمة هائلة، مساهمة من أمهاتنا العزيزات في الحفاظ على التراث اللغوي والمخزون الأدبي، وهو إرث إنساني يحق علينا أن نفتخر به بين الأمم.\”
ختاما : يُعدّ فن إيزلوان من أهم مظاهر البوح النسوي في وادي مزاب، حيث جسّد معاناة المرأة، أفراحها، وأحزانها، مما جعله وثيقة حية تعكس واقع المجتمع وثقافته. وعلى الرغم من التغيرات التي طرأت على المجتمع، فإن هذا الفن لا يزال يحتفظ بجاذبيته الأصيلة، خاصة في المناسبات التراثية التي تضمن استمراريته وانتشاره بين الأجيال.
الهوامش:
1-عمر بن سليمان بوسعدة: أحوّف ن وغلان – أناشيد مزابيّة مختارة من التراث ولألمع الشعراء والمنشدين، د.ط، المطبعة الجابرية، بنورة، غرداية.
2-يوسف لعساكر : ايدوران نـ تسكلا ( انثولوجيا الأدب المزابي ), مديرية الثقافة لولاية غرداية 2011 .
إميلي ماري قواشون: الحياة النسوية في مزاب، ت: سامية نورالدين شلاّط، د.تح: صالح محمّد الشيخ صالح، د.ط، دار نزهة الألباب،غرداية، 2019.
3- فخار عبد الوهاب: تيسلسلت اوورغ، د.ط، مطبعة الفنون الجميلة، الجزائر، 2015.
4-شلاط زينب: الثقافة المزابية في رواية حديث الصمت لأحمد بكلي، مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر في الأدب العربي، اختصاص: أدب حديث ومعاصر، كلية الآداب والحضارة الإسلامية، قسم اللغة العربية، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة.
5-أحمد بن محمّد بكلّي: حديث الصمت، د.ط، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2006.
–6REVUE DE L\’OCCIDENT MUSULMAN ET DE LA MEDITERRANEE, No, 27 (1979), paris, ) Le travail de la laine à Ghardaïa [Textes recueillis par Madeleine Allain (1947) revus, transcrits, traduits par Jean Delheure.
