خط رمل لهاجر قويدري، أثر التوازي على السرد المتوالي، من تعدد الرواة إلى تعدد الثيمات.
خط رمل لهاجر قويدري، أثر التوازي على السرد المتوالي، من تعدد الرواة إلى تعدد الثيمات
محمد الأمين بحري/ الجزائر
النوع والموضوع:
بمسافة متناهية في التطابق مع روايتها (نورس باشا) –وخاصة في فصلها الأول-، تنسج هاجر قويدري روايتها: خط رمل، من نوع أدب المكرات، وهي باختصار عبارة عن مذكرة كبيرة للبطلة: ماجدة شيحاني ذات التاريخ المتعدد الجذور، جذور العهد العثماني بحكامه الطغاة:
زمن حكم عثمان باي الأعور حارق المدن (مدينة جراح).
وزمن أولياء الجزائر الصالحين (مولانا البودالي مول الساعة) صاحب مقام زاوية رجاس بميلة.
وزوجته الولية الصالحة (يمينة بنت حوطة) العواطية من قبيلة بني مسلم.
وابنها محي الدين صاحب سلالة العواوطة الذين تنحدر منهم البطلة (ماجدة شيحاني) ابنة مراد الذي قتل في التسعينيات بتهمة الإرهاب.. وتم قتله من طرف الأمن في زاوية جدته الولية الصالحة (يمين بنت حوطة) في رجاس.
تمتد الرواية في مختلف فصولها الأربع، من العهد العثماني عهد الجدود الصالحين إلى مرحلة التسعينيات والألفينيات زمن ألأحفاد الآثمين. الذي من بينهم بطلة الرواية وكاتبة مذكرات عائبتها: ماجدة شيحاني.
تقطيع الرواية:
تنقسم رواية خط رمل إلى خمسة فصول متباعدة الموضوعات، والشخصيات، والفضاءات الزمكانية. وهي:
الفصل الأول وعنوانه: [خط يمينة بنت حوطة – شتاء 1804]
ويختص بحكاية الولية الصالحة يمينة بنت حوطة التي تحكي بلسانها كراوية؛ مسيرة قهرها في مجتمع أبوي حتى في صناعة نسائه، حيث يعقد الولي الصالح سيدي مولانا البودالي مول الساعة اجتماعاً ويلقي خطبة حول عزمه على الزواج من إحدى فتيات مدينة رجاس، فكان ان تسابق كل من لديه فتاة، إلا ان الظفر كان من والد يمينة بنت حوطة التي رأى والدها حلماً يعدها فيه بالزواج من مولانا البودالي، وهي ابنة 17 سنة فكان أن رحلت معه إلى مدينته “جراح” ولم لبث معها سوى ليلة واحدة فك فيها حزامها وأعطاها عمامته التي صارت (بعد وفاته عمامة مقدسة) تتحزم بها النساء فتحبلن، وتتناحرن من أجل ان تبت ليلة متحزمات بها، وتثور بينهن الفتن والصراعات لنيل العمامة بضع سويعات.
وبعد ليلة الدخلة ليمينة يهجم الباي عثمان الأعور على مدينة جراح فيخطف مولانا البودالي إلى جهة مجهولة ويشاع أنه قتله، وهناك تختفي آثار الولي الصالح إلى الأبد ولا يبقى من أثره سوى زاويته بمدين رجاس، تروي يمينة الفتية : “منذ جاءت خيالة الباي إلى جراح وأحرقت إقامتي وماشيتي وعولتي بالكامل بعد أن هزمهم مولانا البودالي، وأنا هنا بلا سند، يؤكد الجميع أنهم لم يجدوا جثته في المعركة وأنه لم يسقط أسيراً لدى رجال الباي، لقد اختفى ولم يترك وراءه أثراً مولانا البودالي مول الساعة، ربما رفدو ربي إليه فعلا” (ص:12) بقيت يمينة بنت حوطة هناك حتى ولدت رضيعها محي الدين، بجوار خالتها فريجة والدة خالد الذي كان مغرما بيمينة قبل أن يظفر بها مولانا البودالي فما كان من خالد ابن فرجية إلا أن استغل اختفاء الولي الصالح من المكان، ونكبة مدين اجراح التي أحرقها الباي عثمان الأعور لبنفرد هو وأمه بالأم الفتية يمينة ويفرغ فيها شحنة اشتياقه وغله، فدأب على اغتصاب المسكينة أمام رضيعها وتحت حراسة أمه فريجة المحتفية برجولته، لكن في الاغتصاب الرابع، تلمست الفتاة يمينة بنت حوطة منجلاً كان بالجوار، وعند إتمام ابن عمها وابن خالتها خالد مهمته القذرة وهم بالمغادرة حتى غرزت المنجل في رقبته فمات كالجمل المنحور على عتبة غرفتها، مما دعا الرجل الوفي الزبوشي، الصديق الحميم لمولانا البودالي وخادم زاويته ومقامه برجاس (ميلة)، إلى اقتحام المشهد، وأمر رجاله فهربوا الضحية المجرمة يمينة بنت حوطة إلى زاوية جراح التي كان مقامها ومرتع كبر فيه ابنها محي الدين وأنجب سلالة من الأبناء والأحفاد لقرون متعاقبة، كان أحدهم “مراد الإرهابي، والد بطلة الرواية ماجدة شيحاني كاتبة المذكرات التي كانت الرواية هي متنها، والتي اكتملت باكتمال الرواية في زمن الألفينيات. (2015).
الفصل الثاني وعنوانه: (رمل ماجدة شيحاني 2015)
بموضوع لا علاقة له بالفصل الأول، لا زمنياً ولا مكانياً ولا شخصيات، ينطلق الفصل الثاني من سنة 2015، مع الشابة ماجدة شيحاني ابنة الإرهابي مراد الذي تمت مطاردته أمنياً بتهمة الإرهاب ففر إلى مقام الولية الصالحة يمينة بنت حوطة التي يعتبر أحد أحفادها. فألقي عليه القبض هناك وتم اعتقاله في سجن رقان بصحراء أدرار وتوفي هناك.
لكن هذا الفصل لا يحكي عنه بل يحكي عن ابنته ماجدة شيحاني. الساكنة بحي الريقودي بالحراش، والتي تشتغل باحثة كيميائية بباريس وتزور الجزائر من أجل ووالدتها، في انتظار رحلة بلا رجعة لأمريكا، كان قد وعدها بها محاميها هنري هاملون، ليسلمها هبة قدرها 1.865.000 دولار، بالإضافة إلى حيوانات منوية مجمدة لهذا الأخير. وهما وديعة لها من السيد مارك أوستر الباحث الكيمائي الأمريكي المتوفي الذي كان زميلها في الأبحاث الكيميائية بباريس، وخطيبها الذي عاجله السرطان بالموت، ليتركها ويترك لها بعض نطافه وأموله التي تنتظرها بأمريكا.
وقبلها كانت ماجدة قد رحلت ماجدة لباريس بعد نيلها للباكالوريا، لكن فرحتها بالنجاح لم تكتم بعد حادثة اغتصابها من طرف ياسين ابن جارتهم (خاتلي علجية)، فكان سبباً في هجرتها لباريس انكبابها على دراسة الكيمياء وتفوقه هناك.
لكن مرض أمها العصبي ـأعادها للجزائر، لتبدأ التحضير لسفرية أمريكا الموعودة رفقة أمها وهي السفرية التي لم تتم، بسبب نداء رفيق أمها دوجة التي استضافتهم بإسبانيا، ليبقوا معها هناك.
الفصل الثالث: خط دوجة (زوجة أحمد فياض 1962).
وهو فصل لا علاقة له بالفصلين الأول والثاني، لا زمنياً ولا مكانياً ولا من حيث الشخصيات، بل فقط بخيط رفيع، يربط راوية وبطلة هذا الفصل “دوجة” التي تعتبر مربية: “سلمى” والدة ماجدة شيحاني، وهي في مقام جدة هذه الأخيرة.
لتكون دوجة هي راوية هذا الفصل في أعقاب استقلال الجزائر، وبداية تصفيات أتباع مصالي الحاج وبلونيس، داخل وخارج البلد، من طرف جهاز جبهة التحرير الوطني، الذي يتهمهم بالعمالة والتبعية لفرنسا وتقويض جهودهم في محاربتها أثناء الثورة، فكان هذا الدافع كافيا للسيد أحمد فياض، كي يهرب بزوجته دوجة، وأبنائه الثلاثة لفرنسا، ولكنهم لم يستطيعوا تهريب الصغيرة المتبناة، كإحدى الرضيعات الناجيات من زلزال الأصنام(1956) بعدما فقدت كل أسرتها هناك: وهي (سلمى) والدة ماجدة شيحاني فيما بعد.
لكن رغم فرار دوجة بأبنائها نحو فرنسا وبلجيكا، إلا أن اتهام زوجها من طرف الجبهة بانتمائه لحزب مصالي الحاج، جعلها تحت تهديد اختطاف أطفالها الثلاث، مما جعلها تنتقل من عاصمة أربية إلا أخرى، بعد اختفاء زوجها أحمدـ واغتيال أخيها خالد ورميه أمام باب البيت، مما تسبب في وفاة والدته حزنا وقهراً، ففرت دوجة بأبنائها نحو أوربا مستنجدة بوسطاء الزعيم مصالي الحاج، الذين كانوا يتدبرون لها المأوى والعمل، كممرضة، ورغم ذلك فقد تمكن جهاز الجبهة من تنفيذ تهديده وخطف الأطفال الثلاثة في إحدى الحدائق الباريسية، مما جعل الزوجة دوجة تكمل حياتها بين المصحات النفسية والطبية، من وقع صدمة اختطاف أطفالها الثلاثة دفعة واحدة، وهي تهذي ((الجبهة.. الجبهة)).
الفصل الرابع: رمل ماجدة شيحاني:
يعود الفصل الرابع ليكمل ما خلفه الفصل الثاني من مآسي ماجدة شيحاني في العشرية الثانية من الألفينيات، وهذه المرة في عودة نهائية للجزائر للعناية بأمها المريضة (سلمى) على أمل هجرتهما نحو أمريكا. وهي الرحلة التي لم تحدث أبداً بسبب ظهور سميحة إحدى مربيات سلمى أم ماجدة والتي تعلقت بها الأم، وسكنت معها في مدريد لتنتهي الرواية هناك.
وهناك في مدريد تعثر البنت ماجدة شيحاني على مجموعة من أشرطة التسجيل الخاصة بوالدها المتوفي (مراد شيحاني).
الفصل الخامس: (خط مراد شيحاني)
وهو والد بطلة الرواية ماجدة شيحاني الذي مات في سجن رقان في التسعينيات بتهمة الإرهاب، بعد أن تم القبض عليه في مقام الولية الصالحة (يمينة بنت حوطة التي كانت بطلة وراوية الفصل الأول من الرواية الذي حكى قصة قهرها).
ويعتبر هذا الفصل تدويناً لسيرته التي تبرئه من تهمة الإرهاب، وهي السيرة التي دونتها ابنته ماجدة، بعد أن جمعت أرشيفه من أشرطة التسجيل ورسائله إلى زوجته (سلمى) التي لم تصلها قبل وفاته. وتالتي اكتشفتها ابنته في عنوان بيتهم المهجور بالحراش.
ثالثاً- الأفكار والثيمات:
لقد وزعت الكاتبة أفكارها على الفصول المتباعدة المواضيع في روايتها، فضم كل فصل جملة من الأفكار التي لم يكن بالإمكان أن يضمها فصل واحد، مما اجبرها على توزيعها على فصول متعددة بعضها يحمل عنوان (خط وهي شهادات مروية بأسنة رواة تلك الفصول:
[1- خط يمينة بن حوطة، 3- خط دوجة زوجة أحمد فياض، 5- خط مراد شيحاني] وبعضها يحمل عنوان رمل، وهي الفصول: [2- و4 وكلاهما بعنوان واحد: رمل ماجدة شيحاني] وهما فصلان مرويان من راهن يوميات البطلة ماجدة شيحاني ترويها بلسانها عن حياتها مع أمها بين فرنسا والجزائر ومدريد). ليتضح أن كل الفصول إنما هي مذكرات بقلم ماجدة جمعتها من شهادات وذكريات أفراد أسرتها الذين أعطتهم الخط ليكتبوا واللسان ليرووا الفصول التي حملت أسمائهم من هذه الرواية. أما المواضيع فهي:
أ- العرفانية طريق للخلاص: حيث تتعرض بطلة هذا الفاصل وراويته [يمينة بنت حوطة]، إلى امتهان شرفها من طرف عشيقها وابن عمها بعد فقدان زوجها الولي الصالح: سيدي البودالي مول الساعة. لكن ولأنها عاشرت هذا الولي لليلة واحدة هي ليلة دخلتها، فقد كان رجاله هم من خلصوها من القهر والاعتداء بعد انتقامها لشرفها بقتل ابنه عمها. ليكون هذا الفصل بمثابة مقدمة لسلسة من الاعتداءات والامتهانات والظلم الذي تعرضت له بطلات باقي فصول الرواية، بداية من ماجدة شيحاني في العشرية الثانية من الألفينيات، وهي إحدى حفيدات يمينة بنت حوطة، وسليلة عرشها (بني مسلم)، والتي تعرضت لاعتداء مشابه من ابن جارتها في العمارة (ياسين) مباشرة بعد نيلها للباكالوريا، مما دفع بها لاتخاذ قرار الهجرة نحو فرنسا، والانغماس في البحث العلمي هناك، والذي انتهى بخطبة من زميلها الأمريكي الذي وعدها بالزواج وأخف عليها مرضه العضال الذي اختطف روحه قبل تحقق هذا الزواج مخلفاً لها أنبوبة من النطاف وبضعة دولارات كانت فيها من الزاهدين.
ب- ليبرز هنا الموضوع الثاني الأكثر طغياناً وهو النسوية المضطهدة، ماثلة في نساء الجزائر الثلاث المضطهدات [يمينة بنت حوطة- حفيدتها ماجدة شيحاني- والضحية الثالثة: هي: دوجة زوجة احمد فياض التي طاردتها الجبهة (جبهة التحرير الوطني) وخطفت أبناءها، وتركتها مريضة ومرمية بين العيادات. تمتما مثل سلمى أم ماجدة شيحاني (وهي الضحية الرابعة) التي دخلت دهاليز المرض النفسي، منذ صغرها، حين استخرجوها من تحت أنقاض زلزال الأصنام (1956)، فتعلمت الرسم كوسيلة لخروجها من الصدمة، لتدخل صدمات أخرى بعد وفاة زوجها في السجن بتهمة الإرهاب، مثلها مثل سميحة زوجة سي الطاهر التي تبنت سميحة وضمتها لأسرتها، لكنها انتهت هي الأخرى مريضة نفسية وفاقدة للذاكرة (زهايمر) ليجمه الفصل الأخير الضحيات الثلاث (ماجدة وأمها سميحة وسلمى مربية سميحة) في بيت واحد.
وهذا الرباعي من النساء ضحيات العنف (بإضافة الضحية الأولى الولية: يمينة بنت حوطة) هو ما منح الرواية موضوعها الرئيس وخطها الدرامي الذي سخترق جميع الفصول وهو (نساء الجزائر الضحيات). منذ العهد التركي.
ج- وهنا ندخل الثيمة الثالثة وهي الثيمة النفسية حسث يبرز مفصل كبير في الرواي وهو الهعلاج النفسي بالفن التشكيلي، المتمرجع فكرياً وفنياً ب لوحة دولاكروا [نساء الجزائر] اللوحة الوحيدة التي رسمتها سميحة أم ماجدة شيحاني، وبقيت تكرر تقليدها، وتملاً بها جدران بيتها، للتشافي من صدماتها، وفي النهاية لم تكن لوحة دولاكروا وما تعكسه من نظرات نسائها الجزائريات، سوى مرآة لبطلات الرواية الأربعة (الضحيات) اللاتي كن خير مترجمات للوحة دولاكروا التي كانت منعكسة في خلفية مشاهد الرواية، وكأن بطلات هاجر قويدري خرجن من تلك اللوحة لتروين محن المرأة الجزائرية وما كابدته من قهر وظلم وقسوة على مدى عصور متعاقبة.
رابعاً فضاءات السرد:
لم يكن للرواية أماكن عديدة، أي لم تكن برواية مكان، ما عداً قرى (جراح/ رجاس/ في ضواحي ميلة) والحراش بالعاصمة، وباريس ومدريد في نهاية الرواية. وهي المناطق التي ترعرعت فيها شخصيات الرواية ووقعت فيها أهم أحداث الظلم والقتل والمطاردة واللجوء.
لأن الفضاءات المسيطرة على النص كانت بامتياز الفضاءات المجردة وليست المجسدة، وبالأحرى، هناك فضاءان مهيمنان:
*- الأول – الفضاء الزمني:
لقد منحت بطلة الرواية الخط لكل شخصية من الشخصيات الراوية للفصول، كي تسرد سيرة معاناتها المختلفة عن البقية، بينما تحتفظ هي (راوية الرواة؛ ماجدة شيحاني) برمل الذاكرة التي جمعت تلك الفصول المأساوية ودونتها في رواية تراوحت بين خط المعاناة الموزعة بين الشخصيات المشتتة، ورمل الذاكرة الجمعية الواحدة، لكن بأصوات مختلفة الفترات عبر تاريخ الجزائر، المتلاون المحن عبر الزمن الذي كان احد أهم البنيات السردية في الرواية، لكنه ليس الزمن الكرونولوجي كما قد توحي به التواريخ المسجلة على فصول الرواية (الفصل الأول 1804- الفصل الثاني 2015 – الفصل الثالث 1962-) وهي أزمنة: العهد العثماني/ استقلال الجزائر/ الألفينيات.
وإنما الزمن السردي المهيمن هو زمن الذاكرة أو الاسترجاع الذي تتراتب في جوفه كل تلك الأزمنة بما فيها العشرية الدموية للتسعينيات، لأن الرواية ببساطة هي رواية مذكرات، وكل الشخصيات التي كانت تسرد فصولها بالتناوب (سرد متناوب مع اختلف الأزمنة) هي شخصيات استنطقتها البطلة ماجدة شيحاني، بعد أن جمعت شهاداتها من دفتر مذكرات والدها المتوفي، لتدمجها مع حاضرها، وتكتبها متناوبة في هذه الرواية كانت بكل فصولها مذكرة لرحلة عائلة ماجدة شيحاني من الأصول الأولى إلى نقطة الوصول الأخيرة وهي لحظة راهن السرد لهذه الرواية المذكرة. التي أنصفت فيها نساء الجزائر عبر سرد معاناتهن التاريخية، وإنصاف والدها الذي كان ضحية العشرية الدموية من طينة أولئك الضحايا الذين ماتوا عبثاً بين أقدام الطوائف المتناحرة دون أن ينتمي لأي طتائفة بل كان من الطبقة الزوالية الطيبة، هي إشارة ذكية من الكاتبة التي أنصفت من خلال شخصية مراد شيحاني والد ماجدة، وخلدت فئة من ضخايا عشرية العنف، تلك الفئة التي لا تعلم ماذا فعلت ولا تعلم بأي ذنب قتلت، لكنها كانت في مقدمة قوافل الضحايا دون جريمة.
وبهذه السيطرة الزمنية الاسترجاعية، يمكن بسهولة أن تدرس الرواية دراسة زمنية باعتبار هيمنة فضاءات هذه البنية وتنوع أشكال توظيفها في النص.
*- الثاني – الفضاء الروحي. أو العرفاني.
افتتحت الرواية بحكاية الزوجين الوليين الصالحين سيدي البودالي مول الساعة، وزوجته الفتية يمينة بنت حوطة، في الفصل الأول الذي كانت أبرز ملاحظة فيه كانت الاختفاء المفاجئ للزوج البودالي في غمرة دفاعه عن مدينته (جراح) ضد الطاغية الأعور عثمان باي. فكان لهذا الاختفاء الفجائي بعد ليلة زفافه ودخلته على يمينة، وقد خلف هذا الاختفاء محنا لا تنتهي لمن بقوا بعده وخاصة زوجته يمينة، في أحداث الرواية، كما سيخلف هذا الاختفاء على مستوى تلقي النص، صورة ستبقى منطبعة في ذهن القارئ، لتنطبع بعده في سير كل رجال الرواية (مثل اللعنة التي تتوارث من الآباء إلى الأجداد)، بداية من اختفاء أحمد فياض زوج دوجة، الذي اتهمته جبهة التحرير الوطني بالعمالة لما كان موالياً لبلونيس ومصالي الحاج، بعد الاستقلال. وقد كان هذا لهذا الاخفاء آثاراً مدمرة على زوجته دوجة. وانتهاءً بشخصية رجالية أخرى من شخصيات الرواية، وهي: مراد شيحاني والد البطلة ماجدة شيحاني زوج أمها سلمى، الذي ابتلعه سجن رقان بالصحراء الجزائرية، بعد اتهامه بالإرهاب زوراً، وفي اختفاء المأساوي للشخصيات الرجالية في الرواية، المخلف لآثار مدمرة على عائلاتهم، وخاصة الشخصيات النسوية، نوعاً من المطابقة الدرامية، باختفاء أولى الشخصيات الرجالية في الرواية (مولانا البودالي مول الساعة) الذي خلف دماراً شاملاً في حياة زوجته يمينة. وماكانت القصة الأولى إلا بداية عرفانية لمأساة إنسانية ستتوارث كلعنة، من الآباء إلى الأجداد، وكأن الأولياء الصالحين لا يتوارثون الكرامات والبركات والخوارق المنجية فقط بل يتوارثون أيضاً محن المصائر والنهايات المأساوية حسب المنظور الختامي لمصائر جميع الشخصيات الرجالية في الرواية الذي خلف مآسي نسائها بتكرارية لمسار عرفاني.
فكان الفصل الأول عبارة عن مدخل ذي بعد روحي بامتياز، غير أن بطلته الولية الصالحة يمينة بنت حوطة التي ورثت بطلات الرواية مأساتها، كضحية تاريخية للقهر. قد أورثت سليلاتها من نسوة الرواية حبل النجاة أيضاً، حينما وفت لزوجها الولي الصالح البودالي الشخصية الغائبة وظيفياً، ولكنها حاضرة وروحياً، لتنقذ بكراماتها الصوفية جميع ولاياها وولياتها، فأنقذت يمينة حينما لاذت بزاوية سيدي البودالي مول الساعة، رغم ارتكابها لجريمة قتل لمغتصبها وابن عمها خالد.
فكانت الزاوية ضريحاً ليمينة بنت حوطة منذ أواخر العهد العثماني، وهو الضريح الذي استجار به حفيدها مراد شيحاني (في مرحلة التسعينيات) الذي اتهم بالإرهاب وطاردته قوى الأمن ليستجير بقبر جدته الأولى يمينة بنت حوطة، وقبض عليه هناك في ضريح جدته، كأنما وسمته بميسم الضحية البريئة، وما كان للبطلة سوى جمع آثار سلالة الضحايا الأبرياء منذ يمينة إلى ماجدة شيحاني. والذين كانوا سلاسلة وفية للمصير الأول الذي جمعهم ووحدهم، تماماً كما جمعت لوحة دولاكروا نساء الجزائر. التي كانت اللوحة الخلفية المقابل للوحة العرفانية لسلالة الضحايا الأبرياء. وهما اللوحتان السرياليتان المتقابلتان في الرواية. الأولى روحية والثانية تشكيلية راحتا تتماهيان في كل فصل من فصول الرواية.
– ملاحظات:
– حاولت الكاتبة تقديم استراتيجية تناوبية بالنسبة لرواة السرد، لكن السرد المتناوب أثر كثيراً على الحبكة والخط الدرامي، مما جعل النص عبارة عن مجموعة قصصية، كل قصة ببطلها الراوي، ولا يوجد بين القصص أي اشتراك ما عدى الاشتراك في القرابة الأسرية، أي إن الرابط ليس بنية سردية بل بنية معنوية، نلمسها في شجرة المجتمع السردي، وهي سلسلة النساء الضحيات المنتشرات في الفصول الخمس للرواية وهذا ما يجعل النص يصنف بامتياز ضمن جنس المتوالية القصصية، The short story cycle وهو جنس ينتمي إلى التمفصل القصصي من حيث البناء والهيكل.
– ومع ذلك فإن شخصية ماجدة شيحاني كانت فازت ببطولة فصلين كبيرين في النص، يحملان العنوان نفسه (رمل ماجدة شيحاني). مما جعلها بطلة قصتين.
لكن العنوان الأكبر للون السردي هو سرد المذكرات (في بعده التاريخي) بكل وضوح.
– أما من حيث المواضيع: فقد تعددت في الرواية: لكن يمكن تبين ثلاث مواضيع كبرى: هي: 1- الموضوع العرفاني الماثل في التعالق الروحي والرمزي بين شخصيات الرواية واسلافهم الأولياء الصالحين (يمينة بنت حوطة—ماجدة شيحاني)
2- الموضوع الثاني هو: المرأة الضحية (وهي ثيمة نسوية بامتياز، تجعل من هذه النص ثالث الثلاثية التي تشمل: نورس باشا- الرايس وخط رمل).
3- الموضوع الثالث: هو حضور الفن التشكيلي كمرجعية فنية موازية لأحداث الرواية: تمثله لوحة نساء الجزائر لدولاكروا، التي تصور ثلاث نساء وخادمة وفي جملتهن هن أربع نساء، وهو العدد الموازي للنساء الضحيات في النص. وكانت إحداهن (سلمى) ضحية زلزال الأصنام بالشلف التي تشافت من صدمة فقدانها لعائلتها هناك بتقليد لوحة دولاكروا نساء الجزائر في غرفتهن، التي سترافقها وترافقنا طوال النص.
– إن ما يعزز صورة ثالث الثلاثية لهذا النص هو اشتغاله على البعد التاريخي العثماني (في الفصل الأول) وهي نفس الفترة التي اشتغلت عليها الروايتين السابقتين للكاتبة: [نورس باشا والرابس].
– مما يجعل الفضاء الزمني الحوادثي هو الوجه التاريخي الأبرز لهذه البنية السردية.
– لقد لعب التوازي السردي الذي اعتمدته الروائية: دوراً مزدوج التأثير على الرواية [توازي الأبطال الرواة (يمينة بن تحوطة/ ماجدة شيحاني في محنة الاغتصاب التي غيرت حياتهن وهن صبيات)- توازي البطلات الضحيات المنتشرات في فصول الرواية مع بطلات لوحة دولاكروا نساء الجزائر في غرفتهن]، فهو من جهة منحها تعددية في الرواة، وتعددية في الموضوعات، لكن حين كان لكل فصل بطل وراوٍ، تلاشى الخط السردي، والرابط الدرامي، من أبناء السردي للنص واستحال إلى رابط معنوي (الشراكة الأسرية بين البطلات الضحيات).مما جعل النص يفي للمتوالية القصصية أكثر من وفائه للسرد الروائي. من حيث التجنيس.
—————————————–
هادر قويدري: خط رمل، منشورات دار العين، ط1، 2025.
