عوالم وخفايا النفس البشرية في رواية” وصية المعتوه” لإسماعيل يبرير

عوالم وخفايا النفس البشرية في رواية” وصية المعتوه” لإسماعيل يبرير
0
(0)

 

محمد بوحبيب

بطلنا شاب في العشرينات من العمر. تخلى عن الدراسة، والتحق بعالم الشغل. هو ناشط في مخبزة، في “وردية”. جاءه الخبر بوفاة جده من أبيه، فغادر عكس رغبة صاحب الشغل. كان دفن الجد المتوفى، مشكلة أمام الحفيد و أبيه؛ إذ وقع خلاف بين المشيعين، في تحديد مكان القبر، الذي حفره الجد لنفسه، قبل عشرين عاما، وأوصى به لنفسه… فلم يجدوا له أثرا بين القبور، ما أرغم ” الماحي” الإمام، على طلب حفر قبر جديدد…

لم يستطع الأهل تنفيذ الوصية، ودفن المتوفى ـ كما أمر الإمام ـ لقد دام البحث عن المكان الذي اختاره الجد لنفسه؛ ودفن ثلاثة موتى، جيء بهم بعده، بينما تطلب مكوث مشيعيه، إلى وقت صلاة العشاء… وهو الأمر الذي دفع بالبطل ليتساءل: كيف لجدي الذي رعى موتى النصارى في قبورهم، ألا يتمكن من حجز قبر له في مكان محدد!.

استلقى البطل الراوي ـ بعد عودته ـ في غرفة أخيه، فشد انتباهه ثلاثة رسوم، أنجزها أخوها على جدران الغرفة. رسوم تمثل أغازا له؛ ما دفعه ليتساءل عن أخيه لدى أمه، فأخبرته، أنه يقضي معظم أوقاته وحيدا، مع قلم الرصاص، وورق التغليف، الذي يستعمله الجزار… فقرر بدوره، أن يطلع على إنجازات أخيه ـ وقد تصور أنه ينجز لوحات تشكيلية، ففتش وفتش، إلى أن عثر تحت السرير، على رزمة ورق، وتفاجأ أن أخاه، لم يكن يرسم، بل كان يكتب كتابا ـ وصية، استهل موضوع: ( هذا كتابي، وقد ضمنته ما رأيت، وما سترون. أنا رجل من حي ديار الشمس، أملك قبرا في الجبانة الخضراء، يفترض فيه أن يكون لجدي… ولا تدعوني بعد هذا الكتاب، معتوها أو درويشا، أو مجذوبا… ادعوني فقط باسمي. وسأرضى، أم يكن لي اسم؟..).ص18.

وعلى هذا، يواصل البطل الراوي سرد الوصية، بلسان أخيه ـ إدريس نعيم ـ

وتحت عنوان جانبي :

ـ لماذا نقتل ـ؟ يتشظى الأخ شخصين، هو نفسه، و شخص آخر قدمه على أنه الرائي… ثم يحول الحكي، إلى الرائي ـ نفسه ـ وبعدما رفض أن يشبه بعضا من معارفه، يخاطب أناسا ـ مستمعين مفترضين: دعوني أكن أنا ـ إدريس نعيم ـ وينتقل ليتحدث عن جده، المحب المغامرة، الجاهل أبجديات السباحة. يحدث أنه بينما كان يمشي على ضفة وادي ملاح، الذي يدور حوله قصص “خرافية”، فهو يحمل روائح تزكم الأنوف، ولكنه مرةن في كل سنة، يزهق أرواح أطفال ومشردين، ولا يذكر إدريس أن هذا الوادي، قد ذهب بواحد من الأعيان… إذن كان جده يسير، ليرى يقطينة حزينة، تقاوم التيار، فيرتمي وراءها، تظهر اليقطينة ولا يظهر هو، ليلتقطه الناس على الضفة الأخرى، بعدما نقل الخبر إلى الجدة بموته.

يلتزم الصمت إزاء الرائي، الذي يقدمه على أنه من سكان حي ديار الشمس، الواقع بين ثلاث مقابر ـ فيتساءل: هل هذا هو حوار الأديان الذي يتحدث عنه الناس؟ ـ ثم يقر أنه لا يستطع أن يقاطع الرائي في حديثه، فمهمته الاستماع، ودور ذاك هو الرؤيا. ” هو الرائي وأنا الرؤيا”.ص22.

بعد التوافق بينه وبين الرائي، يتطرق لحلم ـ كابوس، يرى فيه كل ممكن، لا ممكنا. هو على كل حلم.” الحلم تصور خاطئ.”. كان يعيش صفاء، لا يميز فيه، أيسمع أم لا، مناديا يناديه: إدريس!. إدريس!. هذا الاسم الذي أطلقته عليه جدته، رجاء أن يحقق مرتبة أحد الأولياء في المنطقة، لكنه اكتفى أن يكون من العامة.

اسم استغنى عنه، لما التقى صاحب سيارة أجرة، ينفس الاسم، فأراد ألا يشبه احدا؛ فاتخذ لنفسه اسم ” السعدي”…

وبقي التشظي قائما، وصار الآن، يجري الحوار، بين إدريس والسعدي، وتفادى هذا السائق ” الفضولي”، الذي أنكر عليه هذا الاسم ” السعدي”، لأنه في نظره، لم يعد صالحا. وهنا تذكر أمر أساتذته، الذين يلحون على التشابه، بينه وبين صديقه وزميله ” صبري”، وجعله ذلك يتمنى لو يترك المدرسة، بينما شعر صبري باعتزاز.

تلبس إدريس بشخصية ” السعدي”، وصار لا يفرق بين نفسه، وبين صديق صباه هذا… كان يعيش معه، برفقة فطيمة ابنة الحاج بورقيبة، والخالة ” التاقية”، وهنا يحكي مغامرات الطفولة: يتغدون هنا، أو هناك؛ ويجوبون شوارع الحي، وكانت الخالة، وأمه تشكوان شظف العيش، وذكر أن إحدى الأمهات، تحتفي به وبصديقه، لكونهما ذكرين، بينما تنظر للبنات نظرة ” تحقير” وتأفف…

يبدو أن ” السعدي”، ملك عليه كل أفكاره، فقد رأى في ” كابوسه ـ حلمه”، أنه قتله، فهل هو اللا وعي، أم إن السعدي، قد جاء بحركة دفعت صاحبه لتخزين نوع من الحقد نحوه…

يستعرض إدريس مغامرة صديقه، في السفر إلى ليبيا ـ سعيا وراء تحسين ظروفه ـ مثل بعض الشبان، الذين صنعوا بذلك نوعا من التفرد والاغتناء؛ وعلى العكس من ذلك، رجع السعدي ” بخفي حنين”، عاد فقيرا، كما هاجر، وهنا تطاولت الألسن بشأنه، فمن قائل، إنه انخرط في صفوف الإرهاب، وجمع مالا وفيرا، سوف يستثمره، ومن قائل، إنه ارتبط بامرأة ليبية، صنعت له وضعا اجتماعيا مميزا.

أظهر رفضه لذاك الصديق ـ الشبه المفروض عليه ـ لأنه تحول لصا محترفا، ما يعني تفرق السبل، وتضارب الأهواء بين الأصدقاء. وهم صنيع الظروف الاجتماعية، وأحوال الحياة…

ويبدو أن إدريس، يكن عداء خاصا، لأبي فطيمة ـ الحاج بورقيبة ـ ( الحاج بورقيبة الذي لا يطيق وجودنا، و لا لعبنا، أو تجولنا مع ابنته). ص37. ولقد عبر عن هذا التنافر بين الطرفين :(… نحن الحركات الثلاث، وهو السكون.). ص37.

يدفع الروائي بطله إلى التعمق في السرد ـ أو ربما ـ الإسرار إلى مستمع مفترض، عكس ما صرح إدريس بأن الرائي هو الذي ” يرى ـ يحكي”، وعليه هو الاستماع وحسب… يسرد الكثير من تفاصيل الحياة الاجتماعية، وضمنها الجانب العاطفي… يعترف أن فطيمة، صديقة مشتركة بينه وبين صديقه السعدي، ولكن حربا غير معلنة، كانت قائمة بينهما حول من يستأثر بها، ويزيح الآخر.

فطيمة هي البنت السابعة ـ خمس بنات وطفلان ذكران ـ كان البنات مرغوبا فيهن من جميع الحي، وقد تزوجن كلهن. وفطيمة تنتظر.

وقبل هذا تناول بالسرد علاقة الناس ـ الرجال، فيما بينهم؛ كان ذلك لما دخل إدريس، محل الحلاق ـ العيد، الرجل الطيب، ذي السمعة الحسنة بين معارفه… دخل بشعره الصوفي الطويل ـ أهمله لمدة تسعة شهور كاملة ـ وحدث أن أحد الزبائن، حاول أن يستفزه، بسبب مظهره ذاك، فتصدى له الحلاق، وطرده من المحل، محاولا تطييب خاطر إدريس:” اللحية، أم شعر الرأس؟”، فعل ذلك حفاظا على سمعة المحل، ومكانة صاحبه.

وفي محل العيد الحلاق، جلس إدريس، يسترجع حكايات وألغازا عن الجنس والولادة، ورفض أمه الحديث معه عن الموضوع، ولما لدغته آلة الحلاقة، أفاق على حديث الزبائن، عن عيد الكبش الذي تحتفي به مدينة “الجلفة”، والذي يصادف عودة ” السعدي” من ليبيا…

***. في هذا المقتطف يطلع القارئ، على صورة ناطقة، عن حياة المجتمع، من: عادات وتقاليد، وعلاقات بين الأفراد، نقلها الكاتب بلسان الراوي الرائي ـ كما يقول إدريس ـ منها نظرة الناس، إلى المولود الأنثى، والمولود الذكر، يتجلى ذلك في شخص الحاج بورقيبة، وأم إحدى البنات… الاحتفاء بثروة الغنم ـ عيد الكبش ـ الحب الطفولي، بين إدريس وفطيمة ـ طبعا باستعمال المنافس ـ السعدي ـ و دوره في تأجيج علاقة إدريس بالبنت فطيمة. بالإضافة إلى نظرة الاستخفاف، التي صورها ذاك الزبون في حق لإدريس، ونظرة إدريس نفسه، تجاه بنات العيد الحلاق، دون اعتبار من أي منهم للوضعية الاجتماعية.

يقول الراوي ـ الرائي: إن ” الجلفة” لها قصة مع الكبش، ولحسن احتفائها به، أقامت له تمثالا، أزيل في الأيام الأخيرة، ثم يحكي قصة الكبش ذي القرن الوحيد ـ كبش والده ـ وكيف أنه فقد أحد قرنيه ” بخطإ منه”، في حادث آلمه كثيرا؛ و يربط ذلك بزواج فطيمة، إذ اختطفها منهما ” كبش” أشبه بذي القرن الوحيد. وبكثير من التأثر، يسترجع كيف أن أمها الخالة ” عيشوش”، كانت تحاول أن تخفي معالم أنوثتها عن الأعين، وعن أبيها، حتى لا “يبيعها”، مثلما فعل بأخواتها. ويذكر كيف أن فطيمة، أرغمت على ترك مقعد الدراسة، مع انها كانت متفوقة في الدراسة، وكان لها عليه فضل في تحسين نتائج دراسته.

***. من غرائبية البطل: يحكي له الرائي، أن علاقته بالحاج بورقيبة، غير حسنة، بسبب أن هذا الأخير، كان يضيق عليه وعلى صديقه في اللعب بالحي، و التواصل مع البنت فطيمة، زيادة على ذلك نظرته، إلى بناته عار عليه ـ لجأ إلى إخفائهن ـ علاقته الغريبة كذلك بالمشعوذ ” سي سليمان” ، أو مالك الحزين ـ كما يلقب ـ هذا الرجل الصموت، المدعي أن له علما بعوالم الجن ـ يمارس الشعوذة: أضر بالكثير من النساء… ثم معلم الكتاب ” سي المصفى”، وكذا إمام الحي ” الماحي”. كل هذا يضاف إلى علاقته مع عامة الناس في حي ” ديار الشمس”، الذين يبدو أنه يختلف عنهم، في النظر إلى الأمور؛ فيحاول أن يقدم لهم نظرته إليها، ما يجعلهم يقولون عنه: معتوه مرة، ومجنون مرة. ولكن الرائي ـ الراوي، يخبره، أنه شخص متعدد الأبعاد: له حياته الخاصة به. وله حياة أخرى، خص بها أهله، وحياة ثالثة لصديقيه: السعدي وفطيمة…

يبدو أن إدريس يعاني حقا، حالة نفسية، تجاه كل ما يحيط به، ولذلك يراه الناس معتوها،، أو مجنونا، فقد تصور لما كان نائما، مع صديقه السعدي في غرفة، في غرفة هذا الأخير، أن معركة طاحنة ـ في المطاردة ـ وقعت بين السعدي وأمه ـ التاقية وأبه ـ من جهة ـ وبين صبي مشاغب ـ من جهة ـ فلم يتمكنوا من ترويضه، والإمساك به…

كان ذلك نتاج حلم رآه، ما جعله يستغرب انهزام الأسرة، أمام صبي، ظل رابضا في جهة، يتحدى. و في الصباح، لم ير أثرا لذلك على وجوه السعدي وأمه وأبيه… هي عوالم يصنعها بنفسه ـ نظرا لتعلقه بالمشعوذ سي سليمان ـ أبي السعدي، أو مالك الحزين… لا وعيه يصنع له ذلك، بسبب ما يسمع، تارة من سي سليمان نفسه. وتارة من زوجته التاقية، التي تصدق ما يدعي.

***. لقد قدم إدريس توضيحات عن الشخوص، الذين يعايشهم: عن سي سليمان ـ أبي السعدي ـ عن بورقيبة ـ أبي فطيمة ـ المجاهد المزيف، وكيف استطاع أن يخدع الناس، ويكذب عليهم، بأنه حج بيت الله الحرام ـ فهو حاج إذن. وقدم هدايا على عادة الحجاج ـ أهدى ﭬـندورة لأبي إدريس ـ وكان من المستفيدين من الوضع، بالتقرب من السلطة. كما دفع ابنه ليحذو حذوه.

الحاج بورقيبة يسجن لبعض الساعات، بسبب خلاف بينه وبين ضابط شرطة ـ ظن أنه لا يفعل سوى ما يمليه عليه القانون، ويضطر في النهاية، لأن ينسحب، ويركب قارب ” حرﭬـة” فرارا بجلده. وخلال سجن بورقيبة، تجرأت فطيمة على صالح بطاطا زوجها ” كبشها”؛ إنها لم تجد فيه ما يشخص رجولة. ولكن عودة أبيها كان عليها شؤما؛ إذ ضيق عليها، وصدت عصيانها، إلى درجة التبرج.

يحدث الراوي ـ الرائي إدريس، عن سكان الحي ـ ديار الشمس ـ فيخبره أن الحياة فيه، لا تسمح لأحد بالتعالي على غيره؛ ومن يتقهقر منهم، وينذل، يقهر إلى أن ينتفض. ويشرح كيف جاء بورقيبة إليه، وكيف قدم السعدي وأبوه ” سي سليمان” بدورهما.

يتذكر أيام المدرسة، وذهابه إليها مع فطيمة والسعدي، وكيف كان يرتعب من حفر الطريق؛ فتناديه صديقته: هيا! قبل أن يغلق الباب… يسترجع تلك الوقفة مع فطيمة: سأصير أما، وسأطلق اسمك على ولدي. وخاب ظنها، لما تزوجت صالح بطاطا. لم تنجب.

يحدثه الرائي أن فطيمة الحالية، ليست فطيمة التي ألفها. لما كان مع السعدي يحرضانها، على أن تلعب دور فتى، تشاجر فتيانا، تطالوا عليها، ونصحها السعدي أن ترمي بركبتها بين فخذي الفتى المتشاجر معها.

قال الرائي: إن السعدي أخبرك، أن فطيمة لجأت إليه مدة أسبوع. حاول أن يتجرأ عليها مرة؛ فشعر بنوع من الحقد على صديقه، يختلف عن حقد الأطفال؛ ولم يدر كيف وجد فطيمة، تحوطه بذراعيها، فلم تتركه إلا لما أحس أن أضلاعه تحطمت. ولما انصرفت، وكأنها تحاول أن تلغي المشهد؛ شعر بنوع من الميل نحوها.

***. في هذه المرة، يسرد إدريس حكايته مع شجرة ” النبق”، ويعترف أن لها تأثيرا على تفكيره واعتقاده. وقد ورد ذلك في متن النص، تحت عنوان ” شجرة النبق المباركة”. يقر أنه تعود على جمع حبوب هذه الشجرة، وتناولها، وأن له قصة مع الشيخ “المصفى”، لما كان بصدد بيع هذه الحبوب، صادف أن مر أمامه الشيخ، فركل ما عرضه، وتمتم في وجهه؛ وحدث أن أصابه مكروه : تغيرت سحنته ووجهه ـ أصابه برص ـ وترسخ لديه أن هذه الحبوب لها قوة تأثير و بركة. لقد ازداد تعلقه بالنبق ـ لما أحس أن أمه تحاول أن تمنعه عنه ـ وصار يملأ جيوبه إلى المدرسة، ويضع كمية بمحفظته؛ فتفطن له المعلم مرة، يتناول حبوبه خفية، فعاقبه بشدة؛ فراح ينتظر أن يحدث للمعلم، ما حدث للشيخ المصفى، ولكن. لم يحدث شيء؛ فاعتقد أن المعلم يحوز شجرة أقوى من شجرته ” النبق”.

ثم اعتقد أنه خلق عالما، خاصا من عشاق “النبق” بين معارفه؛ يمنون تناول حبوبه، ودفعه ذلك إلى التفرد؛ فأخذ حبة واحدة، و دفنها في مقبرة النصارى، ربما معتقدا أن يجعل عالم الأموات عشاقا “للنبق”، وخاب سعيه. لم يظهر لحبته أثر.

و في هذه المرحلة من طفولته، تعلم تعاطي السيجارة، مع صديقه السعدي، الذي كان يسرق من علبة ” الأفراز” التي يشتريها أبوه سي سليمان ـ مالك الحزين ـ بينما فطيمة، كانت تكتفي بحضور جلسات التدخين. ويبدو أن إدريس: ومن خلال اعترافه فد اقترف ما أثر في نفسه. قتل صديقه السعدي؛ لما طلبه للحضور إلى البيت، فوجده في وضع لم يعجبه مع فطيمة. وجد نفسه يعاني حالة نفسية، فدعته عمته كلثوم، للإقامة عندها في حيها… وهنا حول السرد، وصفا لحياة عمته، ومعاناته مع قطها الهرم… يظهر أن عمته قد استقلت، فبعد ترملها، صارت متفردة في أسلوب حياتها، ونمط لباسهاـ كانت مثلا تخفي عينا بلحافها، وتكتف بأخرى لترى بها ما حولها. ما جعل إدريس يفكر أن عمته لا ترى سوى نصف العالم.

وها هو الآن يرى نفسه، خارج بيت عمته. رمت به إلى الشارع، وأنه يسلم أمره للشرطة؛ يعترف بالجرم الذي اقترفه في حق صديقه، وتصور أن صحيفة ستكتب: ( بسبب فتاة أحباها معا… شاب يجهز على رفيقه بطعنة قاتلة.). ص23.

تصور ما سيحدث ما سيحدث لأهله: أمه وأبيه وأخيه، كل منهم سينال حقه من الألم؛ سوى عمته، التي لن تتأثر… هي مثل جده.

وبعد هذا، لجأ إلى مقبرة اليهود، التي له معها حكاية وقع بها، حتى فاجأه نهار غد… ومع ذلك لم يتمكن من مغادرة المكان؛ يعاني انتفاخ مثانته، وحركة المرور تمنعه من الحركة…

***.. تحت عنوان: دع عنك لومي، يواصل إدريس، سرد وصيته ـ حكايته، وكيف قرر أن يغادر بيت خالته، ويلجأ إلى مقبرة اليهود. المكان الذي وجد فيه شيئا من فسحة ـ مقبرة المسلمين، يراها ضيقة، نظرا للضيوف الذين يتزايدون عليها كل مرة. يسترجع كيف وقع في اقتراف الجرم، وقتل صديقه السعدي ـ لما وجده مع فاطمة ” الصديقة” المشتركة، في وضع لم يرق له. ويرى بذلك أن السعدي مات، وذهب هو، وبقيت فطيمة. وبحديثه عن السعدي، حاول أن يقلده في فك شفرات ما كتب على قبور اليهود، السعدي كان له قدرة، أن يبتكر قصصا لما كتب، أما فهو، فقد عجز في بداية المحاولة…

ثم عاد إلى الوصية التي لم يتمكن، من إنهائها، ولم يتحدد له من سيوجهها له، فاكتفى أن يوجهها للجميع ” يجعلها مفتوحة”، بعدما حاول أن يجد الشخص الأنسب، هلى أحبوه دائما، أم لمن أحبوه وكرهوه، أم لمن كرهوه، ثم احبوه. وهنا تذكر وصية جده ـ لما حفر لنفسه قبرا، فأوصاه، أن يتذكر مكانه، ويوجه الناس له، ولكنه هو كذلك نسي المكان، ولم يتعرف إليه ـ مثلما مر عند دفنه ـ تأنيب الضمير، استولى عليه، فلم يعد يفكر في شيء، سوى في ” السعدي”… يخاطبه الرائي: (… كتابة وصية، تبدو أكثر من غريبة… لو أنك قررت أن تقول حكايتك، لكان الأمر مفهوما…). ص98. ولذلك رأى أن يحول وصيته ” حكاية”، لأن الوصية من شأن الكبار. في هذا المستوى، يعرف القارئ، سبب تلبس إدريس باسم صديقه السعدي، بداية الحبكة، فكأنما يريد أن يعيش السعدي، ويندثر هو ـ تكفيرا عن الذنب والجرم الذي اقترفه في حق الصديق والصداقة ـ

***. لقد انحدر إدريس إلى مستوى نفسي؛ تحولت معه الحكاية ـ الوصية، نوعا من التداعيات، تؤرقه، وتزيد من تهويماته. نزل إلى حيه ليرى، ليجد الكثير من التغير… دخل بيت أبيه، إلى غرفته، يبحث عن نفسه في المرآة، هذه القطعة الزجاجية، التي له معها الكثير من الحكايات. لم يجد نفسه فيها.

***. لماذا يصارع إدريس، ملامح وجهه في المرآة.!..

وقف يتأمل وجهه على صفحة المرآة المهترئة. كره وجهه. تذكر أن أمه، لم تكن تحتفي بملامح وجهه. مثلها كان أبوه وأخوه ورفاقه. راح يخبط المرآة على وجهه، حتى تشظت. ثم قام يقارن: السعدي غير سعيد، لأنه وسيم، يعتبر ذلك، غير لائق بفتى، يروم البطولة. وهو ـ إدريس ـ استرجع صورته من إدارة المدرسة، ظل يرى فيها وجهه الطفولي، و في لحظة، قرر إحراقها.

تحاشى أن ينظر إلى وجهه، عبر شظايا المرآة… ثم حاول ترتيب هذه الشظايا مجددا على سريره، واسترق نظرة ـ كان يرى وجها منفرا، مشؤوما ـ

أضحى يكره كل ملامح وجهه. وينفر منها. لماذا؟ هل لأنه يريد أن ينتقم من نفسه، بسبب ما فعل بصديق السعدي! قتله، وافتقده بشدة.

تدخل الرائي ـ الراوي، وأخبره أن صديقه السعدي، كان يشعر بنقص ـ في شخصه ـ هي عقدة… فبياض بشرته وحمرة شعره من منغصات راحته… بينما رداءة مظهره ـ هو ـ وسوء ملامحه، كانت تثير الشفقة في نفوس الناس نحوه. كان يظهر لهم مسكينا، غير أن ذلك صار نوعا من التطهير، وكأنما هو يحضر الناس هؤلاء، لأمر ما.

ولسوء حظه ـ ربما ـ أفاق من الكابوس ـ الحلم، ليلاحظ أن الجميع قد تعرفوا عليه ـ عكس ما تصور ـ و أضحى جميع السكان ـ معارفه يحيونه، وصار هو يراهم ويحس بهم، إذن، لقد عاد.

أحس أن جسده يبعث برائحة نتنة تزكمه، فعاد إلى ذهنه، أن شخصا معتوها قد تبول على وجهه خلال نومه ـ حلمه ورحل. وذلك الكلب الذي وقف قبالته، كأنما يتوعده، ولم يلبث أن انصرف، لما رأى الشرر يتطاير من عيني إدريس…

استقبله صديقه السعدى، وإلى جانبه، كانت فطيمة. هو إذن لم يقتل السعدي. حدث له جرح بسيط، وشفي منه. ولكن حدث شيء، يكون في وعيه، و في لا وعيه، السبب الدافع له لقتل صديقه اللدود… لقد تزوج السعدي فطيمة. صارا زوجا. الخالة التاقية سافر إلى أقاربها ـ تريد أن تترك فسحة لولدها ـ وفطيمة ذهبت إلى بيت أبيها لقضاء الليلة. قال له السعدي: اجلس يا رجل! لنتحدث عن أيام الطفولة. وعادت السيجارة. كان جالسا قبالته، يلتهم سجائره بنهم. وقد قدم له منها واحدة. قام إدريس يريد المرحاض، فوجد نظام البيت ـ بيت صديقه السعدي، وأبيه مالك الحزين ت قد تغير نظامه، وجد مكان المرحاض عرفه أيام الطفولة، قد صار مكانه مرآة على طول الجدار… لما عاد يسأل صديقه، عن مكان المرحاض، قابله هذا بسكين… قتله هو هذه المرة. صار القتيل قاتلا، والقاتل مقتولا… هكذا رنت الفكرة في رأس إدريس… واستمر الكابوس ـ الحلم..

***. هكذا يعيش إدريس هلوساته المتتابعة ـ وهو المتلبس تارة شخص صديقه، وتارة أخرى، لا يعرف أهو لا يزال إدريس، بجسده وروحه، أم إن كل جزء صار منفصلا، عن الآخر. لا يفرق بين الواقع والخيال. ولا بين الوصية والحكاية… كل ما هنالك، أنه شخص مشتت، وتشظ، بين ما يريد لو كان في واقع الحياة، وما يخيفه في خضم هذا الكابوس، وقد عادت إلى ذهنه كلمات أمه: سيغربل عليك الماء. وهذه العبارة وحدها، تكفي لأن يصنف ضمن المجانين… وغربلة الماء على الكلب مثلا، تحدث ـ في المخيال الشعبي ـ لما يُشك أن الكلب مصاب بالكَلَب.

ثم كلام الطبيب: لقد حقنتك بمهدئ لتنام… وحقنة المهدئ ـ عادة، يصفها الطبيب لشخص اختل توازنه العقلي والذهني. إدريس لا يكاد يستيقظ، ليستمع إلى هذا الرائي، الذي يلازمه، فيحدثه عن أمور كانت تحدث له، وقت لا وعيه، حتى يعود من غيبوبته ـ كابوسه، ليرى ويعايش أحداثا، لا تقع إلا في أعماقه هو…

لما أعاد الكاتب زمام الحكي إلى أخي إدريس؛ العامل بالمخبزة، أوضح الكثير من أمور أخيه، منها مثلا، أن إدريس لم يكن مجنونا بالمفهوم ” الإكلينيكي” ـ الطبي، بل وضع في خانة مجنون ـ رغما عنه ـ لأنه تفرد في النظر إلى الأمور. بطريقة مخالفة لنظرة سكان حي ” ديار الشمس”، فوصموه مجنونا. أمه نفسها، لم تقر بجنونه، بل رأت الأمر، مجرد مسّ، أو ربما سحر

ويؤكد الأخ أن أخاه ـ إدريس ـ ليس مجنونا، وإلا ما استطاع أن يكتب ما كت. ( المجانين لا يكتبون ما كتبه هو، والعقلاء يحتاجون إلى كثير من الحكمة، لفهمه.). ص133.

يجتهد أخو إدريس في استرجاع الكثير من جوانب الحياة، التي خص إدريس نفسه بها ـ يحمل بين أوراق كتاب أخيه ـ أوراق تغليف اللحم ـ الحكاية ـ الوصية التي كتبها إدريس، يحاول أن يحرق هذه الوصية، ولكنها تبقى عصية على عود الثقاب… يذهب إلى مقبرة النصارى ـ حديقة جده، ويتركها هناك؛ ثم يعود إلى البيت، إلى غرفة أخيه، يبحث عن المرآة، فلا يجدها، بل يلتقط وصية المعتوه. (… أسحب شيئا مألوفا، وأتظاهر أني لا اعرف أن ما أضعه الآن على بطني، هو وصية المعتوه.). ص139 .

***. أبطال هذا النص: إدريس: شاب ذو مستوى تعليمي متواضع. ابن أسرة متواضعة. يعيش في حي شعبي، يجاور ثلاث مقابر، يسكنها أموات الأديان الثلاثة.

يعاني حالة نفسية، جعلت المحيطين به، يشخصونها بالجنون. يفرغ شحنات انشغاله، في كتابة ما يشبه ” مذكرات”، في ورق يستعمله اللحام. وقد شخص فكرة جنونية ” سوريالية” على جدار غرفته، دفعت أخاه لتقصي أسراره ـ من خلال الرسوم ـ ويكتشف أنه يكتب، ويخفي ما يكتب تحت سريره… وبالخصوص تلك الرسمة التي فيها ثلاثة رؤوس: الواحد أمام الآخر، الثاني والثالث، ينظر كل منهما إلى قفا سابقه، شابان وفتاة. صورة ثانية، فيها قلب يخترقه خنجر. وصورة ثالثة، فيها ملامح وجه.

أبو إدريس وأمه: ربا أسرة متواضعة. تختلف عن جيرانها، بكونها قليلة المواليد، كمظهر وراثي عن الجد.

جد إدريس: الرجل المتواضع، الذي كرس جهده لحراسة مقبرة النصارى، لمدة تمثل أغلب سني عمره، ولما أحس بأجله، هيأ لنفسه قبرا، وأوصى أن يدفن فيه، ولم تتحقق أمنيته، بسبب أنه لا أحد عرف مكان القبر.

“السعدي”: الصديق اللدود لإدريس، وزميله في المدرسة. ابن “سي سليمان ـ المالك الحزين، يمارس الشعوذة، ويعيش في عوالم ما ورائية. هو أيضا من الذين هجروا المدرسة مبكرا، سعيا وراء الحياة العملية… المنافس الشديد للبطل ـ غدريس في احتلال قلب فطيمة ـ الصديقة المشتركة… في خضم ذلك الهوس ـ الكابوس الذي دخل فيه إدريس، يرى أنه قتله ” ربما هو ما تشخصه صورة ثلاثة الرؤوس”. آخر الأمر، يحدث أن يتزوج فاطمة، ويقتل إدريس ـ طبعا في تخيلات إدريس ـ

أبوه: سي سليمان ـ مالك الحزين. الرجل المشعوذ، الذي كان سببا في هدم الكثير من الأسر، بفعل تمائمه، وادعاءاته الخرافية، بالاتصال بالعوالم الخارقة.

فطيمة: صديقة وزميلة الصديقين. الابنة السابعة لأبيها بورقيبة. كان نصيبها العزل من المدرسة ـ مع تفوقها ـ من طرف أبيها، ليزوجها زواجا مرتبا، ولكنه غير ناجح. ما جعلها مع أو فرصة تتمرد على زوجها ـ صالح بطاطا.

أبوها: بورقيبة… هذا الرجل الذي أمرين: أمر الجهاد في ثورة التحرير، ونال بذلك لقب مجاهد… وزيف أمر حج بيت الله، ونال لقب “حاج”. ولكن من أين جاءه اللقب ” بورقيبة”، قيل إنه لما كان بتونس، نال حظوة مصافحة الرئيس التونسي ـ بورقيبة ـ والتقطت له صورة، أحضرها معه، فادعى أنه صديق هذا الرئيس… هو بذلك الوجه الثاني لقطعة مع مالك الحزين.

الشخوص الأخرى مواطنون عاديون، يتحركون حسب مطالب الحياة، في حي ديار الشمس المجاور للقبور الثلاث. فهم بذلك لا يختلفون عن الذين يسكنون هذه القبور، إلا في كونهم يدبون فوق سطح الأرض.

***. كيف بنى الكاتب حبكة النص: منذ الوهلة الأولى، أوجد الكاتب عنصر جذب القارئ، إلى متابعة سيرورة الأحداث: جد على فراش الوفاة، وحفيد يفصل من عمله الشاق في فرن خباز، لأنه يريد أن يرى جده، قبل دفنه. ولأنه تعود أن ينام النهار، ويشتغل الليل، اغتنم فرصة تواجده، ودخل غرفة أخيه إدريس، ومن هناك تتأزم الأمور… أوراق تغليف اللحم، تحمل كتاب أخيه ـ وصيته التي قرر آخر الأمر، أن يسميها حكاية. على طول مئة وتسع وثلاثين صفحة، تتوالى قراءة الأخ كتاب أخيه، سعيا وراء الوصية، ليجد نفسه، يجوب المكان الذي تعود أخوه ارتياده، مقبرة اليهود ومقبرة النصارى، ولسبب ما حاول أن يحرق الكتاب، ولسبب ما عجز لكون عود الثقاب يرفض أن يلهب الورق، فتركها في المقبرة، وعاد إلى البيت، وتحت السرير، سرير أخيه، يجد ما سماه وصية.

اعتمد الكاتب في السرد ـ ضمير المتكلم مع الأخ ـ عن نفسه. وضمير الغائب في الحكي عن إدريس، ثم ركب الصيغة: ضمير المتكلم، لما يحكي إدريس عن نفسه، وضمير الخطاب، لما يخاطب الرائي ـ الراوي إدريس عما حدث له ـ في موقف ما

***. الزمكانية في النص: يستشف من خلال الحدث، أن زمان قصة إدريس، وقعت في تسعينات القرن الماضي ـ ولكن مع ملاحظة أن ذلك وقع في ليلة واحدة، لما كان المعزون يتوافدون على بيت الجد، كان الحفيد، أخو إدريس، يقرأ ـ حكاية أخيه.

مكان الحدث: مدينة “الجلفة” الجزائرية. في أحد أحيائها الشعبية.

***. عن العنوان: وصية المعتوه (كتاب الأموات ضد الأحياء).

ليس لي إلا أن أقرأ هذا العنوان من اللفظين المكونين إياه.

وصية: في العرف والعادة، أن تصدر الوصية من الأصول في حق الفروع، وذوي الحق في الميراث، ومن القاعدة، أن يكون الشخص الموصي ـ صاحب الوصية ـ ذا صحة عقلية، ووعي بما يفعل.

وفي النص لا يريد الكاتب، إلا أن ينسب الوصية، إلى شخص معتوه ” Aliéné ” ما يعني أن هناك أمرا غير عادي، إذ كيف لشخص لا يملك السيطرة على قواه العقلية، أن يتكفل بترك وصية… من هنا يطرح السؤال: هل جد إدريس نعيم، على حق، وهو يحفر قبرا لنفسه، ثم يردمه، ويوصي ابنه ـ أبا إدريس ـ بأن يدفنه فيه، وإن تأخر موته، لمدة ـ عشرين عاما ـ أليس هو كذلك مصاب بمس، إذ خرج عن العرف، ومن العادة، أن يقول أحدهم، يوصي أبناءه وأحفاده: اجعلوا قبري، بجوار قبر أبي، أو أمي، أو جدي مثلا…

لنأت إلى إدريس نفسه ـ بطل النص ـ فمنذ أحال الكاتب إليه أمر الحكي، نبه المستمع المفترض: لا تعتبروني معتوها ولا مجنونا، ولا مختلا؛ بل فقط، كما أنا، ولكنه يعترف ويقر، أنه لا حق له في يوصي ـ يترك وصية ـ لأن الوصية تأتي من الكبار؛ وعندما اشتدت عليه الهلوسة، والدخول والخروج من الكابوس ـ الحلم، قرر أن يحول الوصية حكاية،

ولكن لماذا: “كتاب الأموات ضد الأحياء”. ربما ينطلق هذا العنوان الجانبي، من فكرة ” واجب الأحياء نحو الأموات”، أو ” حق الأموات على الأحياء”، وقد شخص الكاتب ذلك، في ظاهرة تخصيص عامل ” عناية ” بالمقبرة… جد إدريس نعيم، قضى أغلب حياته حارسا لمقبرة النصارى، بما فيها الأشجار والعصافير… وهل كان إدريس يتصور أنه سوف موتة “غدر” أو خيانة، ففكر في الوصية، بأن يتهم أحدهم، وربما صديقه اللدود ” السعدي”.
#وصية_المعتوه #إسماعيل_يبرير #رواية #الرواية #جائزة
#الطيب_صالح #roman #smail_yabri

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عداد التقييمات: 0

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *