ملاحظات حول “نظرية نهاية التلفزيون ” لأمين الزاوي

ملاحظات حول “نظرية نهاية التلفزيون ” لأمين الزاوي
0
(0)
بقلم : عمار بورويس
لا أدّعي ،هنا، أبدا أن أرد على ما ذهب إليه الأستاذ أمين الزاوي ، حين كتب قبل أيام على “الأندبندنت” كلمة تأبينية ” ، نعى فيها أفول نجم التلفزيون، مؤكدا ” موت ” هذه الوسيلة الإعلامية التي شكلت كما قال “الحلقة المركزية في التثقيف و المؤانسة العائلية منذ خمسينيات القرن الماضي “… فأنا لست أهلا للرد على ” هرم ثقافي و فكري و أدبي ” في حجم أمين الزاوي ، ثم أن المجال لا يستدعي ” الرد ” أصلا ، لأن نهاية التلفزيون ، خاصة في الدول المتخلفة ، و إن لم تكن قد وقعت فعلا ، فهي وشيكة و قريبة من دون شك ، و تتطلب من الملاحظين و الدارسين و الإعلاميين وقفات تأبين و توديع كثيرة لـ ” صندوق العجب” ،الذي شغل الناس في كل دول العالم خلال سنوات طويلة .
يؤكد الروائي و المثقف و الكاتب أمين الزاوي أن التلفزيون يحتضر، و أننا ” نشهد جنازته الثقافية و الإعلامية ، بل و نمشي فيها أيضا ، من دون أن ننتبه أننا ندفن شيئا عزيزا شكّل ذاكرتنا و أحاسيسنا و ذوقنا خلال نصف قرن ” .
و نقل الزاوي في ” كلمته التأبينية ” بإبداع كبير، الطقوس التي رافقت ظهور التلفزيون في البيت العربي ، معرّجا، أيضا ،على سنوات اشعاعه في العالم ، قبل أن” يقرأ عليه الفاتحة”.
و انني إذ أجد في كلام الزاوي مبالغة كبيرة ، فإنه بإمكاني ، أن أقدم بعض الملاحظات ، انطلاقا من ” اهتمامي ” بهذا الجهاز الساحر خلال سنوات طويلة ، و عملي به خلال ربع قرن من الزمن .
إننا لا نختلف كثيرا بشأن ” تراجع ” دور التلفزيون في المجتمع الحالي ، كوسيلة إعلامية و تثقيفية و تربوية . لقد تنازل التلفزيون عن مهامه التقليدية تلك ، مرغما أو طواعية ، لمصلحة أجهزة و وسائل رقمية أكثر تطورا من الناحية التكنولوجية ، و أكثر انتشارا أيضا، بينها وسائل التواصل الاجتماعي ، و المحطات الرقمية التي تقدم ” ما لذّ و طاب ” من البرامج و الاخبار و التسلية و الترفيه . غير ان التلفزيون ما انفك يتطور أيضا ، رافضا الموت و التراجع الى الوراء ، و التخلي عن دور الريادة الذي لعبه خلال خمسن عاما . لقد تمكن مثلا من ” عقد زواج ” خرافي مع تكنولوجيا المعلوماتية، و مع الأنترنت ، و مع الانفوغرافيا أيضا ، و استفاد من التحسينات المتتالية للصورة و الصوت و تقنيات البث عبر الأقمار الصناعية ، كما اقتفى إثر الإذاعة في الاهتمام المتزايد بالخبر الجواري و المحلي ، فانتشرت القنوات التلفزيونية الجوارية في كل مكان رافضة التنازل عن”العرش” لمصلحة الوسائط التكنولوجية الحديثة .
و كان من نتائج ذلك في الواقع أن بدأ الجمهور يعود إلى التلفزيون ، بعد مرور ” فترة الانبهار ” التي رافقت ظهور المواقع الالكترونية المختلفة.
و يحظى التلفزيون اليوم ، في المجتمعات المتطورة خاصة ، بمتابعة قوية و كبيرة من طرف مختلف الفئات العمرية ، خاصة اذا تعلق الأمر بالبرامج الحوارية الإخبارية التي تقوم على الرأي و الرأي الآخر . و يزداد الإقبال على ذلك عشية المواعيد الانتخابية عادة، حيث تفتح القنوات التلفزيونية برامجها لمختلف الآراء و المواقف و الاتجاهات السياسية للتعبير عن نفسها . كما يتهافت المشاهدون في نهاية الأسبوع على القنوات التلفزيونية المتخصصة لمشاهدة مباريات كرة القدم التي لا يمكن متابعتها في مكان آخر. ان حقوق بث هذه المباريات مضمونة لقنوات تلفزيونية دون غيرها ،و لا مناص للمشاهد من الاشتراك لمتابعتها .
و لذلك فإن القول بنظرية ” نهاية التلفزيون ” هو قول مبالغ فيه ،و ربما يجد ما يبرره في دول دون دول أخرى . فقد تراجع دور التلفزيون في الدول الشمولية التي تسيطر على التلفزيونات و تعتبرها وسيلة لممارسة السلطة و ليس وسائل إعلامية . في هذه القنوات التي تنتشر في الدول المتخلفة ينتشر الرأي الواحد عادة ، و هو رأي السلطة الحاكمة ، و لا نجد في الغالب صراع الأفكار و الطروحات التي تحظى في الغالب بمتابعة جماهيرية واسعة . لذلك يعزف الجمهور على متابعة برامج التلفزيون التي يراها فاقدة للمصداقية ، مفضلا البحث عن مصادر أخرى للمعلومة ، تتيحها له وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تخضع للرقابة، و تتمتع محتوياتها بهامش كبير من الحرية .
ان التفاوت الموجود اليوم في التعاطي مع التلفزيون في العالم ، يعود بنا إلى الخمسينيات من القرن الماضي ، عندما ظهر التلفزيون و تطور بشكل متفاوت أيضا . لقد انتشر التلفزيون و تطور في شمال الكرة الأرضية ، في حين بقي الشطر الجنوبي على الهامش ، و لم يعرف انتشار التلفزيون إلا بعد ذلك بنحو عشرين عاما .
و لعل ما يبرر ” طول عمر ” التلفزيون أيضا ، هو أن الأنترنت و وسائل التواصل الاجتماعي ليست اليوم في متناول الجميع . فهناك في أفريقيا و آسيا بشكل خاص،مجتمعات معزولة لم تستفد بعد من التطور التكنولوجي . و تقول دراسات حديثة ان 80 بالمئة من الافارقة مازالوا يعتمدون على الإذاعة المسموعة في تلقي المعلومة ، و ان هناك مجتمعات معزولة لا يصلها البث التلفزيوني إلى حد الآن .
لا أحد اليوم يمكنه أن يتنبأ بما يحدث للتلفزيون مستقبلا . لكن المؤكد أنه لم يعد يحظى بشعبيته المعتادة ، خاصة في الدول التي لا تنتشر فيها مظاهر الديمقراطية و حرية الرأي و التعبير . أما في أوروبا و أمريكا و كثير من دول أسيا فإن القنوات التلفزيونية مازالت تطبع يوميات الكثير من العائلات ، التي تتجمع يوميا لمتابعة برامجها المفضلة .
ان طريقة فهمنا للتلفزيون ، و تعاملنا معه ، هي التي تحدد مستقبله . و الأكيد أن نهايته ليس غدا ، و ان أمامه سنوات أخرى من الاشعاع و الابهار و الإمتاع .
________
الخبر ، 8 أوت 2022 ، ص 14

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *