الرواية والهوية ” العود الأبدي ” وأسئلة الهجنة والتعدد

الرواية والهوية ” العود الأبدي ” وأسئلة الهجنة والتعدد
5
(1)

قلولي بن ساعد

عندما نتحدث عن الحضور الطاغي أو النسبي لقضايا الهوية والذاكرة في الرواية الجزائرية فينبغي أن نضع بعين الإعتبار بأن هذا الحضور لايخص فقط رواية الأطروحة الإيديولوجية المكتوبة في السبعينيات من القرن المنصرم والتي يتجلى فيها المحمول الإيديولوجي لأشكال وتمثلات الهوية الجزائرية بيعديها اللساني والثقافي في سياق مربك هو السياق الثقافي لجزائر ما بعد الإستعمار .
وهي التي خصص لها الناقد الجزائري الدكتور مخلوف عامر كتابا مهما هو ( الهوية والنص السردي ) .
وربما إهتم مخلوف عامر بنوع محدد من أنواع الهوية وهو الهوية الثقافية بمكوناتها التاريخية والنفسية والأنتروبولوجية .
وهي عندما تحضر في النص الروائي الجزائري والمغاربي عموما تحضر بوصفها هوية خطابية بالمعنى الذي يقترحه الناقد الهندي ما بعد الكولونيالي هومي بابا عندما يرى أن الأمم سرديات .
ومعنى ذلك أن الهوية الخطابية ليست هي الهوية الواقعية كما تتجلى في الخطابات الدينية والإعلامية والسياسية أو كما يشعر بها المواطن والقارئ المحدود التكوين .
فالأمر يتعلق بهوية أخرى هي هوية ( الجماعات المتخيلة ) كما إفترض إنتشارها بندكت أندرسن في كتابه القيم ( الجماعات المتخيلة تأملات في القومية وإنتشارها ) .
ذلك أن الأمة كما يرى الناقد الثقافي البربطاني ستيورات هول ” ليست كيانا سياسيا فقط إنما هي أيضا شيء ينتج معاني أي أنها نظام من التمثل الثقافي أو جماعة رمزية وهذا هو الشيء الذي يفسر سلطتها في توليد حسها بالهوية والولاء ” (01)
ثم هناك الهوية التي تحضر في النص الروائي الجديد / النص بوصفه حكاية / الحكاية التي تحتل موقعا متقدما في الكتابة الروائية في العالم الثالث وفي رواية الأطراف .
لأن كتابة السردية المضادة هي مبرر وجودها بعيدا عن ثقافوية السردية الإستعمارية الني حاولت لي عنق التاريخ بما يستجيب لإرادة ” الهيمنة بالتخييل ” بمفهوم وحيد بن بوعزيز في مهمة عسيرة تطلبت من الروائي الحكاء التعويل على تسريد التاريخ أو الوعي بالكتابة الروائية بوصفها تاريخا هو ” التاريخ من الأسفل ” حسب المفهوم الذي وضعه الناقد الهندي ما بعد الكولونيالي ديبيش شاكابراتي في كتابه المهم ( مواطن الحداثة ..مقالات في صحوة دراسات التابع ) .
وأن هذه الحكاية إذ تحضر في النص الروائي فهي تتسم بنوع من العودة إلى بعض الإحداثيات التي تشكل المكون الأساسي لتراثنا الشفوي والإسطوري والسردي فيما يشبه المطابقة والإختلاف .
في نفس الوقت ترفدها في ذلك خبرة الروائي السوسيولوجية والأنتروبولوجية وثقافته التي تجمع الإسطوري بالمتخيل بالواقعي بالفانتازي كما في” التراس” لكمال قرور و” الغيث ” لمحمد ساري و” تلك المحبة ” للحبيب السائح و” حروف الضباب ” للخير شوارو” جبال الحناء ” لعبد القادر برغوث و” وحده يعلم ” لعايدة خلدون .
وهي شتات حكايات وأحداث محتملة في الحياة والعالم الماورائي الميتافيزيقي .
ذلك أن شخوصا مثل الزواوي في ” حروف الضباب ” وميرة في “جبال الحناء ” و سطورة وإبن عمها خثر في رواية ” وحده يعلم ” لعائدة خلدون و اللقلق ونانا خدوج والعرافة في رواية “التراس ” لكمال قرور وما تحيل إليه من وقائع غرائبية وحالات أقرب إلى الفناء والتجلي بالمعنى الصوفي .
بما يجعل الروائي يختبر فعله الإبداعي الجديد عبر العودة إلى بعض إحداثيات التاريخ ومكونات المجتمع الهوياتية وتراثه السردي وملاحمه الشعبية التي تعود بجذورها في التراث الروائي الجزائري إلى تلك التجربة المفصلية التي دشنها الأعرج واسيني بنصه الروائي ” نوار اللوز- تغريبة صالح بن عامر الزوفري ” كمرجع نظير ” بتعبير بوشعيب الساوري يحيل إلى رغبة الروائي العربي في إستدعاء التراث السردي ومنحه بعدا معاصرا .
وهي عودة أشبه بالعود الأبدي عند نيتشة كما يراه رولان بارت ” إيذان بعودة المعنى كإختلاف وفرق وليس كتطابق وهوية ” (02).
بما يعني الإقتراب مما يسميه الناقد الثقافي البريطاني ستيورات هول ( الهوية المنزوعة المركزية ) في إرتباطها بقضايا الهجنة الثقافية في ضوء النظرية ما بعد الكولونيالية الميالة لنقد الأنساق الثقافية المضمرة في الخطاب الهوياتي من داخل الرواية بوصفها ” الفضاء المتنازع عليه ” بمفهوم إدوارد سعيد .
وليس من قبيل الصدفة أن نجد هذه السردية / سردية “الهوية المنزوعة المركزية ” أو ” الهوية المنشطرة ” بمفهوم هومي بابا تحضر بقوة في النصوص الروائية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية بينما هي قليلة الحضور في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية.
كما لو أن هذه الهوية تكاد تكون محسومة في نظر المثقف المعرب بينما هي محل نقد ومراجعة لدى المثقف الفرانكو جزائري بحكم المنفى أو إقامته داخل ذلك الذي يسميه هومي بابا ” الفضاء الثالث ” فهو هنا وليس هنا بحسب تعبير إدوارد سعيد لدرجة الإنسياق وراء ما يحيل إليه فيلسوف الإختلاف جاك ديريدا عندما يتحدث في كتاب حميمي عن غربته المزدوجة اللسانية منها والثقافية هو كتاب ” أحادية الآخر اللغوية ” .
وهو الكتاب الوحيد الذي كتبه ديريدا بلغة هي أقرب إلى اللغة الشعرية الإبداعية منها إلى اللغة المفهومية التي تميز سائر نصوصه الفلسفية منها والنقدية .
طالما أن الرواية هي ذاتها فضاء الهجنة والتعدد على ما يكشف ذلك عمل مهم هو “الخطاب الروائي ” لميخائل باختين .
وهذا أمر يحتاج إلى قراءة أخرى كفيلة بأن تستدعي نقاشا حرا ليس هنا مجاله ولا المقام يسمح بإستقصاء ما يتوارى خلف ماكنة ” النقد المزدوج ” بمفهوم الخطيبي للسرديتين سردية الهوية المحسومة في نظر الروائي المعرب و” سردية الهوية المنزوعة المركزية ” عند الروائي الفرانكو جزائري .

هامش
01 ) حول الهوية الثقافية ستيوارت هول ترجمة بول طير مجلة إضافات – مركز دراسات الوحدة العربية بيروت – ص 154 العدد الثاني ربيع 2008
02) درس السيميولوجيا رولان بارت ترجمة عبد السلام بنعبدالعالي – ص 49 دار توبقال الدار البيضاء الطبعة الثانية 1993

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *