في فلسفة المشترك: من ايتيقا التواصل الى واجب الاعتراف
محمد العربي العياري/Mohamed Arbi Ayari 1
في فلسفة المشترك: من ايتيقا التواصل الى واجب الاعتراف، قراءة في أطروحات يورغن
هابرماس وأكسل هونيث
يُمثل مفهوم الاعتراف أحد الاطروحات الهامة التي تُحاول الفلسفة السياسية
المعاصرة، تنزيله كأحد الحلول المُمكنة أمام موجات الصراع الاجتماعي والسياسي. لذلك،
تتعدد المقاربات التي تعاملت مع فلسفة الاعتراف بوصفه بديلا نظريا عن مُقاربات الهيمنة
والغلبة، وحتميات التدافع الاجتماعي والاخضاع. فنجد مقاربة “يورغن هابرماس” حول
الفضاء العمومي، باعتباره إعادة هندسة للشرط المكاني للتواصل، ومطارحات “أكسل
هونيث” في رؤيته لمآلات عملية التواصل الهابرماسي، بمثابة القراءات السوسيوفلسفية
لعملية معقدة وعميقة من جانب ممكناتها النظرية، لكنها تُلامس من جانب قُدراتها العملية،
ممكنات شاسعة من جانب ما يُمكن أن تُقدمه من حلول.
نشير إلى أن ما طرحه “هابرماس” و”هونيث”، كانا نتاجا لقراءة تعود جذورها
التأسيسية إلى موروث فلسفي غزير ومتعدد، يمر على الرؤية الهيغلية لعملية التذاوت،
وصولا إلى نقد الليبرالية السياسية المعاصرة، مع “أكسل هونيث”. وبقدر عُمق ما تراكم من
مقاربات، وما تعدد من رؤى، تُوضع فلسفة الاعتراف في مجملها في خانة البراديغم
الجوهري باعتباره خلاصة عملية التذاوت وسيرورة بناء الذات واكتشاف عقلانية بديلة عما
قدمه العقل الحداثي.
سوف نحاول تتبع المسار الفكري ل” يورغن هابرماس” في تأصيله للصراع من
أجل الاعتراف من خلال شروحه لفلسفة هيغل أولا، واستفادته من النقد المُوجه نحو مقاربته
للفضاء العمومي، واعتماده على فلسفة اللغة من جهة ثانية. ثم نحاول اكتشاف المعنى من
تجذير مفهوم الاعتراف وإعادة تحيينه مع “أكسل هونيث”، انطلاقا من قراءة “هابرماس”
أولا، وثانيا، من خلال نماذج الاعتراف كما حددها. لنصل إلى التأكد من قدرة هذا المفهوم
على حل مشكلات العالم الاجتماعي من جهة، واختبار راهنيته من جهة ثانية.
1- الفلسفة الهيغلية: ديالكتيك التفاعل ومفهوم الاعتراف:
يُحيلنا البحث في فلسفة “هيغل”، إلى التوقف عند موضوع الذات والصراع من أجل
تشكّل الوعي (وعى الذات بذاتها). فبين الذات كإرادة عند “نيتشة”، والذات كعقل عند
“ديكارت”، نقف إزاء مقاربة خاصة عند “هيغل” لنتداول في مفهوم الذات كسيرورة تكوّن
4
من خلال فعل التواصل مع ذوات مغايرة تحت عنوان: الصراع، والذي يرنو إلى تحقيق
الاعتراف.
في هذا المعنى، يكتب “هابرماس” في: “العلم والتقنية كإيديولوجيا”: “هيغل لا يربط تأسيس
الأنا بتأمل أنا منعزلة على ذاتها وإنما يدركه من سيرورات تكوّن وتحديدا تكوُّن الوحدة
التواصلية لذوات متعارضة.” (يورغن هابرماس،2003، ص10).
يُقيم “هابرماس” تمييزا بين العقلانية الأداتية والعقلانية التواصلية، حيث ينطلق من نقد
معادلة “ماكس فيبير” التي تتكثّف في مفاهيم “فقدان الحرية وفقدان المعنى” التي كانتا نتاجا
لسيطرة نوع واحد من العقلانية وهي العقلانية الأداتية. حيث يتبنى المقاربة التي قدمها
“جورج لوكاتش” والتي تتمثل في اعتبار أن الأداتية ليست سوى شكلا من أشكال العقلانية
وليست ممكناتها الوحيدة. من هذه الزاوية، أعاد “هابرماس” النبش في فلسفة “هيغل” بحثا
عن أدوار ممكنة ومغايرة للذات.
هذه الإحالة المباشرة إلى الفلسفة الهيغلية وإحياء قراءتها مع “هابرماس”، تعود إلى أمرين:
أولا، أن “هابرماس نجح فيما فشل فيه رواد مدرسة فرانكفورت الأوائل، “هوركهايمر”
و”أدورنو” و”ماركوز”، وقدم نموذجا نظريا جديدا لم يتجاوز به الماركسية فقط، وإنما
تجاوز به النموذج السائد في الفلسفة الحديثة والمعاصرة منذ “ديكارت” وإلى ما قبل النظرية
النقدية، والذي يسميه بنموذج فلسفة الوعي بنموذج جديد هو فلسفة الذات. “(هشام عبد
النور، 2007).
هذا المنعطف النقدي للنظرية الكلاسيكية، قام “هابرماس” بتوظيفه في سياق إعادة
استنطاقه للعلاقات الممكنة للذات داخل حدود عالم العقلانية. وقد اعتمد في بحثه هذا على
الرؤية الهيغلية لما يسمى بالتذاوت، حيث تخوض الذات صراعا من أجل الاعتراف.
التقط “هابرماس” هذه الأطروحة انطلاقا مما يعرف عند “هيغل” بديالكتيك التفاعل،
وقام بقلب شروطه(الصراع) من خلال الاعتماد على فلسفة اللغة سعيا نحو تحقيق العقلانية
التواصلية وحتى يكون الحاصل ممثلا في التفاهم كبديل على مآلات ونتائج جدلية السيد
والعبد كما حددها “هيغل”.
5
الأمر الثاني الذي يبرر تناولنا لمسألة الذات من خلال الربط بين “هيغل”
والشروحات الذي قدمها “هابرماس”، يتمثل في المقاربة التي اعتمدها “أكسل هونيث”،
والتي تتمظهر في انطلاقه من البراديغم الهابرماسي ونعني به التفاهم، واستبداله ببراديغم
الإعتراف، معتمدا في ذلك على قراءة للذات كما صاغها “هيغل” ولدور فلسفة اللغة كما
حددها “هابرماس”.
من المهم أن نطرح، بنية النظام الفلسفي وفق المقاربة الهيغلية، فنشير إلى ثلاثية:
المنطق وفلسفة الروح المطلق ومبدأ الجدل. حيث يحيل المنطق على الأنطولوجيا، في حين
تشير فلسفة الروح المطلق إلى الله والدين. أما عن الجدل، فقد قدّم “هابرماس” من خلال
قراءته لرسائل “يينا” ل “هيغل” الشاب، الأنماط أو التفريعات الكبرى له والمتمثلة في:
ديالكتيك العمل والذي يعني علاقة أداتيه بين الإنسان والطبيعة، ثم ديالكتيك التمثيل والذي
يرتبط بالذات، وأخيرا ديالكتيك التفاعل والذي يتمظهر من خلال العلاقة بين الذوات، والتي
تبرز من خلال ديالكتيك الصراع من أجل الاعتراف والاعتراف المتبادل.
في كتاب “فينومينولوجيا الروح”(فريدريش هيغل،1994)، يحلل “هيغل” جدلية
الصراع بين السيد والعبد بحيث يأخذ هذا الصراع أهمية محورية في علاقة بتشكل الوعي
بالذات. ووفق ما تقدم، تطرح هذه الأهمية دورا مزدوجا: من جانب أول، فالوعي يبحث
عن نفسه داخل ذات أخرى وبذلك تنشأ علاقة التواصل. ومن جانب آخر، تجد الذات نفسها
في الآخر. ومن هنا يولد الصراع الذي ينتهي بطرف منتصر (السيد) وطرف منهزم
(العبد). ويبقى شرط الحصول على الاعتراف مُتوقفا على عدم موت أحد الطرفين لأن ذلك
يعني فقدان الوعي الذاتي لفرصته في الحصول على الاعتراف، مما يجعل الاعتراف
والبقاء أو الحضور كمتلازمة شرطية أحدها غاية والآخر نتيجة.
حسب هذا الطرح الهيغلي، يكون السيد هو ذاك الذي يدمر الاعتماد على الحياة،
في حين أن العبد هو ذاك الذي يفضّل الحياة على الموت ويمتنع عن تدميرها. في هذا
المعنى، يكتب “هابرماس”: “يعتمد “هيغل” ديالكتيك الأنا والآخر في إطار التفاعلات الذاتية
6
للروح. في حين لا تتواصل الأنا مع ذاتها بوصفه آخرها وإنما أنا مع أخرى بوصفها
آخر.”(يورعن هابرماس،2003، ص10).
من خلال هذه المقولة، نتبين أن مفهوم الاعتراف يُعبّر عنه من خلال تفاعلات
الذات والمتمثلة في تواصل الأنا مع ذاتها ومع أنا مغايرة حتى يتحقق وعى الذات بذاتها.
هذا التفاعل يرنو نحو تحقيق الاعتراف من خلال جدلية السيد والعبد التي عبر عنها
“هيغل”.
إذا كان التأسيس لفلسفة الأخلاق وفق الرؤية التي قدمها “ايمانويل كانط”، تستند
إلى العقل الترنسندنتالي مع التنصيص على التمييز بين الواجب الشرطي والواجب الأخلاقي
مثلما بيّن ذلك في “تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق”(ايمانويل كانط،2002)، فإن فلسفة الأخلاق
الهيغلية تأسست على معنى الصراع من أجل الاعتراف، بحيث يعني “مفهوم هيغل عن الأنا
بوصفها هوية العام والمفرد إنما هو نقيض الوحدة المطلقة للوعي الخالص العائد إلى ذاته
للإدراك الأصلي الذي ثبت عليه “كانط” بالإجمال هوية الوعي. لم تنشأ الخبرة الأساسية
للديالكتيك التي أطلقها “هيغل” في مفهوم الأنا أصلا كما نرى من مجال خبرة الوعي
النظري وإنما العملي.”(يورغن هابرماس،2003، ص17).
بهذا الشكل، أصبح القول في الذات مع “هيغل” متمركزا في معنى وعيها بذاتها الذي
تجده في الآخر حتى تؤسس لمقومات إدراكها للوجود في بُعديه المجرد والمشخص. ومن
خلال مسلسل تشكل الروح عبر عملية التذاوت بفعل ديالكتيك التفاعل، يتحقق الاعتراف
بالذات عبر جدلية السيد والعبد.
2- يورغن هابرماس والتفاهم كغاية للفعل التواصلي:
نقرأ في مقدمة كتاب “نظرية الفعل التواصلي” ما يلي: “عرض هابرماس نظرية
نقدية عن الحداثة تسمح بتشخيص أمراضها وتحليلها على نحو يعيد توجيه مشروع الأنوار
الجهة الواعدة عوض التنكر له والتخلي عنه.”( Jürgen Habermas,1996,P86).
7
نلمس من خلال هذه المقولة، مع استرداد توابعها التفصيلية، كيف تعامل
“هابرماس” مع الموقف الذي يقول بانتهاء الحداثة وزوال سطوتها، وبين الرؤية التي
لازالت عالقة في قلب الحداثة وتستعرض سلبياتها استنادا إلى العقلانية المفرطة التي
تُميزها.
يعتبر “هابرماس” أن الحداثة مشروع لازال يبحث على اكتماله، وهو بذلك ينفتح
على ممكنات أخرى اعتبارا إلى أن للعقلانية أشكالا متعددة وبالتالي مآلات مغايرة. وقد
تركز بحثه على نقطة مفصلية تتمثل في قلب معادلة الصراع داخل الفضاء العمومي.
وللإشارة، فإن سيرورة بناء مفهوم الفضاء العمومي عند “هابرماس”، قد مرت بمحطات
عديدة منها ما اتصل بمقاربة “حنا أرندت” ومنها ما كان عامل تأثير فكري على
“هابرماس” مثل الماركسية الأوروبية والانغلاق السياسي. كذلك ظهور الفاشية في جزء من
أوروبا، والتأثير العميق للنقد الذي وجهته “نانسي فريزر” للفضاء العمومي بمميزاته
الهابرماسية، ثم قراءته المعمقة للمفهوم الكانطي للفضاء العام. وأخيرا، تعاطيه مع
الديمقراطية الغربية من خلال نقده للديمقراطية التشاركية.
بالعودة إلى مسألة الحداثة وفق رؤية “هابرماس”، نلمس أثر الفكر الذي قدمه
“تالكوت بارسونز” في علاقة بمخرجات الحداثة أو بما انبثق عنها، حيث سيطرت ثلاث
أنساق وهي: النسق الاقتصادي، النسق الثقافي والنسق السياسي. ويعتبر “هابرماس” بأن
الحداثة السياسية بمعنى هيمنة النسق السياسي مكّن من بروز هيمنة عَلموية على الفعل
الإنساني، لذلك وجب حل الإشكالية السياسية للحداثة عن طريق إحلال نموذج العقلانية
التواصلية محل العقلانية الأداتية التي أنتجت فعل الهيمنة والإخضاع.
من هذه الزاوية، زاوية عالم الهيمنة، يبحث “هابرماس” عن العوالم التي تُموضع
الانسان داخلها ويتأثر بزوايا تفاعلاتها وخصائصها، فيعود إلى مقاربة “إدموند هوسرل”
في الجانب المتعلق بالحديث على العالم المعيش أو عالم التجربة الذاتية. هذا العالم الذي يلح
“هابرماس” على عقلنته دون الاعتماد في ذلك على آليات عقلنة النسق كما تظهر في
الاقتصاد والسياسة مع “ماكس فيبير”.
8
يخلص “هابرماس” إلى المعادلة التي تقول بأن العلاقة بين الذات والموضوع هي
جزء من العلاقة بين الذوات، أو ما يعبر عنه بالتذاوت، وفي هذا إحالة مباشرة إلى “هيغل”
وفعل التذاوت. من هذه العلاقة (بين الذات والموضوع)، يقيم “هابرماس” تمييزا بين ثلاث
عوالم: العالم الذاتي، العالم الموضوعي المشترك والعالم الاجتماعي المشترك.
العالم الذاتي هو عالم العقل التأملي التحرري. أما العالم الاجتماعي المشترك فهو
عالم العقل التواصلي بتمظهراته كعقل استراتيجي وعقل تواصلي. فيما يخص العالم
الموضوعي المشترك فهو عالم العقل الأداتي كما يبدو عليه هذا العقل بصيغته التقنية
الأداتية والتجريبية.
من جانب آخر، يعتبر “هابرماس” أن مواطن القصور في فكر “ماكس فيبير”،
هو عدم التفريق بين الأنظمة الثقافية للفعل وبين الأنظمة الاجتماعية، واستنادا إلى تمايز
هذه الأنظمة وهذه العوالم، وعلى أنقاض الرؤية التي يقدمها “ماكس فيبير” إلى الحداثة
باعتبارها عقلنة للمقدس، يطرح “هابرماس” مقاربته التي تقول بأن الحداثة هي لغونة
للمقدس.
بهذه الكيفية، ينزاح القول الهابرماسي نحو الاعتماد على اللغة كأساس للفعل
التواصلي نظرا إلى الأدوار التي تضطلع بها والتي يحددها ب: الحقيقة والصواب المعياري
وصدق التعبير عن الذات، فيستنطق منجزات فلسفة اللغة مع “تشارلز موريس”، “ساندرز
بيرس”، “رودولف كارناب”، “فيتغنشتاين”، “جين أوستن”، “جون سيرل” وغيرهم ممن
أسبغوا على اللغة معاني وممكنات جديدة لم تكن متداولة داخل المبحث الفلسفي.
ليس المجال متاحا للحديث عن اللغة كموضوع دراسة، لكننا نحيل في هذا السياق
على أهمية المبحث وتفطن “هابرماس “إلى أصالة هذا الركن الفكري منذ “أرسطو” وحتى
مع فلاسفة ما بعد الحداثة أساسا “جاك دريدا”.
إن الغاية من الفعل التواصلي هو الوصول إلى التفاهم، “يحيل مفهوم الفعل
التواصلي على التفاعل الذي ينشأ بين ذاتين على الأقل، قادرتين على الكلام والفعل
ومنخرطتين في علاقات شخصية سواء كانت هذه العلاقات بوسائل كلامية أو غير كلامية.
9
وينبغي أن يكون هدف الفاعلين هو بلوغ التفاهم حول الوضع الذي يتناوله فعلهما وحول
الخطط التي يصدران عنهما في إنجاز هذا الفعل للوصول سويا إلى تنسيق أفعالهما بطريقة
توافقية”(Ibid,P86).
بهذا المعنى، يصبح الفعل التواصلي سبيلا إلى التفاهم بعد توسّط التوافق بين
الذوات المتكلمة أو غير المتكلمة. نشير في هذا السياق إلى التأثر المعرفي “لهابرماس”
بمقولات “كارل أوتو آبل” حول الحجاج والتواصل.
رغم النقد الذي وجهته “سيلا بن حبيب” نحو مقولات “هابرماس” حول الحجاج
(Seyla Ben Habib,1992)، فإن نظرية الفعل التواصلي والتي ترتقي عند
“هابرماس” إلى سلطة تقابل السلطة الإدارية، وذلك في خضم عرضه لفلسفته السياسية
ودراسته للعلاقة بين القانون والديمقراطية، بصورة تصبح معها سلطة التواصل إحدى
الممكنات الضرورية التي يُنتجها بل وتُنتج الفضاء العمومي باعتباره مسرح عمليات
التواصل وإنتاج براديغم التفاهم.
هذا الجمع بين عالم النسق وعالم الحياة، مع المحافظة على مميزات كل واحد على
حدة، والاعتماد على فلسفة اللغة، مكّن من إنتاج الفعل التواصلي الذي يُحيل على التفاهم.
وبهذا الشكل، تصير فرضية تحقيق التحرر كغاية للحداثة السياسية أو بما هي حل
لمشكلة الحداثة السياسية، تتمتع بنسبة عالية من حظوظ التحقق.
يقدم هابرماس تحديدا علائقيا لبراديغم التواصل، حيث يكتب: “إن لنظرية التواصل
علاقة وثيقة جدا بالمسائل التي تطرحها نظرية التطور الاجتماعي “.(يورغن
هابرماس،2002،ص21).
قام أكسل هونيث بفحص مخرجات النظرية التواصلية عند هابرماس ودعاوي
الصلاحية والقيم المعيارية التي أصّل بمقتضاها لنظرية الفعل التواصلي ومفهوم الفضاء
العام وكشف من خلالها عن قصور الديمقراطية التشاركية التي أحل محلها نموذج
الديمقراطية التداولية. كما بحث في تفكيك النصوص المابعد حداثية مثلما هو الشأن مع بيير
10
بورديو وميشال فوكو مستعينا في إعادة تحيينه للمفاهيم بمدارس أخرى نذكر منها مدرسة
علم النفس الاجتماعي ممثلة في التفاعلية الرمزية.
3- مفهوم الإعتراف عند أكسل هونيث وإعادة بناء النظرية النقدية:
انطلاقا من الإرث الفلسفي والسوسيولوجي للجيل الأول لمدرسة فرانكفورت،
وإستنادا على ما تطرحه التغيرات البنيوية من إحتدام الصراعات وتعددها، يشتغل “أكسل
هونيث” على ما يمكن تسميته بإعادة تأصيل مفهوم الاعتراف وتجذيره من خلال إغناءه
بمعطيات التحليل السياسي للواقع على ضوء متغيراته وتطور أنماط وأشكال الصراعات.
بهذا الشكل، تحصّل مفهوم الإعتراف على مدلول أكثر التصاقا بالمعنى الجذري
لتمظهراته الاجتماعية والسياسية. وفي هذا الإطار، نقرأ التمهيد الذي كتبه أكسل هونيث
لكتابه “الاجتماعي وعالمه الممزق، مقالات فلسفية اجتماعية “(أكسل هونيث،2002) ما
يلي: “طريق المجابهة الفكرية تمتد من مؤلفات لوكاتش ما قبل الماركسية عبر النظرية
النقدية لمدرسة فرانكفورت والأنثروبولوجيا البنيوية لكلود ليفي ستراوس وصولا إلى
الأوضاع المعاصرة لنظرية المجتمع الفرنسية “.(أكسل هونيث،2002،ص7- -8).
يدل المعنى المُشتق من هذا القول، أن عملية المراجعة ستأخذ طريقها انطلاقا من
منجزات مدرسة فرانكفورت وصولا إلى أطروحات فلسفات وسوسيولوجيا ما بعد الحداثة
أساسا فلسفة “ليفي ستراوس” البنيوية، “ميشال فوكو” كممثل لنظرية السلطة و”بيير
بورديو” كمبدع للأشكال الرمزية في علاقة بالثقافة والمجتمع.
هذه الإستعادة للمفاهيم والتعامل النقدي مع مخرجات (مقاربات ما بعد الحداثة)،
مثلت الخط الفكري الذي إتبعه “هونيث” في بحثه عن راهنية مفهوم الاعتراف وتقديمه
كحل لصراعات الواقع وفك الهيمنة بتمظهراتها المعرفية والسياسية.
هذه المراجعة النقدية، تهدف إلى كشف قصور هذه النظرية ومواطن الخلل التي
استوطنتها، والتي يمكن أن نختزلها في ثلاث نقاط من وجهة نظر “أكسل هونيث”.
11
النقطة الأولى تتمثل في أن النظرية النقدية حاولت استبدال نظرية الحداثة
بالليبيرالية الجديدة. النقطة الثانية تتمثل في إغفال النظرية النقدية للبعد الاجتماعي والسياسي
للسيطرة والصراع، بدعوى تقديم فكر جديد ينتصر إلى الحرية السياسية ويُغفل الصراع
الاجتماعي والهيمنة. أما النقطة الثالثة فتتمثل في حصر النظرية النقدية في مبحث مستقل
ومنعزل وعدم تكثيف الجهد النظري للنظرية النقدية في موقف سياسي حاسم من أجل
الكفاح ضد ما يحصل في العالم الاجتماعي.
بهذا الشكل، أصبحت مهام النظرية النقدية، في نظر “هونيث”، متمثلة في: “مهمة
وصفية وتقوم على تشخيص وفهم العمليات الاجتماعية المرضية على مستوى التجارب
الفردية والجماعية والتي تعرقل من الناحيتين الاجتماعية والأخلاقية تحقيق الأفراد
والجماعات لحياة طيبة. ومهمة معيارية تقوم على تحديد ومعرفة معايير أشكال الحياة
الاجتماعية الناجحة (كمال بومنير،2015، ص44).
وفيما يلي إطلالة على التجديد والتحيين الذي صاغه “أكسل هونيث” لمفهوم الصراع من
أجل الإعتراف.
3-1-أكسل هونيث والتحيين الفلسفي لمفهوم الاعتراف:
حتى نتتبع البناء الفكري الذي اعتمده “أكسل هونيث” لنحت مفهوم الإعتراف، نقرأ
نص الحوار الذي أجراه مع الفيلسوفة والمؤرخة “ألكسندرا لافاستين” في سنة 2011 تحت
عنوان: “الصراع مع القيم العالمية مغامرة ناقصة”(أكسل هونيث،2020)، وفيه حديث عن
المجتمع الجديد وأزماته وعن الصراعات التي تشقه وعودة على كتابه “مجتمع الاحتقار”.
يجيب أكسل هونيث بصورة واضحة على ما يمكن اعتباره الأسئلة التي تختزل البناء
المنهجي لمفهوم الإعتراف، حيث يعود إلى الأطروحات التي أجبرتنا على الانتقال إلى
الحديث على أنماط جديدة من الصراعات الاجتماعية والأشكال التي اتخذتها الثقافة السياسية
12
في ظل الليبيرالية الجديدة. فنجد أنه يحدد خصوصيات المجتمع الحديث، من خلال توفر
شروط تحقيق الذات والاستقلالية.
كما يعتبر أن مشكلات المجتمعات الغربية في ظل العولمة والرأسمالية المتوحشة،
لم توجد بسبب انتهاك مبادئ العدالة، بل بسبب الإضرار بشروط تحقيق الذات والتي
أصبحت تفكر في نفسها كمادة معرضة للبيع.
هذا الاهتمام بمسألة العدالة، يحيل بشكل من الاشكال، في علاقة بالمجتمعات
الليبرالية، إلى القراءة التي قدمها “جون راولز” في سعيه إلى البحث عن تصور ملائم
للديمقراطية والقطع مع النفعية. وفي هذا السياق، يكتب “جون راولز”:” إن نظرية العدالة
كإنصاف، هي تصور ملائم للديمقراطية، وهي في ذات الوقت تصور مُمنهج ومعقول
بشكل كافي ومؤهل لأن يقدم بديلا عن النفعية التي هيمنت في إطار تقليد فلسفتنا السياسية.
“(جون راولز،2004، ص99).
يعتبر “جون راولز” أن النفعية التي ميزت الفلسفة السياسية، لم تفلح في صياغة
تصور شامل للعدالة، وبهذا الشكل لازال التصور الديمقراطي للمجتمعات مبتورا من جانب
تعبيره على العلاقات القائمة وسياقات التفاعل بين الذوات. للإشارة فإن هذا البعد النفعي لا
يهتم بالأقليات، بل يأخذ بمبدأ الأكثرية، وهذا ما يرفضه “راولز” بشدة في إطار صياغته
لنظريته في العدالة.
للإشارة فإن هذا الموقف المتمثل في معادلة (الأقلية والأغلبية)، يُعتبر قاعدة
أساسية في الممارسة السياسية للديمقراطيات المعاصرة، وهو بلغة “جيل دولوز”، مجرد
تعبير عن أرقام. والأخطر من ذلك، هو تشريع للهيمنة في صورة ما.
في الجزء المتعلق بشكل الثقافة السياسية والأخلاقية القادرة على مجابهة
مشكلات الإقصاء والإنغلاق، تحيلنا إجابة “أكسل هونيث”، على الطرح الذي قدمته
“جوديث بتلر” في معنى أن الديمقراطية يجب أن تكون صراعية تماما حتى تعطل قوة
السيطرة والهيمنة التي تؤدي إلى الإجماع الذي يمنع النقد. بهذا المعنى تصبح السياسة
الديمقراطية مجالا للنقد من خلال الصراع والتعارض تساوقا مع المعنى الذي يقصده “جون
13
فرانسوا ليوتار”. وفي جانب آخر، تفتح هذه المقاربة في جزء ما، مجال التطابق مع رؤية
“إدغار موران” في علاقة بتعريفه للذات الفاعلة التي تتصف بالتمرد بما هي نتاج
للتاريخانية وتعبير على قدرتها على إدراك العالم، هذا الإدراك الذي لا يكون إلا من خلال
فعل الصراع من أجل الإعتراف.
بصورة أكثر عمقا، يصبح الواقع الاجتماعي بحد ذاته هيمنة. لذلك على هذه الذات
الفاعلة أن تعمل على تعزيز مبدأ الحرية أولا، وتدخل في نزاع مع القوى المهيمنة.
ينتقل الحوار مع “هونيث” في سؤال آخر إلى الحديث عن الذاكرة ودورها في بناء الهوية
الجمعية.
هذه الهوية التي يرفض “هونيث” بناءها استنادا إلى أرضيات الثقافة المسيحية. وفي هذا،
نستحضر موقف “هابرماس” من الإتحاد الأوروبي والذي يعتبره أسس لهوية وطنية قائمة
على قاعدة اقتصادية بحيث كان وفيّا إلى المقاربة التي قدمها “فيبير” في علاقة بالعقل
الأداتي وسيطرة عقلانية ذات طابع واحد. كما يحيل الحديث على الذاكرة إلى الصيغة التي
قدمتها “ماير” للعلاقة بين الديمقراطيات المعاصرة وعلاقتها بالذاكرة وموجات الارتداد نحو
الجذور والموروث الوطني، وأهمية المتاحف والاحتفالات التذكارية.
في نفس السياق، نقف على المعطى المتمثل في تسييس الهوية الجمعية، بحيث يُعاد إنتاج
المواطنين بطرائق باهتة ومملة مثلما فسر “مايكل بيليغ” وذلك من خلال التعويل على
السياق الاجتماعي الذي تتكون من خلاله وعبره ما يسمى بالهوية الجمعية.
3-2-أكسل هونيث وتجربة الاحتقار:
أ- العنف الجسدي: من أعنف أشكال الاعتداءات التي تنتهك الذات في حريتها ومقومات
الكرامة التي تبني بمقتضاها علاقاتها مع الآخر، هو العنف الجسدي.
يكتب “اكسيل هونيث” في: “مجتمع الازدراء نظرية نقدية جديدة “: “مهما اختلفت
نظم التبرير الاجتماعية التي بالإمكان خلقها للاستدراك، فإن تجربة العذاب والاغتصاب
ستظل تثير على الدوام خيارا دراميا في ثقة الفرد بالعالم الاجتماعي وبأمنه الذاتي أيضا “
14
(Axel Honneth,2001,P 323) بهذا المعنى، نعيد التفكير في الأثر النفسي الذي
يسببه العنف الجسدي على الذات في علاقة بتواصلها مع العالم الاجتماعي وبنفسها أيضا.
هذه الممارسة تحيل على معاني الخوف، الاضطراب، الكبت، انعدام الثقة بالنفس، القهر …
وغيرها من النعوت التي تطعن في العمق معاني الشخصية السوية والذات الفاعلة
والمتفاعلة إيجابيا مع المحيط الاجتماعي.
هذا الوصف يعني بصفة صريحة ومباشرة، أن مفهوم الاعتراف يقع انتهاك
شروطه من خلال العنف الجسدي. وبهذا الشكل يظهر الاعتراف كشكل من أشكال تجريم
الاعتداء على الذات من خلال العنف الجسدي.
ب- انتهاك الحقوق الأساسية للفرد: الشكل الثاني مما يسميه “هونيث” بانتهاك شروط
الاعتراف، يتمثل في إقصاء الفرد من حقوقه الاجتماعية مما يعني تجريده من روابط
الانتماء إلى المجتمع وبذلك تعود إلى الذهن مفاهيم مثل الاغتراب بشكل من الأشكال.
في هذا السياق يكتب “أكسل هونيث”: إذا ما تم رفض بعض الحقوق بشكل منظم،
فذلك يعني ضمنيا أنه لا يعترف له بالدرجة نفسها عن المسؤولية الأخلاقية التي يعترف بها
لسائر أعضاء المجتمع ” (Ibid,P425).
بهذا الشكل، يصبح رفض الحقوق الاجتماعية للفرد في جزئياتها أو كلياتها، رفضا
للذات نفسها، لأن عملية التذاوت التي تعني مسارا لاكتشاف الذات في أخرى مغايرة، تصبح
بالشكل الذي فسره “هونيث” لتجربة حرمان الذات من حقوقها، بمثابة عملية تجفيف
لمقومات عملية إدراك الذات لموقعها ودورها الاجتماعي، مما يحيلنا كما أشرنا إلى معاني
الاغتراب. وكإسقاط لهذا المعنى على بعض الإشكالات المعاصرة، واستنادا إلى الموقف
الذي قدمه “هونيث” في الحوار السابق ذكره، تحديدا النقطة المتعلقة بالحجاب، نفهم كيف
يتحول انتهاك الحق في الظهور بمظهر معين (الحجاب) إلى سبب للإقصاء والاغتراب من
خلال حرمان المحجبات من حقهن في تطبيق ما يرونه فرضا دينيا أو شأنا خاصا يُعبّر
على حرية شخصية.
15
من جانب آخر، يؤدي حرمان الذات من حقوقها إلى فقدانها إلى الاحترام الذاتي. هذا
الربط بين الحرمان من الحقوق والاحترام الذاتي، رغم انتفاء طابع الحتمية عنه، إلا أن ذلك
لا يجب أن يصرفنا على الانتباه إلى المخلّفات النفسية لهذا الحرمان وما تسببه من رد فعل
على المستوى المجتمعي. وبالرغم من المقاربات التي تتحدث عن التصعيد بالمعنى
الفرويدي أو التعويض من الحرمان بشكل من الأشكال، إلا أن تجربة الحرمان من الحقوق
في عموميتها تقدم حاصلا سلبيا نلاحظه من خلال ظواهر سياسية مثل العنف السياسي
المسلح والحركات الراديكالية بمختلف تلويناتها الدينية والثقافية والسياسية.
ج- الحكم السلبي على القيمة الاجتماعية للفرد: إن الحديث عن تجربة الحرمان من الحقوق،
يحيل في جانب منه إلى الحديث مباشرة عن الفرد وقيمته الاجتماعية. فإذا كان الفرد
محروما من حقوقه من طرف جزء من المجتمع يمثل سلطة بشكل ما، فإن ذلك يعني بدرجة
أولى الحكم على القيمة الاجتماعية، حيث تصبح تراتبية القيم الاجتماعية مرتبطة بمدى
حصول الفرد عل حقوقه، وأن أي انتقاص من تلك الحقوق يُعتبر إحالة مباشرة على
الإقصاء وإعادة التصنيف الاجتماعي.
في هذا الصدد، يقول “أكسل هونيث”: ” إذا كانت تراتبية القيم الاجتماعية قد قامت على
أساس الحكم على أنماط الحياة أو القناعات من حيث كمالها أو نقصانها، فهى بذلك تحرم
الأفراد المعنيين من أن يعزوا إلى قدراتهم الشخصية أي قيمة اجتماعية.”(Ibid,P245).
هذه الأشكال الثلاثة لما يسمى بتجربة الذل أو الاحتقار، أراد من خلالها “أكسل هونيث” أن
يطرح الأسباب العميقة للصراعات الاجتماعية القائمة كإرهاصات أولية وأسباب تستبطنها
الذات في علاقة بخوضها للصراع من أجل الاعتراف. وهذه اللوحة الثلاثية كانت في شكل
مقاربة إيتيقية تؤكد على أن تجربة الاحتقار هي أساس كل وعى يتسم بالراديكالية والانفعال
والذي يسبب كل حركات الرفض والتمردات وردود الفعل التي تقيمها الذات كرد فعل تجاه
المجتمع بأفراده ومؤسساته.
بعد هذا التشخيص الذي يقدمه “هونيث”، يقدم البديل الذي يعتبره الحل أمام ما تعيشه
المجتمعات المعاصرة. وهذا ما سوف نطرحه في العنصر الموالي.
16
4- أكسل هونيث ونماذج الإعتراف:
مثلما كان “أكسل هونيث” ناقدا للأطروحات الحاملة لمدلولات الاعتراف بأشكال
متنوعة، فإنه لم يقف عند حدود عملية المراجعة والتفكيك لمنطلقات هذه التصورات من
جانب علاقتها بالذات وتفاعلاتها فقط، بل قام بتوظيف ما يعتبره غير مكتمل أو الجزء
المبتور من النظرية الاجتماعية الرامية نحو تأصيل وتحيين مفهوم الاعتراف، حيث قدم
ثلاث نماذج للاعتراف اعتبرها من جانب علاقتها بالذات، معبرة بشكل عميق على
إنتظاراتها من عملية التذاوت. وأفضل ترجمة ممكنة لشرط تحقيق الاعتراف من جانب
علاقتها (ونقصد النماذج الثلاثة) بالمعايير الإيتيقية للاعتراف.
في مقدمة الترجمة العربية لكتاب “التشئ دراسة في نظرية الإعتراف “(أكسل
هونيث،2012) نقف على معاني النماذج الثلاثة المشار إليها، وهي:
أ- الاعتراف في الحب: من أولى العلاقات التي يقيمها الطفل مع ذات خارجية، هي علاقته
بأمه. هذه العلاقة التي تنطبع بمعاني الليبيدو والتي تسمح له بما يسميه “هونيث” ب”الأمن
العاطفي”.
نقرأ في الكتاب المذكور أعلاه: “الحب علاقة تفاعلية مؤسسة على نموذج خاص للاعتراف
المتبادل “(المصدر نفسه، ص10).
هذا النموذج الخاص بالاعتراف يحيلنا إلى الأطروحات التي تُعلي من شأن مدارس التنشئة
الأولى مثلما هو الحال مع مقاربات “هربرت ميد” (الميكرو) وتصورات “فرانسوا دوبييه”
لمعاني التجربة.
من خلال هذا الشكل من الاعتراف، وعن طريق مأسماه “هونيث” ب”الأمن العاطفي”،
يمكن للذات أن تتعرف على المشاعر والعواطف وإمكانية إظهارها للآخرين. وتكون بذلك
أول محطة في سيرورة الإعتراف. كما يمكن في نفس هذا المعنى، أن نشير إلى أبحاث
“جيسكا بنجامان” في مبحث الإعتراف في الحب.
17
ب- الاعتراف في القانون: إذا ما أُتفق أن المجتمعات الحديثة بأساليبها الديمقراطية
وتشريعاتها، تنطلق من حاجيات الفرد، بصرف النظر عن منطلقات هذه الحاجيات، فإن
القانون يصبح، بل يُختزل في كونه الضامن لحرية واستقلال الذات، “يضمن الاعتراف في
القانون للأفراد حريتهم واستقلالهم الذاتي”(المصدر نفسه، ص11).
إن المعنى من الاستقلالية والحرية إنما هو تعبير على ما كانت تنادي به الحداثة السياسية
بل قبل ذلك ومنذ السؤال الكانطي الشهير: مالأنوار؟ والذي كثّف إجابته في: الجرأة
والاستقلالية والحرية في استخدام العقل.
لا يمكن فهم الاستقلالية والحرية إلا في سياق المقارنة بالهيمنة بكافة أشكالها وما يعنيه هذا
المفهوم من غياب مطلق للعقل والإرادة بمعاني الذات الحرة والفاعلة والتي تخوض
صراعها من أجل الاعتراف.
ج- الاعتراف في التضامن: هذا الشكل من الاعتراف إنما هو نتيجة للاعتراف في القانون
وبشكل آخر هو نتاج أو تعبير عن التقدير الاجتماعي.
هذا الاعتراف يرتبط بالمسؤولية الأخلاقية للمجتمع، وهو دلالة واضحة على إيتيقا
الاعتراف داخل المجتمعات المعاصرة والتي أصبح فيها تحقيق التقدير الاجتماعي متوقفا
على تحقيق الذات للاعتراف. نقرأ في كتاب “التشئ دراسة في نظرية الإعتراف”: “هذا
الشكل من الاعتراف يحقق للفرد تحقيق الذات” (المصدر نفسه، ص13).
هذه النماذج الثلاثة للاعتراف، تحيل على المعاني المرتبطة بالغاية الأساسية لفعل
الاعتراف ذاته، حيث إذا ما تحقق الاعتراف في الحب، فإن الحاصل هو الثقة في الذات.
وإذا ما حصل الاعتراف في القانون، فإن ترجمة ذلك هو احترام الذات. أما إذا ما فعلنا
شكل الاعتراف في التضامن، فإن المقابل هو التقدير الاجتماعي.
بين الشكل والنموذج، أو بين النظرية والممارسة، أصبح الصراع من أجل الاعتراف هو
الوسيلة والغاية في نفس الوقت في علاقة بفك تناقضات المجتمعات المعاصرة، وذلك وفق
رؤية تُدمج الإيتيقا صلب النظرية السياسية المعاصرة وتقترح للذات أمكنة مغايرة من
18
خارج مربعات الحداثة، هذه التي تُثبّتها في مربعات الذات المقموعة وفق إحداثيات الهيمنة
أفقيا والسلطة عموديا.
وهذا ما دفع “أكسل هونيث” نحو البحث في ممكنات الذات الفاعلة التي تخوض صراعها
من أجل الاعتراف. هذا الأمر دفعه إلى محاججة فلسفات ما بعد الحداثة التي أعلنت عن
موت الإنسان وذوبانه داخل عالم الرموز.
خاتمة:
يظهر بصورة واضحة وجليّة، أن مفهوم الاعتراف، يُمكن أن يكون من الآليات
الرئيسية في علاقة بحل تناقضات المجتمعات المعاصرة، شرط أن يكون مساوقا للتغيّرات
والأشكال الجديدة منها. وفي جانب آخر، تتوقف راهنيه المفهوم، على مدى استجابته
لشروط إدارة الصراع من جهة، وفهم ارتداداتها من جهة أخرى. ولعل القراءات المتعددة
لهذا المفهوم، وتطويعه لفائدة حسم صراعات اللاعدالة والا تكافئ، يسمح بتوسيع مجالات
استعماله وتنزيله في خط المواجهة الأول ضد الهيمنة والسيطرة ومحاولات الاخضاع.
وربما تبدو هذه المصطلحات مشحونة بمفردات المعجم السياسي الفلسفي، لكنها في نفس
الوقت، تشمل الجانب المتعلق بالبحث السوسيولوجي الهادف نحو الكشف عن ميكانيزمات
الهيمنة مثلما أشرنا. ولعل أعمال “ميشال فوكو” و”بيير بورديو”، تُغني هذا السعي نحو
اختراق المجال التقليدي للسلطة بمختلف تجلياتها، وتُحفّز الباحث على اختبار نجاعة فعل
الاعتراف ومدى صدقيّة نتائجه نظريا وعمليا، مثلما رأينا مع البعض من مقاربات “يورغن
هابرماس” و”أكسل هونيث”.
