لماذا الكتابة والخطأ والخطيئة؟

لماذا الكتابة والخطأ والخطيئة؟
5
(1)

عز الدين ميهوبي

عندما أصدرت في أكتوبر 2023 كتابي “خطأ أن تكتُب.. خطيئةٌ أن تنسى”، قدّمتُهُ بهذه الفقرات:

يحدُثُ أن تكتبَ شيئًا، ثمّ تُتلفُه، لسببٍ أو لآخر. ويحدثُ أيضًا أن تكتبَ شيئًا، وتحتفظ به، إنْ في دفترٍ، أو ورقةٍ مُهملة.. لكنّهُ يأخذُ حيّزًا في الذّاكرة. قد يأخذُ النسيانُ زاويةً مُظلمةً في مساحة الذّاكرة، وتتلاشى مع الزّمن، وتنزاحُ خارجَ رواسبِ ما نكتُبُه.. وبين هذا وذاكَ، تبرزُ قصّةُ القلمِ والممحاة، الذّاكرة والنسيان، الخطأ والخطيئة..
تقُول قصّة الحوار بين القلم والممحاة، كما حفظتُها:
سألتِ الممحاة قلمَ الرّصاص: كيف حالُك يا صديقي.
ردّ القلم غاضبًا: أنا لستُ صديقك، أيّتُها الجحُودة. أنا أكرهك.
قالت بدهشة وحزن: تكرهُني؟ لماذا؟
قال: لأنك تمحينَ ما أكتب..
قالت: أنا لا أمحُو إلاّ الأخطاء.
قال القلم برُعونةٍ: وما شأنك أنت؟
قالت: أنا مِمحاة وتلكَ وظيفتي..
قال: هذه ليست وظيفة..
قالت: إنّها وظيفة نافعة كتلكَ التي تقُوم بها أنت.
قال القلم: أنتِ مخطئة ومغرُورة، لأنّ من يكتُب أفضل ممن يمحُو..
قالت : محوُ الخطأ يُعادل كتابة الصّواب..
صمت القلم قليلاً، وأطرقَ يلإكّرُ، ثمّ قال بشيءٍ من الحُزن: ولكنني أراكِ تصغُرين يومًا بعد يوم..
قالت: لأنّني أضحي بشيْءٍ مني كلما محوْتُ خطأ..
قال القلم بصوت فيه بعضُ الحسرةِ: وأنا أحسُّ أنني أقْصُر مما كنتُ عليه..
قالتِ الممحاة هي تواسِيه: يا صديقي، لا نستطيع إفادةَ الآخرين، إلا إذا قدّمنا تضحيةً من أجلهم..
ثم نظرت إليهِ بعينٍ ملؤُها العطف: أما زلتَ تكرهني؟..
طأطأ القلم رأسهُ وقال بأسفٍ شديد: يبدُو أنّ قدرَنا هو التضحيّة. فما جدوَى أن أكرهك، وكلانَا سينتهي إلى النسيان..
قالَ أحدهُم، إنْ لم تستطعْ أن تكُون قلمًا يتقطّرُ منهُ حِبرُ السّعادة، فكُن مِمحاة تتخلّصُ من رُهابِ القلق والخوف.. وبينَهُما تكبرُ الذّاكرة ويعظُمُ النسيان، وبينهُما أيضًا تتجلّى المسؤوليّة بين خطأ أن تكتُب، وخطيئة أن تنسى.. وتلك وظيفةُ التّاريخ.
هذه مقالاتٌ انتقيتُها من أرشيفي، رأيتُ أن أتقاسمَ بعضَها مع قارئٍ أثقُ في وعيِه وذكائِه، عندما ينتهي من قراءتِها يمرُّ بي كالأعرافِ على صراطِ الكتابةِ، فيضعُني هنَا أو يصنّفني هُناك. فالكتابةُ إمّا أنّها جمرةٌ في يدٍ لا تخشى الحريق، أو وردةٌ في يدٍ تمتِهنُ صِناعةَ العطرَ..

ما مدى تقييمك لهذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمها!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عداد التقييمات: 1

لا توجد أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

0Shares

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *