في ثقافة السمع والبصر
الأستاذ الدكتور قاسم المحبشي -اليمن-
وأنا أستمع للجواب الحكيم من أعمى بردون الشاعر اليمني الراحل عبدالله البردوني عن سؤال: ماذا ستفعل لو أعيد اليك البصر؟ قال: هذه مسألة لا أعرفها ولا اطيق تصورها لأنه سيأتي شيئا لا أعهده ولا أعرفه ولم أطلبه لأنني الآن قد ألفت العماء وصحبته صديقا وأنيسا وعشته حياة ولا أفكر كيف ستكون حياتي إذ فقدته. ولا اريد البصر. ذلك الجواب المثير للدهشة والتأمل حفز لديه هواجس بشأن الفقر بين ثقافة السمع والبصر. والسؤال هنا هو ولماذا الله سبحانه وتعالى قدم السمع على البصر في كل الآيات التي ذكرت فيها؟ والجواب كما اعتقده أن السمع هو أهم من البصر إذ يمكن لفاقد البصر أن يعوض العماء باللغة. والعكس غير صحيح. فمن يفقد السمع في طفولته يفقد ايضا القدرة على الكلام والتفكير والتخيل والتخييل والتعبير. ومن هنا تأتي الأهمية الحيوية للغة بوصفها نظاما لمعرفة العالم بالرموز والاشارات وأهم وسيلة لتنوير الكائن من الداخل. فما قيمة البصر حينما تعمى البصيرة. تلك هي الخلاصة فيما يتصل بالذوات الفردية الذين تمكنوا من تعويض غياب البصر بالبصيرة امثال بشار بن برد وأبو العلاء المعري وطه حسين والبردوني وغيرهم وتجدر الاشارة إلى أن كل الموهبين من شريحة فاقدي البصر هم من ذوي العقول الكبيرة المستنيرة. أما فيما يتصل بعلاقة السمع والبصر في الثقافة فيمكن القول أن الصوت المنطوق المسموع جوهر ومحور الثقافة الشفاهية لكن الصوت كحاسة إنسانية يحدث في الزمن مثله مثل كل الإحساسات الأخرى غير أنه يتميز بعلاقة خاصة بالزمن ذلك لأن الصوت لا يوجد إلا عندما يكون في طريقه إلى إنعدام الوجود، فليس ثمة طريقة لإيقاف الصوت وتثبيته فيمكنك إيقاف آلة تصوير متحركة وتثبيت الصورة على الشاشة ولكن إذا أوقفت الصوت فلن يكون لديك شيء سوى الصمت فحسب، فالصوت يقاوم مقاومة كاملة محاولة التثبيت، بعكس البصر الذي يمكنه أن يسجل الحركة ولكنه أيضا يسجل السكون والصمت، بل أن البصر في الواقع يفضل السكون على الحركة فلكي نفحص شيئا عن قرب ببصرنا يستحسن أن نمسك به ساكناً. لكن الصوت وحده هو الذي لا نستطيع التعرف عليه إلا في حالة الحركة أي في لحظة ميلاده المباشر وانطلاقه الفوري من حنجرة المتكلم لكنه ما أن يتوقف حتى ينعدم ولا يترك أثراً مميزاً، وتلك هي خاصية الثقافة الشفاهية الصوتية بعكس ما هو عليه الحال في الثقافة الكتابية _ اقصد ثقافة الكتابة والتدوين والتوثيق والنصوص _اذ تشكل الكلمات المكتوبة بقايا وآثار منقوشة أو مخطوطة في نصوص وعلامات ورموز تقاوم الزمن ونستطيع أن نقرأها أو نراها أو نلمسها في أي زمان ومكان بعد ميلادها وبعد موت كاتبها، ولهذا السبب نلاحظ ان الثقافة الشفاهية تعلي من شأن الخطابة والحفظ والتلقين والتذكر باعتماد على الأنماط التعبيرية في التفكير القابلة للحفظ والتذكر، فالمرء الشفاهي لا يمكنه تذكر إلا عبارات وكلمات محدودة ومسموعة ومكررة ومنمطة ومن ثم فإن أنماط التفكير الشفاهي نفسها تضيق هنا لكي تكون حافزة للتذكر الدائم وكلما زاد الفكر المنمط شفاهياً تعقيداً زاد اعتماده على العبارات الجاهزة المستخدمة بمهارة في أقوال معتمدة على الصيغ (حكم وأمثال واقوال وشعارات وصيغ وعبارات) لا تكون مجرد زينة شفاهية مضافة إلى التشريع بل تشكل هي نفسها القانون الفعلي ولا توجد هنا ثقافة خارج الصيغ والعبارات الجاهزة والمتناقلة لأن الصيغة تساعد الذاكرة وتقويها.ولهذا السبب تزدهر في الثقافات الشفاهية أنماط ثقافية محددة، مثل الشعر والحكم والأمثال والحكايات والأساطير والسجع والأهازيج ومن سمات الثقافة الشفاهية عطف الجمل بدلاً من تداخلها، اذ تكثر حروف العطف بشكل ملحوظ.الأسلوب التجميعي بدلا من التحليل. الأسلوب الإطنابي أو الغزير بدلا من الاختصار والأسلوب المحافظ والتقليدي والقرب من عالم الحياة وردود الأفعال المباشرة اي عدم القدرة على التجريد ،وغياب التمييز بين الكلمات والأشياء، بين الدوال والمدلولات ، شيوع لهجة المخاصمة والتعصب والانحياز وغياب الحياد الموضوعي. تكرار الاحاديث ذاتها في كل المقامات والاحوال، العزوف عن القراءة البصرية وتفضيل الاستماع، ارتفاع نبرة الصوت في المحادثات، عدم الوصول الى اتفاقات حول موضوعات الخلاف. الشغف بالحكي والثرثرة في كل الامور والاحوال، الاهتمام بالالفاظ وإهمال المعاني الانهمام بالمنطق بدلا من الواقع …الخ
