رحيل الشاعر الجزائري الكبير محمد بلقاسم خمار (1931 – 2024)
يوسف أوغليسي
افتقدناه بحزن جمعي عميق، عن عمر بلغ ثلاثة وتسعين عاما، بعد حضور ثقافي طويل تجاوز الستين عاما…
كان خلالها بمنزلة والد لجل كتّاب ما بعد الاستقلال، وقد كنتُ شخصيا أحد أولئك الكثيرين الذين تفيّؤوا ظلال أبوته الثقافية، وأما خمار الشاعر فقد وصفتُه – في كتابي (في ظلال النصوص) – بأنه ” نخلة شعرية سامقة باسقة، تكتنز كثيرا من دلالات الأصالة وشموخ القيم الإنسانية النبيلة”…
أذكر أن المرحوم د. أبا القاسم سعد الله قد كلفني بكتابة مدخل عنه (بتكليف من صديقه د. حمدي السكوت) كي ينشر في طبعة جديدة من (قاموس الأدب الحديث)، فكان ذلك داعيا إلى إعادة قراءة جل أعماله الشعرية، والاطلاع على ما تيسر من تاريخه الأدبي والحياتي، ومما رسخ في ذاكرتي وأوراقي المتناثرة من تلك المعلومات (بفعل ذلك الحافز) هذه الشذرات :
– ولد في أفريل 1931 ببسكرة.
– أحرز الأهلية من معهد ابن باديس بقسنطينة (1951)،ثم واصل الدراسة في جامع الزيتونة بتونس، ودار المعلمين بحلب، وجامعة دمشق؛ حيث أحرز الليسانس في الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
– اشتغل صحفيا، ومستشارا فنيا، ومديرا للنشاط الثقافي، ثم مستشارا ثقافيا حتى تقاعده سنة 1987.
– انتخب أمينا عاما لاتحاد الكتاب الجزائريين خلال فترتين متباعدتين :(1976 — 1981) ،و (1992 — 1995).
– عاد إلى سوريا (1995 / 2000)؛تحت ضغط سنوات الجمر!
– نشر قصيدته الأولى (النداء) سنة 1953، كما نشر ديوانه الأول (أوراق) سنة 1967.
– يشكّل الوطنُ(بمختلف أبعاده) موضوعَه الشعري الأثير.
– كتب القصيدة الغنائية الوجدانية العذبة (كما في ديوانيه “ربيعي الجريح” و “مواويل للحب والحزن”)، وكتب المطولات الشعرية ذات الأنفاس الملحمية المديدة (كما في “ظلال وأصداء”)، وكذلك كتب المسرحية الشعرية والأوبيرات التي يهيمن فيها ما هو غنائي على ما هو درامي (كما في “الجزائر ملحمة البطولة والحب”)، وكتب التوقيعات الشعرية الوامضة (كما في” زفرات خمار “التي كان ينشرها في جريدة “الشروق اليومي”).
أما على صعيد الشكل الشعري فقد زاوج بين المعمارين العمودي والحر؛ بل هو رابع أربعة شعراء جزائريين (فضلا عن الراحلين : سعد الله والغوالمي والسائحي الصغير) يتنازعون الريادة التاريخية للقصيدة الحرة (لأن قصيدته” الموتورة” تحمل تاريخا متقدما 1954! وإن كنتُ – شخصيا – أميل إلى ريادة سعد الله؛ وأرجح أن خمارا قد سها في التأريخ لقصيدته بذلك التاريخ الخاطئ!).
و الطريف أن المرحوم كان يكتب باقتدار إيقاعي كبير؛ برغم أنه لم يكن يميز بحرا من بحر (كما اعترف بذلك في حوار قديم له 1992 مع صديقنا محمد الصالح خرفي Kherfi Med Salah )! لكنني أشهد بأنه كان يدرك الكسور العروضية في قراءات الشعراء بحساسية موسيقية مرهفة!
– نشر أكثر من عشرة دواوين شعرية، وقد أصدرت وزارة المجاهدين أعماله الشعرية الكاملة في مجلدين اثنين.
– أتذكر أنني تعرفت إلى شخصه الكريم – أول مرة – في مهرجان محمد العيد الشعري ببسكرة عام 1994، وقد حاورته حينها حوارا قصيرا لصالح أسبوعية (الحياة)، كما أهداني بعض دواوينه مشفوعة بإهداءات دافئة تعكس حسه الإنساني الكبير ونبله وصفاء سريرته…
كما لا أنسى فرحته الطفولية العارمة بما كتبتُ عنه في مجلة (عمّان) الأردنية الراحلة! (عدد 84 — 2002).
– أتذكر كذلك أنني قرأت في أرشيف جريدة “الشعب “(1965) قصيدة طريفة كتبها – بمناسبة زواجه – صديقُ عمره المرحوم عمر البرناوي؛ وحين حدّثتُ البرناوي عنها اندهش مبتسما و قال لي؛ ليتك تدلني عليها فقد نسيتها تماما (ثم أضاف كلاما عجيبا آخر لا أستطيع نشره!!!)…
– أتذكر أيضا أن الناقد الكبير المرحوم د. محمد مصايف قد كتب عن إحدى قصائد خمار مقالة في كتابه (فصول في النقد الجزائري الحديث) 1974؛ أغضبت الشاعر الناقد عمر ازراج (الذي كان لا يزال في مهد النقد صبيا!)، فانبرى مدافعا عن خمار وعموم الشعر الحديث بمقال عنيف عنوانه (نقاد من نوع جديد)! وبرغم فارق السن والتجربة الأدبية بينهما (مصايف أكبر من أزراج بست وعشرين سنة كاملة!)؛ فإن أزراج راح يغلظ القول لخصمه الذي يكتب النقد وما هو بناقد (كما قال!)، بل راح يدعوه إلى الكف عن نقد الشعر كي لا يضرب الريح بعصاه فيصيب أمثال خمار! (كتابه؛ الحضور، ط 2، 1983، ص 111). وبعد سنوات طويلة التقيت الصديق أزراج عمر و حدثتُه عن تلك المعركة النقدية غير المتكافئة (التي دخلها دفاعا عن خمار)، فابتسم وقال لي :
حين رآني مصايف بُعيد المعركة لم يصدق أبدا أنني هو ذاك؛ فقد كان يحسبني من أترابه!…
رحم الله مصايف..
ورحم شاعرنا الكبير (محمد بلقاسم خمار) وأسكنه الفردوس و ألهم أهله جميل الصبر والسلوان!
إنا لله وإنا إليه راجعون
