سرديات ماسكولا بين الأصالة والتغريب، قراءة في روايتَيْ “لعنة روكانوس” لڨاسمي وسام شريفة..

سرديات ماسكولا بين الأصالة والتغريب، قراءة في روايتَيْ “لعنة روكانوس” لڨاسمي وسام شريفة..
3
(2)
(  )
القسم الأول: ( قراءة في أدب وسام )
“لعنة روكانوس”؛ عنوان واحد لروايتين مختلفتين، ولأديبة واحدة بـ اسمين مختلفين!!
ولا غرابة في ذلك= ذلك أن وسام شريفة هذه الأديبة الأوراسية الشابة التي تحمل اسم وسام، كما تحمل اسم شريفة؛ كانت قد أصدرت روايتها الأولى (لعنة روكانوس) مطلع السنة الكوفيدية الثقيلة (2020) في حجم سردي قصصي قصير لا يتجاوز طوله 50 صفحة مما تقرؤون!
ثم أتبعتها برواية ثانية بنفس العنوان (لعنة روكانوس)، وبأنفاس روائية طويلة جدًا؛ 200 صفحة -بلا انقطاع- هذه الجملة الإعتراضية التي اعترضت انتباهي وأنا أقرأ الرواية؛ فلا أجدها مقسَّمة إلى فصول عديدة، كما جرت العادة!
وهل كان الإبداع إلا مجرد اتباع؛ لقد كانت الأديبة تبتكر طريقتها المثلى في عالم الكتابة، ولم تتبع سنن الأولين، إذ جعلت روايتها على نَفَسٍ واحدٍ، كشربة ماء، وقد كان جدها الشاعر الأكبر، الفرزدق الأموي، يستهون قلعَ ضرسٍ على نظمِ بيتٍ من الشِّعر، ولربما كانت أديبتنا (وسام) تستهون كتابة رواية كاملة على قلع ضرسة مسوسة!
ولئن كتبت وسام روايتين اثنتين بنفس العنوان، فذلك ليس بِدْعًا في الإبداع؛ فقد كان جدها الأوسط، واسيني الأعرج، عندما كتب في الزمن الغابر روايته القصيرة (خرائط الأجساد المحروقة)، ثم فكَّر وقدَّر أن يعيد كتابتها بأنفاس روائية طويلة، فكانت (جسد الحرائق)، وكذلك فعلت وسام..
وإذا ما أنعمنا النظر في روايتيها معًا، بنظرة شمولية؛ فإنهما تتسمان بميسم (النسق المكوكي)؛ حيث يمكننا تشبيه الرواية الأولى القصيرة ثم الرواية الثانية الطويلة، بالمركبة الفضائية التي تعتمد بالأساس على الدفع الصاروخي (وهذا بمثابة الرواية الأولى)، ثم تعتمد المركبة الفضائية على محركاتها الخاصة عند الإبتعاد عن الجاذبية الأرضية لاستكمال رحلتها الطويلة نحو الفضاء الخارجي (وهذا بمثابة الرواية الثانية)!
وجاءت هذه الرواية الثانية، بلا عتبات فصولية، لا.. ولا فواصل تفصيلية، فمن النادر أن نجد هذه الأنفاس الروائية الطويلة في عصر السرعة والتكثيف والإختصار، حيث هيمنة اللوحات الشعرية والملصقات القصصية!!
فإن كانت هذه ميزة الرواية، ولا شك، فإنَّ لها مرجعياتها في القصيدة العربية الجاهلية، تلك القلعة الأسطورية التي تعلو فوق مائة بيتٍ شعري، وليس لها عنوان! كما لم يكن للعربي أي عنوان يسكنه، فحياته (حاء.. و.. لام) بين حِلٍّ وترحال!
لقد أخذت وسام طريقتها في السرد عجبا؛ إنَّها وإن لم تُقسم روايتها إلى فصول، فإنَّها استطاعت أن تجعل القارئ يرتشف قهوة، ويدخن سيجارة، وهو يقرأ روايتها في عجبٍ!
ولا عجب.. إذا كانت البنية الروائية تقوم على لعبة سردية بديعة، حيث الفضاء العام داخل مقهى؛ أين تجلس الفتاة العشرينية (دارين) لتستحضر روح (جيرالد) وتحاوره فيحاورها، وتسأله فيجيبها، فكانت قصة هذه الرواية!
تقول دارين: “روحي تناجيني وتسألني: فعلا في أي بحر غرقت يا جيرالد؟ لا أنت ميت، ولا أنت حي”..
وهكذا فإن (دارين) ترتشف قهوتها، وتروي حكايتها، وكذلك (جيرالد) يدخن سيجارته، ويسرد قصته.. والقارئ بينهما؛ يستمع لهذه، ويبصر ذاك، فيرتشف مع دارين قهوتها، ويدخن مع جيرالد سيجارته، وتستمر الأحداث..
وعوض أن ينتهي الفصل القديم، ويبتدئ الفصل الجديد، بالترقيم الكلاسيكي للفصول؛ فإن الأديبة وسام تقطع الحكي برشفة قهوة دارينية، وتواصله بنفث دخان من سيجارة جيرالدية! كما هو الحال في هذا المقطع السردي:
“مع الرشفة السادسة تحوَّل هو الآخر إلى فنجان قهوة سوداء شديدة المرارة، هنا بالتحديد سيشق طريقه إلى المنحدر يسقط ويسقط بدون أمل أن يصل إلى القاع حيث الهاوية ولا الصعود من جديد، نفث ما تبقى من دخان سيجارته، وداس عليها بكعب حذائه، رفع رأسه ببطء لتقابله نظرات صاحب المقهى الممتعضة…”
وتحتفي الأديبة (وسام) في إصداراتها الإبداعية عامة؛بحضارات العالم القديم: كجزيرة أطلنتس المفقودة، وحدائق بابل المعلقة، وأهرامات الفراعنة.. وبشخصيات أسطورية مقاتلة: كأخيل، وهرقل، وبالملوك الطغاة أمثال النمرود والفرعون، ومن بعدهم أكاسرة الفرس، وقياصرة الروم..
كل ذلك في قوالب قصصية سردية، روحها الخيال العلمي، وجسدها التشويق والمغامرة، وبلغة شفيفة ساحرة..
وتأتي رواية (لعنة روكانوس) للبحث في أسرار جزيرة أطلنتس، القارة المفقودة في عرض المحيط، وهي جزيرة أسطورية لم يثبت علماء الأنثروبولوجيا والآركيولوجيا والجيولوجيا وجودها الحقيقي بدليل قاطع حتى الآن!
حتى إن (أفلاطون) لم يجزم بوجودها فعليًا، لمَّا ذكرها في محاورة فلسفية أولى، فثانية!
إلى هنا نكون قد قرأنا وسام، حتى لا نظلمها، وننتقل إلى قراءة شريفة، حتى لا نظلم أنفسنا!!
القسم الثاني: ( قراءة في أدب شريفة )
لقد وجدتُ وسام في رواية (لعنة روكانوس)، ولكنني لم أجد شريفة، هذه الأديبة التي امتلكت بذور الرواية، ولكنها لم تغرسها في تربة خصبة!
لمَّا كانت عوالم الرواية غربية، تحكي قصة الإله روكانوس، ككيان أسطوري، كانت الشخصيات أسطورية مقاتلة؛ فكانت (وسام) وسامًا على صدر المحارب، كما يعني اسمها في اللغة!
وكانت أسماء الشخصيات غربية؛ أمثال: دارين، جيرالد، لوسيفر، داركس، هاندريك، وديفي جونز… وغيرهم..
إنَّ القارئ الذي يعرف كل شيء عن الأدب الروسي، مثلاً، قد يشعر بالذنب لأنه لا يعرف شيئًا عن الأدب الياباني والصيني والكوري والهندي، فعندما يقتني روايات آسياوية؛ فلأنه يريد أن يعرف خصوصيات عوالم آسيا؛ بيوتها وشوارعها ومؤسساتها، ليرى عبر سطورها كيف يعيش إنسانها، وكيف يطمح ويفكر، وكيف يحب ويصلي، وكيف يكتب ويرفض! وكذلك المثقف الآسيوي عندما يقتني رواية جزائرية؛ فلأنه يمثل ثقافة ناظرة تتطلع إلى اكتشاف ثقافة منظورة، سيصاب بخيبة أمل إذا ما وجد الرواية صورة مشوَّهة عن الغيرية!
ولمَّا كانت هذه الرواية الأوراسية شامخة في مبناها، سامقة في لغتها، راقية في أساليبها، أحسستُ بميلاد روائية خنشلية سترافق إخوتها الكبار؛ كمال بركاني.. وجلال حيدر، وشعرتُ لوهلة بما يشعر به العربي عند ميلاد شاعر، فبحثت عن شريفة التي علَّمتها جدتها تمليس الأواني الطينية، شريفة التي علَّمتها أمها نسج الزرابي الصوفية، شريفة التي ترافق والدها إلى سفح الجبل ترعى الأغنام، شريفة التي تركض في المروج الخضراء وراء الخرفان!
بحثتُ عن شريفة التي تستلهم من روح الكاهنة قبسا، لا من روح روكانوس لعنة أسفا.. شريفة التي تحدثنا عن قصور باغاي، وغابات عين ميمون، وأعالي شيليا.. شريفة التي تسكن كوخًا قصصيًا في جبال بني عمران عند أقاصي مدينة جلَّال، موطن جدها الأول، لا وسام التي صنعت لنفسها قلعة أدبية أسطورية في آثينا بأرض اليونان!
أخيرًا..
لقد كتب محمد ديب، وكاتب ياسين، ومالك حداد عن الهوية الجزائرية، دون أن يكونوا أدباءَ فرنسيس، كتبت أحلام مستغانمي عن ثورة الجزائر دون أن تكون شاعرة لبنانية، كتبت زليخا السعودي عن فتيحة وفتحية، وعن حويشة لالة عويشة ومقام سيدي محمد الطاهر، دون أن تخطف أبصارها أضواء الحداثة البرَّاقة، كتب الشاذلي كليل عن كل أصيلة وأصيل، لا لشيء؛ سوى لأنه يتنفس هواء ماسكولا.. كتب أحميدة العياشي عن جلال حيدر مبشرًا بميلاد مولود فرعون جديد، لإعتزازهما بمقومات الهوية البربرية، كتب كمال بركاني في (ظل الوشم) عن “تاريخ الوجع في وجوهنا”! (ص: 48)، ولقد أشرعت الإعلامية ربيعة دريدي أبواب المقهى الثقافي (ثافوكث) فانتشرت أشعة الشمس دون أن تحجبها ظلال اللغات… فهل ستكتب (وسام الجميلة) عن (شريفة الأصيلة) في أعمالها الروائية القادمة؟!

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 3 / 5. عداد التقييمات: 2

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *