المسكوت عنه في رواية【حيزيا-زفرة الغزالة الذبيحة】لواسيني الأعرج

المسكوت عنه في رواية【حيزيا-زفرة الغزالة الذبيحة】لواسيني الأعرج
0
(0)

بقلم: الطيب ولد العروسي/ باريس

ليس من السهل الكتابة بشكلٍ مُختلفٍ حول مواضيع تراثيّة تم تداولها بشكل متواصلٍ، ولكن وفق مسالك مختلفة. وممّا لا شكّ فيه أنّ إثارة مثل هذه المواضيع والكتابة حولها بمضمون مختلف يثير تساؤلات عديدة، وحتى ولو تم تدعيم هذه العمليّة الإبداعية بأدلّة دامغة، فإنّ مقدار السخط والنقد الموجّه لمن كتب مثل هذه القصص وتوارثها يكون، في أحيان كثيرة، قاسيا، حتى إنّ مثل هذه الانتقادات تكون غير مبرّرة خاصة إن كان أصحابها جامعييّن وباحثين، يفترض أنهم مختصّين وعلميين.
هذا بالضبط ما حصل مع الروائي واسيني الأعرج في روايته الأخيرة 【حيزيا-زفرة الغزالة الذبيحة】 والتي كان الشاعرُ بن قيطون بطلها. ولقد خلخل واسيني تلك المعطيات والمسلمات المتوارثة في روايته الصادرة في الجزائر عن منشورات “خيال” نهاية سنة ٢٠٢٣ المكونة من أربعة فصول وتقع في ٣٢٢ صفحة. وهي في طبعتها الثالثة.

أحبّت حيزيا، تلك الفتاة الجميلة، ابن عمّها سعيد الذي فقد والده، وتربّى معها، تحت رعاية والدها، حتى وصل إلى سنّ البلوغ، فبعثه عمه عند أخواله في بسكرة. هناك أين تعلّم الكتابة والقراءة بالفرنسية ليصبح إداريا في وقت لاحق لم يجن كما تقول بعض الروايات غير الدقيقة والمتأثرة بقصص الحب التراجيدية العربية مثل قيس وليلى. بل وأُجبر على التعوّد على حياة أهل المدينة. وفي المقابل، ظلّت حيزيا تعيش حياة البدو والترحال مع أهلها، وتعلّمت بدورها الكتابة والقراءة والنحو على يدي معلمها الاول ابن قيطون الذي كان يستشار في أمور الدين ويؤم الناس في الصلاة، بل ويُعتبر أحد وجهاء سكان منطقة أهل حيزيا على الرغم من انه من البوازدة وليس من عائلة بوعكاز.
ولعلّه من الجدير بالذكر، أنّ هذا الأخير كان يُدرك جيدا العلاقة الحميمية بين حيزيا وسعيد، حيث عاش عن قرب آلام وآمال حيزيّا وأوجاعها حينما ضاق حولها طوق الأسرة، وعلى رأسها والدُها الذي رفض زواجها بحبيبها لأنّ هناك شائعة تقول بأنه رضع معها وأنّ أمّها تؤكد بأنّها رضاعة واحدة وغير مشبعة لأنّها اضطرت إلى إشباعه بحليب البقر والتمر.
وفي هذا الأمر اجتهاد يمكّن من تزويج سعيد بحيزيا، فالرضعة الواحدة لا تكفي كما يقول السارد لتكون الأخوة التي تحرم الزواج. وهو اجتهاد لابن
قيطون حينما اجتمع القوم وسألوه في الأمر. وقد اعتمد على مرويات عائشة وبعض فقهاء المسلمين. ولكنّ والدها قرّر تزويجها لأحد أحفاد عائلة بن قانة 【عبد الغني】 وذلك على الرغم من ماضي أسرته البئيس مع عائلة بوعكاز الذي هو واحد منها.
تزامنت خطبة حيزيا مع حملها من سعيد وولادتها لطفلةٍ جميلة أسمتها ميرا. ولم يوقف تدخّل العائلة، وخاصة الأمّ، قرار الوالد الذي لم يكن يعرف بأنّ ابنته أنجبت طفلة، لأنّ أمّها وخالتها العاقر نسبتها إليها لتفادي الفضيحة بعد ان اتقنت خالتها القايمة مسرحية الحمل. لا سيما وأنّ هذه الأخيرة استعملت حيلا لتوهم زوجها بأنّها حامل، وأنّه يستحيل عليه مجامعتها.
وبعد خطوبة حيزيا إلى أحد أحفاد بن قانة، ومغادرة أهل العريس، تم تدبير عملية قاسية ترتسم في تشكيل مواد سامة على شكل عجينة تم تقديمها إلى حيزيا التي توفّيت بعد تناولها.
لقد كانت حيزيا شهيدةً لحبّ مُخلص ومعروف لدى الجميع، بما في ذلك والدها الذي كان قريبا من ابنته والذي ربّاها على التفتح ومناقشته، والإدلاء برأيها في كلّ ما يمسّ حياة العائلة، حتى أصبحت فارسة، وعُرفت بذكائها وفطنتها. ولكنّ التقاليد لم ترحمها، علاوة على استخدام أو توظيف الدين في غير محلّه.
فلقد أراد والدها بتلك الزيجة أن يخمد المشادات والصراعات بين الأسرتين على حساب براءة ابنته ورغباتها.
بعدها حزن سعيد، وتزوّج عدة مرات، ولم يستطع الاقتراب أو التعرف على ابنته بعد أن كتم بدوره أنفاسه..
ولعلّ اللافت للانتباه في هذا السياق أنّ قبر سعيد غير موجود في مدفن العائلة التي بها قبر بن قطون وحيزيا…

لكن كيف استطاع الروائي الوقوف على هذه الأحداث التي قلبت حكاية حيزيا المُتعارف عليها رأسا على عقب؟ الجواب أنّ واسيني قد عثر، بعد ثلاث سنوات من القراءة والتمحيص والتنقل، على عنصر جديد لم ينتبه إليه من سبقه. وكما يقول المثل الافريقي فإنّه «عندما يموت شخص مسن تندثر معه مكتبة” وذلك لكثرة الأسرار التي يحتفظ بها، وعليه فقد التقى واسيني مع السيدة ميرا أو سلطانه في التسعين من عمرها، لأنّها كانت تحتفظ بقصّة حيزيا الحقيقيّة منذ صغرها، وكانت بحوزتها معلومات لا يدخل الشك إليها. وهو ما أثبته الروائي في عنوان الرواية حينما أضاف “كما روتها لا لا ميرا.”.
تطرّق السارد إلى حياة أهل حيزيا، والى الصراعات بين الأسر، وإلى مجيء الاستعمار إلى المنطقة وانتشار عساكره ومؤسساته والموالين له في سيدي خالد وما جاورها من مدن وقرى ومداشر وواحات، وذلك من أجل أن يُقدّم لنا إعادة قراءة لتلك القصة التي أسالت مدادا كثيرا، وخلدّها ابن قيطون في قصيدته “حيزية” التي غنّاها الكثير من الفنانين والمداحين، وتمّ تدريسها في الجامعات…وبهذا انتقلت حكاية حيزيا من المحليّة، أي الجزائر، إلى العالمية بفضل مجهودات الروائي واسيني لعرج، لتدخل ضمن التراجيديات العالمية الكبرى؛ فهي تُعتبر ابنة أجمل قصة حبّ في العالم. ويكون العاشق الكبير في هذه القصّة كما يُثبت واسيني هو “العاشق الصامت ابن قيطون وليس سعيد” وذلك انطلاقا من قصيدته الذائعة الصيت والتي مطلعها:

عزوني يا ملاح في رايس لبــنات * ســــكنت تحت اللحود ناري مقديا
يــاخي انـــا ضريـــــر بيا مـــا بيا * قــلبي سافر مع الضامر حيزيــــه
يا حصراه على قبيل كنا في تاويل * كي نوار العطيل شاو النقصــــــيا
ما شفنا من أدلال كي ظل الخيال * راحت جدي الغزال بالجهد عليــــا
وإذا تمشي أقبــــال تسلب العــقال * أختي بــاى المحال راشق كمـــــيا
طلقت ممشوط طاح بروايح كى فاح * حاجب فوق اللماح نونين بريـــــا

 

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *