الامتحان إرهاب ناعم وفلسفة تدجين للإنسان ….( جدلية ملحّة بين الضرورة أوالتخلّي ) .
بقلّم الاستاذة ليلى تبّاني /الجزائر
ما إن ندنو من فترة الاختبارات في المراحل التّعليمية المختلفة، حتى تٌعلن حالة التأهّب القصوى من طرف المعنيين سواء من المتعلّمين أو الأولياء أو حتى المعلّمين، حتّى أنّ البعض منهم تنتابهم رغبة التّلذّذ بإذلال المتعلّمين لدوافع عدّة لا تمتّ للتربية بصلة، فيعود بي قطار الزمن إلى فترة الدّراسة وأتذكّر ما مررت به من امتحانات كثيرة تمتد من سنوات الابتدائية مرورا بمرحلتي المتوسّط والثانوي، ثم التخصص في الجامعة. وحتى وأنا أواجه معترك الحياة ، أحصيت مجملا تلك الامتحانات ، فوجدتها تقارب الألف امتحان .فضلا عن قناعتي أنّ الحياة الدّنيا كلها امتحان كبير .لكنّني وحتى لحظة كتابة هذه الأسطر كلّما صادفت وليّا من أولياء التلاميذ أو تلميذا يستعدّ للامتحان ، أستشعر ما يمرّ به من هواجس خوف وقلق و تعاودني المشاعر ذاتها وأعاني نفس معاناته، ويحضرني قول نابليون الشهير: ” أهون عليّ أن أخوض مئة معركة ولا اجتاز امتحانا واحدا “. واتذكر ما يكتب على سبورة صغيرة يستغلّها المعلم أحيانا لملاحق الدروس: “عند الامتحان يكرم المرء أو يهان “…عبارتان لو تأمّلتهما لوجدت أنّهما تحملان بذور الترهيب في طيّاتهما، فمنذ أن صممّت الامتحانات شكّلت عائقا نفسيا أمام المتعلّمين، ضاربة عرض الحائط حالاتهم النفسية والتأهيلية، فتتحول الامتحانات من أداة لقياس مدى معرفة المتعلّمين لمعلومة في مُقرّر، أو معالجة مفردة في موضوع، إلى اعتبارها مسألة تمس هويّته، وتهدد وجوده وكيانه الإنساني وتؤثر في شخصيته حتى أعماقها وجذورها. فإذا تفكّرنا في الامتحانات أو الاختبارات التي يتعرّض لها الإنسان لوجدناها مجرد سبرٍ للمعلومات والخبرات المكتسبة لدى هذا الشخص ضمن مادة الامتحان ، وهذا بنظرة سطحية نظرية. لكنّنا وعلى أرض الواقع نجد أن كل الناس لما يتعرّضون لظرف امتحاني لا يأخذون الموضوع ببساطة على أنه سبرٌ معلوماتي في مادة الاختبار، وينتابهم شيء من الخوف والقلق يزيد وينقص وقد يصل لدرجة الرهاب المرضي أو الفوبيا ، ويسبر المعلومات وغير المعلومات، بل كأنّ الامتحان لذات الإنسان وليس لمعلوماته، يقيّم شخصه ومثله وأخلاقه وقوته ، فيلحّ التساؤل : هل الامتحان وجد من أجل تقييم الذّات أم المعلومات ؟
الامتحان ضرورة لإثبات الذات :
في ظلّ النمطية والتقليد الذي عاشته المدارس والانظمة التربوية لفترات طويلة كان ومازال معظم الناس يشعرون أن الامتحان هو معركة إثبات للذات وليس لمعلومات وخبرات فحسب ،و أنّ الفترة السابقة للامتحان هي بحد ذاتها امتحان لـقوة شخصية ومهارات أبنائهم ، ومن جهة أخرى هي فترة امتحانٍ لـمدى حبّ وإخلاص الأبناء لوالديهم حتىّ صار الامتحان معيارا لقياس مدى برّ الأبناء للآباء . وباتت فترة الامتحان تضع حب وإخلاص التلاميذ لمن حولهم على المحك. فهي تختبر علاقاتهم على مستويات عدة: علاقتهم مع أنفسهم، وعلاقتهم مع الله، وعلاقتهم مع أهليهم وحتى مع وطنهم، وكأن الامتحان هو معركة شرف وكرامة.
وتترسخ أكثر هذه الفكرة في نفوس أبنائنا، لمّا يضع بعض الآباء والأمهات شرط محبتهم لطفلهم تفوقه الدراسي، كأن يرددوا على مسامعه: «سوف لن أحبك إن لم تأخذ علامة جيدة في الرياضيات مثلا «، أو يقولون له: “إن أنت أخذت الأول على المدرسة، فسوف أعطيك كذا وكذا أو أرضى عنك ومن هنا تتعاظم المسؤولية وينشأ التّوتر والخوف من هذه الرهانات الامتحانية.
الامتحانات تدجين و إقصاء .
في مبحث مهمّ من كتاب “السلطة والمعرفة ” لمشيل فوكو. يرى هذا الفيلسوف البنيوي الكبير ،أنّ علاقة المدرسة بالامتحان هي بمثابة سياسة مشروع لتدجين الانسان. و أنّ ما أصبحت تقوم به المدرسة عند فوكو ،شبيه بما تقوم به الثكنة العسكرية، فهي أيضا أصبحت وسيلة للمراقبة، ويعد الامتحان في المدرسة الحديثة وسيلة من أجل الانتقاء، و إقصاء فئة على حساب فئة أخرى، لكن بطريقة مشروعة يقبلها الكل عن طواعية ، فالامتحان يعد سلطة ورقابة محكمة وفعّالة لأنها تقوم على الحساب ، والحساب كما هو معلوم هو أساس العلمية في الزمن الحديث وهو الطريق الذي سلكته العلوم الإنسانية، وهو ما جعل فوكو يؤكد أكثر من مرة أن العلوم الإنسانية هي وليدة مجتمع الرقابة. إن الامتحان أصبح سلطة يتم من خلالها قبول الرّسوب أو التفوق، ناهيك بأنها لحظة لا يمكن الاستخفاف بها نهائيا لأنها مرتبطة بمستقبل الفرد العملي وهو ما يزيد من قوة الامتحان كآلية سيطرة، فالمدرسة إذن وعن طريق إدارة التعليم تعمل على توجيه الأفراد كل بحسب قدراته من أجل الاستفادة منهم عمليا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتم تصنيف الناس بشكل مدروس بحيث يتم مسبقا تحديد مبادئ التعليم المتوافقة مع مصالح محددة لذلك لم تعد المدرسة كوسيلة آيديولوجية للتدجين تسيطر على الأفراد رغبوا في ذلك أم لا، لأن الامتحان ينتظر لا محالة، وهو ما يثبت العلاقة الحميمية بين السلطة والمعرفة ، فماذا يفعل السجين في يد جلاّده ؟ . وفي ظلّ هذا التعسّف والارهاب النّاعم ، تعمّ الرداءة والنمطية والتقليد ، و يغيب الابداع والخلق والرغبة في التجديد فما بديل الامتحان من وجهة نظر فلسفية بنّاءة ؟
بناء وكفاءات وتقويم عوضا عن ضخّ وتراكم وترقيم.
يمكن أن تتحقق مخرجات التعلم عن طريق التكليف الفردي والجماعي للمتعلّمين وذلك ببناء تعلّماتهم وإنجاز مشاريع تبدأ ببداية الفصل وتنتهي بانتهائه، ويتم التقييم لها بعد عرضها من التلاميذ ، وفي المقابل يتلقّى التلاميذ تغذية راجعة وفق استراتيجيات محكمة ذات أبعاد وغايات مدروسة شعارها ” اكتساب المهارات بدل تحقيق الدّرجات ، ولن ينجح ذلك إلاّ إذا اتّجه النظام التعليمي إلى قياس المهارات والقدرات بناء على أنواع التقويم المختلفة ، وفقا لذلك، فإن فكرة الرسوب والنجاح بناء على الاختبارات النهائية ستبدو فكرة سخيفة جدّا. يفترض تنظيم اختبارات تحصيلية شاملة نهاية مرحلة التعليم على أن يتاح الاختبار لكل تلميذ وجب أن يخوضه حتى وإن لم يكن قد حصل على علامات مؤهلة في التقويم طوال المسار التعليمي. يستبعد فيه التقويم الكميّ ليعوّض بتقويم معياري غير إقصائي . هو ذاته مايؤسّس له النظام التربوي الجزائري في ظل تحديث المناهج بما يواكب متطلّبات العصر . في ظلّ هذا النظام التقويمي البديل بات التّخلي عن امتحان مرحلة الابتدائي واستبداله بامتحان عاد من شأنه تخفيف الضغوط النفسية والمعنوية على التلاميذ. أعدّ تفعيل امتحان تقييم المكتسبات لتلاميذ الطور الابتدائي، لتعميق إصلاحات القطاع، وجرى التنويه إلى أنّ التخلّي عن امتحان نهاية مرحلة التعليم الابتدائي، واستبداله بامتحان آخر يهدف إلى تقييم مكتسبات هذه المرحلة ولا يُحتسب في الانتقال إلى مرحلة التعليم المتوسط، و يندرج في إطار إصلاح منظومة التقييم .
في النهاية نؤكّد أنّ اختفاء نظام الاختبارات التقليدي وابتكار أنواع من التقويم الحديث يؤدّي لا محالة إلى فتح آفاق الابداع وكسر طابوهات الخوف والسّلبية و زوال مظاهر القلق والإحباط والغش.
